أوروبا في احتياج إلى إطار أمني جديد
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
بات من الواضح على نحو متزايد أن أي إطار عمل قابل للتطبيق للتعاون الدفاعي والأمني الأوروبي يستلزم إنشاء شيء مشابه للاتحاد الأوروبي الغربي (WEU) القديم الكتلة المكونة من عشرة أعضاء التي توقفت عن العمل في عام 2011. قد يعترض كثيرون بحجة أننا لدينا بالفعل الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن ما لا يستطيع أحدهما القيام به يستطيع الآخر تنفيذه.
لكن هذا الحجة لم تعد صالحة؛ فقد أوضحت التطورات الأخيرة أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي (EU) غير مؤهلين على الإطلاق لمواجهة التحديات المتغيرة التي تواجه أوروبا.
لنتأمل هنا حالة أوكرانيا. من ناحية يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور حيوي في تقديم المساعدة المالية لهذا البلد الـمُـحاصَر؛ فقد سارع إلى المساهمة في تحسين التعاون بين صناعاته الدفاعية، وفتح الطريق أمام انضمام أوكرانيا في نهاية المطاف.
من ناحية أخرى ينتهي به الأمر إلى الشلل كلما استخدمت دولة أو دولتان من أعضائه حق النقض ضد قراراته. الأسوأ من ذلك أن الناتو لطالما كان عنصرا أساسيا في الدفاع عن أراضي أوروبا، لكن التزام الولايات المتحدة بالتحالف ــ وخاصة بالأمن الأوروبي ــ أصبح موضع شك على نحو متزايد، كما أوضحت مخططات الولايات المتحدة بشأن جرينلاند -الإقليم السيادي التابع للدنمارك عضو الناتو والاتحاد الأوروبي-. نتيجة لهذا؛ لم يعد الحوار بين أعضاء الناتو على ذات القدر من الأهمية الذي كان عليه في السابق، خاصة فيما يتعلق بمسألة الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا.
لهذا السبب بدأت أُطُر عمل جديدة وغير رسمية تتشكل على الهامش. على مدار العام الماضي اكتسب تحالف الراغبين الذي نشأ للحفاظ على الدعم المقدم لأوكرانيا أهمية متزايدة. ويشير كثيرون الآن إليه بالأحرف الأولى من مسماه باللغة الإنجليزية: (CoW) « تحالف الراغبين».
وفي حين تسعى الولايات المتحدة من جانب واحد إلى إنشاء أُطُر عمل غير متسقة لإنهاء القتال كانت دول أوروبية رئيسية تلتقي تحت هذا الشعار الجديد؛ لوضع سياسة طويلة الأمد أكثر جدية.
إحدى المزايا الجلية التي يتمتع بها تحالف الراغبين أنه يضم المملكة المتحدة والنرويج بينما يستبعد المجر التي دأب رئيس وزرائها الموالي لروسيا فيكتور أوربان على إحباط استجابات الاتحاد الأوروبي للحرب.
تجتمع قيادة التحالف الثلاثية غير الرسمية « E3 » المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا الآن بانتظام إلى حد ما بما يدل على أنها تلبي حاجة لا يستطيع الاتحاد الأوروبي ولا حلف شمال الأطلسي تلبيتها.
لماذا إذن لا نتخذ الخطوة المنطقية التالية المتمثلة في إنشاء نسخة جديدة من الاتحاد الأوروبي الغربي القديم؟ بحلول الوقت الذي حُـلّ فيه رسميا قبل ما يقرب من خمسة عشر عاما كانت وظائفه المتبقية انتقلت إلى الاتحاد الأوروبي الذي امتدت ولايته وهياكله لتشمل سياسة الأمن والدفاع.
في الواقع نُـسِخَت فقرة الدفاع المتبادل (المادة 42.7) في معاهدة لشبونة المؤسسة للاتحاد الأوروبي من معاهدة الاتحاد الأوروبي الغربي، وهي تتجاوز ما ذهبت إليه فقرة الدفاع الجماعي (المادة الخامسة) في معاهدة شمال الأطلسي.
ولكن بعد ذلك جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تركت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي؛ لأن أغلبية ضئيلة من الناخبين صدقت حجة مفادها أن بلدهم سيكون في وضع أفضل بمفرده، حتى في عالم أكثر اضطرابا.
بعد مرور عشر سنوات بات من الواضح تماما الآن أن هذا كان خطأ. لم تصبح بريطانيا أصغر وأضعف فحسب، بل أصبح الاتحاد الأوروبي كذلك أيضا. كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي اضطلعت المملكة المتحدة بدور رئيسي في تشكيل السياسات المشتركة التي انتهجتها كتلة كانت مهمة على الساحة العالمية. وعندما رحلت نضب معين هذا المصدر الرئيسي للأهمية.
ولكن نظرا للتحدي الذي تشكله الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا لم يكن من الواقعي صياغة استجابة أوروبية فعّالة في غياب المملكة المتحدة. ومع وجود مكونات تحالف الراغبين بالفعل ظهرت القيادة الثلاثية الجديدة، وسرعان ما اكتسبت أهمية استراتيجية. كان الناتو مشغولا بشدة بمحاولة استرضاء «بابا» (اللقب المحرج الذي أطلقه أمين عام الناتو مارك روته على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب) لوضع استجابة سياسية، وكان الاتحاد الأوروبي يجاهد بسبب العراقيل التي تضعها المجر وسلوفاكيا.
بما أن الاتحاد الأوروبي الغربي الجديد موجود بحكم الأمر الواقع؛ أليس من المنطقي إضفاء الطابع المؤسسي عليه رسميا؟ على الأقل ينبغي لنا النظر بجدية في هذه المسألة. تحتاج الدول الرئيسية في أوروبا الغربية ـ أيا كان تعريفنا لهذا المصطلح ـ إلى إطار أكثر صرامة ليس فقط لتنسيق السياسات بشأن روسيا وأوكرانيا.
بل تحتاج أيضا إلى مواجهة الترهيب الأمريكي الذي يتجلى في إعلان ترمب فرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية؛ لمعارضتها اقتراحه بضم جرينلاند.
لا يخلو الأمر من طرق عديدة لإضفاء الطابع المؤسسي على الاتحاد الأوروبي الغربي الجديد دون بناء هياكل ضخمة وترتيبات شديدة التعقيد، ودون مزيد من تقويض أو تكرار دور الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي.
ما يهم هو أن يفعل أولئك الذين ما زالوا على استعداد للدفاع عن القيم الغربية أي شيء. لقد فرضت السنة الأولى من ولاية ترمب الثانية هذا الوضع على أوروبا. ومع تبقي ثلاث سنوات أخرى فإن التردد ليس خيارا واردا.
يجب أن يكون إنشاء اتحاد أوروبي غربي جديد على رأس جدول الأعمال؛ لأن الأمن الأوروبي من غير الممكن أن ينتظر.
كارل بيلدت رئيس وزراء ووزير خارجية سابق للسويد.
خدمة بروجيكت سنديكيت
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبی الغربی المملکة المتحدة تحالف الراغبین شمال الأطلسی
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.