لم تعد طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب محصورة في نطاق النفوذ التقليدي للولايات المتحدة، بل أخذت تتشكل على هيئة مسار جغرافي متدرج، يبدأ من الجنوب الغني بالطاقة، ويمتد شمالا نحو الجليد، حيث تتقاطع الموارد مع الجغرافيا السياسية في أخطر ساحات القرن الحادي والعشرين.

فبعد أن أحكمت واشنطن قبضتها على فنزويلا، التي لديها أكبر مخزون نفطي مؤكد في العالم، عبر سنوات من الضغوط السياسية والاقتصادية والعقوبات الخانقة، بدا أن ترمب انتقل إلى مرحلة جديدة من مشروعه العالمي وهو البحث عن الثروة التالية، لا في الصحاري ولا في البحار الدافئة، بل تحت الجليد القطبي.

في هذا السياق، لم تكن غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، مجرد كتلة جليدية نائية على هامش الخرائط، لكنها تحولت سريعا إلى محور اهتمام دولي بعدما أعاد ترمب طرحها بوصفها "ضرورة حتمية للأمن القومي الأمريكي".

وبينما صيغ الخطاب العلني بلغة الردع العسكري، والدفاع الصاروخي، و"القبة في السماء"، تكشف الوقائع أن جوهر الاهتمام الأمريكي يتمركز في مكان آخر تماما: تحت طبقات الجليد السميكة، حيث ترقد ثروات معدنية إستراتيجية تعد مفتاح الهيمنة في عالم ما بعد النفط.

وخلف الخطب الأمنية لترمب، يرى مراقبون أن واشنطن تنظر إلى القطب الشمالي باعتباره ساحة الصراع المقبلة على الموارد، لا سيما مع تسارع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، ما كشف عن كنوز هائلة من المعادن النادرة والعناصر الإستراتيجية، كانت لعقود حبيسة الأعماق، وبعيدة عن متناول القوى الكبرى.

سيادة إستراتيجية

وتدرك الإدارة الأمريكية أن السيطرة على سلاسل توريد هذه المعادن لم تعد مسألة اقتصادية فحسب، بل تحوّلت إلى قضية سيادة إستراتيجية، ففي عام 2025، وصف مسؤولون أمريكيون موارد غرينلاند بأنها ضرورة مطلقة للأمن القومي.

في المقابل، لم تقف بكين مكتوفة الأيدي، بل واصلت تمددها عبر ما تسميه طريق الحرير القطبي، حيث تمتلك شركات صينية حصصا مؤثرة في مشاريع كبرى داخل غرينلاند، أبرزها مشروع "كفانيفيلد".

إعلان

وضمن مقاربته الخاصة، يفضل ترمب أدوات المال على أدوات الحرب، إذ يدرس خيار الإغراء المالي عبر طرح فكرة منح مليون دولار لكل مواطن في غرينلاند مقابل التصويت لصالح الانضمام إلى الولايات المتحدة، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 57 مليار دولار، وهو مبلغ يعتبره أقل بكثير من كلفة أي مواجهة عسكرية أو سباق تسلح طويل الأمد في القطب الشمالي.

ويرى الرئيس الأميركي أن هذه الخطوة يمكن تمريرها عبر استفتاء شعبي، مستندا إلى ما يعتبره حق الوصول الدائم الذي ضمنته واشنطن بموجب تفاهمات مع حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وقد شدد الأمين العام للحلف، مارك روته، على ضرورة تعزيز التزامات الحلفاء تجاه أمن القطب الشمالي، في ظل تصاعد التهديدات الروسية والصينية في المنطقة.

ودفعت التطورات المفوضية الأوروبية إلى دراسة تعزيز الإنفاق الدفاعي والوجود العسكري في القطب الشمالي، إلى جانب توسيع الشراكات الأمنية مع دول المنطقة.

وأكدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أن ما يجري بات ضرورة جيوسياسية حقيقية، مشددة على أن الوحدة الأوروبية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي تصعيد محتمل.

الاستقلال الاقتصادي

من داخل غرينلاند، يرى القادة في العاصمة "نوك" أن قطاع التعدين يشكل بوابة الاستقلال الاقتصادي عن الدانمارك، التي تقدم دعما سنويا يتجاوز 500 مليون دولار.

ورغم أن التعدين لا يسهم حاليا سوى بنحو 2.5% من الناتج المحلي، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية أن تقفز هذه النسبة إلى 20% في حال تشغيل المشاريع الكبرى.

لكن هذا الطموح يصطدم بتحديات جسيمة، أبرزها ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف التشغيل في بيئة قطبية قاسية، إضافة إلى مخاوف السكان الأصليين من ذوبان الهوية الثقافية نتيجة تدفق العمالة الأجنبية.

ومع دخول عام 2026، تقف غرينلاند عند مفترق طرق تاريخي، فالتغير المناخي يفتح أبواب الثروة ويطيل مواسم الملاحة في الممرات القطبية، لكنه في الوقت ذاته يفاقم المخاطر البيئية والجيولوجية.

وبين تجربة فنزويلا الغنية بالنفط، وطموح غرينلاند الغنية بالمعادن، يتضح مسار رؤية ترمب وهو السيطرة على موارد القرن الحادي والعشرين، من باطن الأرض الاستوائية إلى أعماق الجليد القطبي.

وفي هذا السياق، لا تبدو غرينلاند سوى محطة على طريق أوسع، عنوانه القطب الشمالي، وساحته الصراع العالمي المقبل على المعادن، والطاقة، والتكنولوجيا، ومستقبل النفوذ الدولي في عالم ما بعد النفط والجليد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القطب الشمالی

إقرأ أيضاً:

خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد

تشير توقعات ديموغرافية حديثة صادرة عن مراكز أبحاث دولية، من بينها مركز “بيو” للأبحاث، إلى أن العالم الإسلامي مقبل على إعادة تشكيل واضحة في خريطته السكانية بحلول عام 2030، مع بروز باكستان كأكبر دولة من حيث عدد السكان المسلمين عالميًا.

وتُظهر البيانات أن باكستان تتجه لتسجيل نحو 256.1 مليون مسلم، لتنتزع الصدارة من إندونيسيا التي يُتوقع أن يبلغ عدد سكانها المسلمين حوالي 238.8 مليون نسمة، بينما تحافظ الهند على موقع متقدم في المرتبة الثالثة بعدد يقدّر بنحو 236.2 مليون مسلم، ما يعكس استمرار الثقل الديموغرافي الكبير لجنوب آسيا داخل العالم الإسلامي.

وتؤكد هذه التقديرات أن مركز الثقل الإسلامي سيظل متمركزًا في آسيا وأفريقيا، مع نمو متسارع في دول ذات كثافة سكانية مرتفعة، بالتوازي مع توسع حضري وتحولات اقتصادية واجتماعية تؤثر مباشرة على معدلات النمو السكاني.

وفي المشهد العربي، تظهر مصر كأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان المسلمين المتوقع، بنحو 101.2 مليون نسمة، ما يعزز موقعها ضمن قائمة الدول العشر الأولى عالميًا، فيما تحافظ السعودية على حضورها في المراتب المتقدمة بعدد يقارب 35 مليون نسمة، إلى جانب الجزائر بنحو 41.2 مليون نسمة، والعراق بـ54.7 مليون نسمة، واليمن بـ37.1 مليون نسمة، والسودان بـ44.7 مليون نسمة، وسوريا بنحو 24.7 مليون نسمة.

كما تُظهر التوقعات استمرار تركيا وإيران ضمن المراتب الأولى في المنطقة، حيث يُتوقع أن يصل عدد السكان المسلمين في إيران إلى 89.6 مليون نسمة، مقابل 89.1 مليون في تركيا، ما يعكس تقاربًا ديموغرافيًا لافتًا بين البلدين داخل التصنيف العالمي.

وتشير البيانات كذلك إلى دخول دول غير تقليدية في قائمة أكبر التجمعات الإسلامية مثل نيجيريا وإثيوبيا وتنزانيا والنيجر، إضافة إلى أوزبكستان والصين، ما يعكس اتساع رقعة التوزيع الجغرافي للمسلمين عالميًا خارج الإطار التقليدي للشرق الأوسط.

ويرى خبراء ديموغرافيا أن هذه التحولات تعكس تغيرات طويلة الأمد في معدلات الخصوبة، والبنية العمرية للسكان، ومستويات التنمية، وهو ما يعيد رسم موازين القوة السكانية عالميًا، ويعزز دور آسيا وأفريقيا كمحركين رئيسيين للنمو السكاني في العالم الإسلامي خلال العقود المقبلة.

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • ترمب ينفي توقف المحادثات مع إيران: مستمرة يومياً
  • قوات الاحتلال تعبر نهر الليطاني للسيطرة على بلدتي زوطر
  • خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
  • ناسا تكشف عن خططها لإنشاء أول قاعدة لها على سطح القمر
  • غارات إسرائيلية استهدفت البرج الشمالي.. وسقوط جرحى
  • ترامب مخاطباً نتنياهو: «أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن»
  • وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر في لواء المزار الشمالي
  • قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال