د.ناهد محمد الحسن

الرسالة الاولى: من ليبريا..عن الحرب، والبيت، والسلام الذي يبدأ من الداخل

حين يذكر اسم Leymah Gbowee، ليما غبوي، غالبًا ما يُستدعى كنموذج مُلهم جاهز، امرأة أنهت حربًا أهلية، حصلت على نوبل، وصارت أيقونة سلام. هذه الصورة قد تبدو مريحة، لكنها غير دقيقة…ليما لم تبدأ كقائدة، ولا كمفكرة سياسية، ولا حتى كناشطة.

بدأت كامرأة عادية سُحقت حياتها تحت ثقل حرب لا تفهم من أشعلها، لكنها دفعت ثمنها كاملًا.

في ليبيريا، كما في السودان، دخلت الحرب البيوت قبل أن تدخل السياسة. دخلت الأجساد، العلاقات، اللغة اليومية، الخوف. ليما كانت أمًا تحاول حماية أطفالها، زوجة في علاقة عنيفة، نازحة تفقد الأرض والمعنى معًا. لم تحمل سلاحًا، لكنها عاشت السلاح في كل تفاصيل يومها.
وحين عملت لاحقًا مع أطفال جرى تجنيدهم قسرًا، رأت الحقيقة التي تغيّر مسار الوعي. رأت كيف أن الحرب لا تصنع وحوشًا فقط، وانما تصنع بشرًا مكسورين، ثم تطلب منهم أن يكونوا طبيعيين.

هذا الفهم، النفسي قبل أن يكون سياسيًا، هو ما صنع الفرق.
فليما لم تسأل: من على حق؟ لم تبحث عن سرديات..
سألت: من يدفع الثمن؟
وكان الجواب واضحًا: النساء..
وليس صعبا ان نعثر على هذا الجواب..فاذا لم تكن اجسادنا مسرحا للحرب.. فارحامنا من تدفع كلفة الحرب كل لحظة..فالذي تركته الحرب مقتولا في العراء بلا اسم ولا عنوان، تأكل الطير منه..خرج من رحم سهر عليه سنينا قبل ان يغدو علفا لاطماع السلاح.

عثرت ليما على جوابها.. لم تنشأ حركة، بل تشكّل وعي. لقاءات صغيرة، بلا شعارات كبيرة، بلا برنامج مكتوب. نساء مسلمات ومسيحيات، زوجات مقاتلين من أطراف متقاتلة، نازحات، فقيرات، أمهات فقدن أبناءهن. لم يُطلب منهن الاتفاق على رواية الحرب، بل على شيء أبسط وأصعب: أن استمرارها لم يعد ممكنًا.

في علم السياسة المقارن، تُعد هذه اللحظة حاسمة. حين تفشل الدولة، لا ينتقل الفعل تلقائيًا إلى النخب، بل إلى المجتمع. وحين ينهار الاحتكار الذكوري للعنف، تظهر قوة أخرى لا تنافسه بالسلاح، بل تُربك منطقه.
ليما لم تحاول هزيمة أمراء الحرب، بل رفعت كلفة استمرارهم. حضور يومي، صمت محسوب، إحراج أخلاقي، تعطيل ناعم لمسارات تفاوض اعتادت تجاهل النساء. لم تطلب سلطة، لم تُنشئ حزبًا، لم تعلن تمثيلًا. أبقت النساء في مواقعهن، وربطتهن بخيط واحد: لا عودة للحياة دون وقف الحرب.

هذه ليست رومانسية. هذا اشتغال على البنية الاجتماعية للصراع.
في الأنثروبولوجيا، البيت هو وحدة المجتمع الأولى. حين تُدمر الحرب البيت، تُصاب الدولة بالعطب. النساء، بحكم موقعهن في الرعاية والحياة اليومية، يملكن حساسية مبكرة لانهيار المعنى. لذلك لا يحتجن إلى وعي أيديولوجي متقدم ليعرفن أن الحرب عبث. يعرفن ذلك من الجسد.

ليما نجحت، لكن ليس بالطريقة التي تُروى عادة. لم تصنع سلامًا كاملًا، لم تُنهِ البطريركية، لم تحمِ كل النساء بعد الحرب. كثير من الوعود خُذلت، كثير من الهياكل عادت بأسماء جديدة. لكنها غيّرت شيئًا أخطر من السلطة: غيّرت حدود الممكن. جعلت الحرب غير قابلة للتطبيع اجتماعيًا.

وهذا هو الدرس للسودان…و السودان مدرسة للدروس..في ميشاكوس حملت النساء الجنوبيات التوابيت امام الساسة ليضغطن من اجل توقيع اتفاقية السلام. حملن التوابيت وضربن على صدورهن التي ارضعت وعلى ارحامهن التي انجبت..و كسرن بسرعة مع الشماليات الحاجز..بينما كان الرجال يتقاسمون الثروة والسلطة وغبار البارود..كن يلتقين..يحتضن بعضهن بعضا ، يتبادلن الهدايا، و يعملن من اجل السلام…

الرسالة من ليبريا ليست “كوني مثل ليما”، ولا “اتحدن في تنظيم واحد”.
الرسالة أعمق وأبسط:
كل امرأة، في موقعها، قادرة على أن تكون نقطة ضغط.
الأم، الجندية، النازحة، الموظفة، الطبيبة، المعلمة، زوجة المقاتل، المرأة في المعسكر، في المنفى، في البيت الذي يحاول الصمود.

السلام لا يبدأ ببيان. يبدأ حين تتوقف النساء عن إدارة آثار الحرب كقدر، ويبدأن في مساءلتها كجريمة.
وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال: من يحكم؟
ولكن: هل يُسمح للحرب أن تستمر؟

هذه ليست دعوة أخلاقية.
هذه قراءة واقعية للتاريخ.

في الرسالة القادمة، يمكن أن نروي حكايات أخرى:
كيف فشلت نساء في أماكن مشابهة، كيف استُخدم خطاب “المرأة والسلام” لتجميل العنف، كيف يمكن للنساء أن يضغطْن دون أن يُستنزفن أو يُستَخدَمن…
هلا فعلنا ذلك؟!
ملحوظة: من يستطيع يوصل هذه الرسالة لزوجة البرهان ونساء بيته وبنات اهله وجاراته وقريباته..و يرسلها الى زوجة حميدتي و زوجة عبدالرحيم و جميع نساء ال دقلو..و الى كل نساء الحركة الاسلامية فاعلات وزوجات…والى كل امرأة لديها زوج/ابن/اخ/قريب..يحمل السلاح الان.

الوسومناهد محمد الحسن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • استشهاد مسعف من جمعية الرسالة جراء الغارة الإسرائيلية على عربصاليم
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • «الاغتيالات لن تضعفنا».. رسائل نارية من أبو عبيدة للإحتلال
  • توقف رسائل التفاهم بين أمريكا وإيران
  • رهاب العلمانية!
  • إعلام إيراني: لا رسائل بين واشنطن وطهران منذ أيام
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش