صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-02@17:50:14 GMT

السودان… دولة سبقتْها بندقيتها

تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT

السودان… دولة سبقتْها بندقيتها

إبراهيم هباني 

حين تأسست المؤسسة العسكرية في السودان عام 1925 تحت اسم قوة دفاع السودان، لم تكن البلاد على موعد مع ولادة جيش وطني بقدر ما كانت الإدارة الاستعمارية بصدد إغلاق صفحة ثورة 1924، وضمان ألا يتكرر تمرد الجنود والضباط الذين كادوا آنذاك أن يحولوا السلاح إلى أداة سياسية في مواجهة السلطة القائمة.

هكذا ولدت القوة المسلحة الحديثة كجهاز ضبط وأمن، قبل أن تولد الدولة نفسها بثلاثة عقود.

هذه الحقيقة التأسيسية ليست مجرد تفصيل تاريخي، بل مفتاح لفهم مأزق السودان المعاصر. فالبلاد التي نالت استقلالها في مطلع يناير 1956 ورثت مؤسسة عسكرية أقدم منها، وأكثر تماسكا من مؤسساتها المدنية، وأشد ثقة بذاتها من نخبها السياسية.

ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان في معادلة غير متوازنة: دولة تبحث عن شرعيتها، وجيش يرى نفسه أسبق من الدولة، وأقرب إلى مفهوم “المالك” منه إلى مفهوم “الخادم العام”.

لم يكن هذا المصير حتميا، لكنه تحول إلى مسار ثابت بفعل خيار سياسي تكرر مرارا: الاستعانة بالجيش لحسم الصراع المدني.

*الانقلابات بدل التداول:
منذ الاستقلال، عاش السودان على إيقاع الانقلاب العسكري بوصفه بديلا للسياسة، لا استثناء طارئا عليها. خمسة انقلابات ناجحة شكلت النظام السياسي، وعدد لا يُحصى من المحاولات الفاشلة، وكل واحدة منها رفعت لها لافتة “الإنقاذ” أو “التصحيح” او “التغيير”، وانتهت إلى تعقيد ما قبلها.

انقلاب نوفمبر 1958 أنهى أول تجربة ديمقراطية قبل أن تكتمل.

انقلاب مايو 1969 جاء بتحالف أيديولوجي حمل الدولة إلى نظام شمولي.

إطاحة جعفر نميري في أبريل 1985 أعادت الجيش إلى الواجهة بوصفه “الضامن” للانتقال.

انقلاب يونيو 1989 دمج الجيش بالحزب، والدولة بالعقيدة، والاقتصاد بالتنظيم السياسي.

ثم جاء سقوط عمر البشير عام 2019 ليكشف أن الأزمة لم تكن في رجل واحد، بل في بنية كاملة ترى في السلاح طريقا للشرعية.

أما انقلاب أكتوبر 2021، فلم يكن مجرد صراع على السلطة، بل إعلانا صريحا بفشل الشراكة بين السياسة والمؤسسة العسكرية، وقطعا للطريق أمام أي انتقال مدني حقيقي، ومقدمة مباشرة لانفجار الدولة نفسها.

*اختراق متبادل:
الحديث الشائع يختزل الأزمة في “هيمنة العسكر”، لكنه يتجاهل نصف الصورة.

فالأحزاب السودانية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تعاملت مع الجيش تاريخيا بوصفه أداة عند الحاجة، وعقبة عند الخلاف.

تيارات لجأت إليه لحماية مواقعها، وأخرى رأت فيه وسيلة تسريع للتغيير، وثالثة استخدمته كحكم مؤقت في صراع دائم.

ومع الزمن، لم يعد الجيش مؤسسة مهنية محايدة، بل ساحة اختراق سياسي:
ولاءات حزبية، ترقٍ مبني على الثقة لا الكفاءة، وتداخل متزايد مع الاقتصاد والإدارة. ثم جاءت تجربة الإسلاميين لتقضي على ما تبقى من هذا التوازن الهش، عبر تحويل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى ذراع حزبية، وبناء أجهزة موازية، ومليشيات رديفة، واقتصاد خارج الرقابة، حتى صار “الأمن القومي” مفهوما سياسيا لا وطنيا.

*من الثورة إلى القطيعة:
حين خرج السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر 2018، كانوا يحاولون كسر هذه الحلقة التاريخية. وحين سقط نظام البشير، بدا أن نافذة نادرة فُتحت لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح. لكن فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 مثل قطيعة أخلاقية وسياسية مع هذا الأمل، حين استُخدم العنف المفرط ضد مواطنين عزل كانوا يطالبون بدولة مدنية.

ثم جاء انقلاب 2021 ليغلق المسار الانتقالي، ويعيد البلاد إلى مربع الصفر، ويفتح الباب أمام أسوأ السيناريوهات:
حرب داخل المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدولة. حرب لم تُشعلها قضية وطنية، ولا تهديد خارجي، بل صراع على السلطة والموارد وشكل الدولة المقبلة.

كانت النتيجة حربا عبثية بكل المعايير:
مدن مدمرة، ملايين نازحين ولاجئين، اقتصاد منهار، ونسيج اجتماعي يتآكل تحت خطاب كراهية وجهوية. سقط الشباب والكنداكات الذين رفعوا شعار “حرية سلام وعدالة”، وسقط معهم وهم أن الأزمة تكمن في الأشخاص لا في المنظومة.

*شعار لا يكفي:
طُرح مفهوم “قوات الشعب المسلحة” بوصفه مظلة وطنية جامعة، لكنه ظل شعارا فضفاضا ما لم يُترجم إلى عقيدة دستورية واضحة. فالجيوش لا تُبنى بالمسميات، بل بالقواعد:
جيش واحد، مهني، غير مسيس، خاضع لسلطة مدنية منتخبة، ومهمته بحماية الدستور والحدود والشعب، لا حماية الحكام ولا الأحزاب ولا شبكات المصالح.

من دون ذلك، يتحول السلاح إلى مراكز قوة متنازعة، وتتحول البلاد إلى ساحة صراع، وتصبح الدولة مجرد مفهوم نظري.

*خيار واحد:
ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل فشل نموذج كامل في إدارة العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية. ولا يمكن الخروج من هذا الفشل بشعارات جديدة، ولا بتسويات تعيد إنتاج الأزمة.

الطريق الوحيد يبدأ بـ إصلاح جذري وشامل للمؤسسة العسكرية والأمنية والشرطية:

تفكيك التسييس، توحيد السلاح، إخراج القوات النظامية من النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء العقيدة المهنية على أساس وطني صرف. يتبع ذلك الشروع في عملية انتقال مدني ديمقراطي حقيقية تعالج جذور الفشل التاريخي للدولة السودانية:
الحكم، العدالة، التهميش، وتوزيع السلطة والثروة.

ولا انتقاص من السيادة، ولا حرج سياسيا، في أن يتم هذا المسار تحت حماية وإشراف دولي وأممي، إذا كان البديل هو التفكك، والدولة الفاشلة، وحروب بلا نهاية. فسيادة الدولة لا تقاس برفض العالم، بل بقدرتها على حماية شعبها وبناء مؤسساتها.

أما الإصرار على تكرار التجربة نفسها، بالعقلية نفسها، والسلاح نفسه، فلن يقود إلا إلى نتيجة واحدة:
دولة سبقتها بندقيتها… وما زالت عاجزة عن اللحاق بها.

الوسومإبراهيم هباني

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

تعز .. فعالية ثقافية للمنطقة العسكرية الرابعة بذكرى يوم الولاية

الثورة نت/..

أقامت شعبة الثقافة الجهادية بالمنطقة العسكرية الرابعة بمحافظة تعز، اليوم، فعالية ثقافية بذكرى “يوم الولاية” للعام 1447هـ، تحت شعار “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

وفي الفعالية، أشار وكيل أول المحافظة محمد الخليدي، إلى دلالات إحياء الذكرى في تاريخ الأمة الإسلامية، مستعرضاً السياق التاريخي ليوم الغدير ومضامين خطبة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله في حجة الوداع.

وأكد أن مبدأ الولاية بالمفهوم القرآني يمثل حصناً منيعاً للأمة في مواجهة مؤامرات الأعداء وقوى الاستكبار العالمي “أمريكا وإسرائيل”، مبينًا أن البديل عن ولاية الله سبحانه وتعالى التي قدّمت في يوم الغدير هو ولاية اليهود والنصارى.

ولفت الخليدي إلى أن التولي ليس مجرد انتماء مذهبي بل هو ارتباط عملي وسلوكي، والتزام بالرسالة الإلهية الكفيلة بحفظ عزة الأمة واستقلالها وصون هويتها الإيمانية.

بدوره، أشار قائد اللواء 33 العميد طلال الشميري، إلى أن إحياء ذكرى يوم الغدير يمثل تذكيراً مستمراً بالبلاغ النبوي ليبقى حياً في وجدان الأجيال.

وأكد السير على نهج الإمام علي عليه السلام في مواجهة قوى البغي والعدوان، ومواصلة الصمود والثبات بقيادة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.

وكان العميد مفيد الجابري، ألقى كلمة ترحيبية في مستهل الفعالية، أكد أهمية استلهام الدروس والعبر من الذكرى في تعزيز جوانب الصمود والتعبئة.

تخللت الفعالية، التي حضرها قيادات عسكرية وأمنية وشخصيات اجتماعية، قصيدة شعرية، وفقرات إنشادية لفرقة طلاب مدرسة القرآن الكريم، ورقصات شعبية.

مقالات مشابهة

  • مسؤول إيراني: لم نكشف كل أوراقنا العسكرية ولدينا منشآت مخفية
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • بسبب انقلاب سيارة.. ارتفاع عدد مصابي حادث الصحراوي الشرقي بالمنيا لـ 14 مصاباً
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • تعز .. فعالية ثقافية للمنطقة العسكرية الرابعة بذكرى يوم الولاية
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • بالأسماء.. ارتفاع عدد مصابي حادث انقلاب سيارة ربع نقل بالمنيا لـ14 شخصًا
  • واشنطن تُثني على موقف الإطار بشأن حصر السلاح وفك ارتباط الحشد
  • عصائب أهل الحق تباشر فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتُشكل لجنة لحصر السلاح