موقع النيلين:
2026-06-02@22:02:41 GMT

شهادتي في السيد أحمد المهدي

تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT

بسم الله الرحمن الرحيم
شهادتي في السيد أحمد المهدي
(1)
بعد انتفاضة 2 يوليو 1976م شهدنا السيد أحمد المهدي في المحاكمة العسكرية للوالدة الراحلة سارا الفاضل رحمها الله، كانت تجلس وراء القضبان والسيد أحمد في كرسي الشهود، فشهد عليها وعلى كل قادة الأنصار آنذاك، وتحدث عن السيد الصادق المهدي عليه الرضوان الذي حكم عليه غيابيا بالإعدام، قائلا: إذا لم تطله عدالة الأرض فسوف تطاله عدالة السماء، كما أرسل للطاغية خطابا مؤيدا كل الإجراءات الباطشة التي اتخذت في حقه وغيره من قادة الأنصار (نص الخطاب موجود في كتاب صديق البادي: الجبهة الوطنية.

. أسرار وخفايا).
وقد نشر العميد أمن معاش حسن بيومي كتابا بعنوان (أسرار جهاز الأسرار) ذكر فيه تعامل السيد أحمد المهدي معهم لشق كيان الأنصار وأنهم صرفوا عليه بلا طائل فلم يجد فيما أرادوه له، وبرغم ذلك استمر نظام مايو الغشوم يستخدمه وصادر قبة وبيت المهدي من هيئة شؤون الأنصار وسلمها له وسماه إماما، فلبس المكاوية، بدون مبايعة الأنصار ولا حتى معرفة مصير إمامهم الشهيد الهادي الذي لم تتم إماطة اللثام عن مصيره إلا أثناء الحكم الديمقراطي الذي تلا انتفاضة الشعب على الطاغية.
(2)
أثناء نظام “الإنقاذ” البائد كرر السيد أحمد ذات الأمر، فكانت صلته والتنسيق بينه وبين قادة مكتب الأنصار بجهاز الأمن مستمرة، وصادروا القبة وبيت المهدي من جديد في مايو 1993م وسلموها له، وأعيد نفض الغبار من “إمامته” الشمولية، بل كتب اسمه رسميا في جواز سفره (الإمام أحمد عبد الرحمن المهدي).. ومن جديد كلما غاب السيد الصادق المهدي خارج البلاد، وتوخى فيه أن ينسق معهم ويساند راياتهم الدينية والوطنية ارتد إلى نهجه القديم: مخلب قط لأعداء الكيان الشموليين وأجهزة أمنهم.. وقد وثقت المحطات التي بانت فيها نكساته في كتابي (الإمام الصادق المهدي سيرة ومسيرة) الجزء الرابع: الثقب الأسود. فلن أعدد تلك الأحداث وليذهب له المستزيد.
(3)
بعد تصرفات السيد أحمد في سبعينات القرن الماضي كتب السيد الصادق المهدي شهادة حوله وجدتها وسط أوراقه، وبرغم ذلك ظل عليه الرضوان على الدوام يعطي السيد أحمد فرصة أخرى وينتظر أن يتراجع، ويفرد له مساحة كبيرة، ويقدره ويحترمه وينزله منزلة كبير الأسرة فيجعله يجري العقودات فقام بعقد قران معظمنا ويقدمه في مراسم الجرتق ويقدمه لإمامة الصلوات، كان يحفظ وده، ولا يحبه أن يكون أداة لهدم كيان الأنصار.. وبرغم ذلك حينما توفي الأمير علي يعقوب الحلو في يونيو 2019م تحدث السيد أحمد في تأبينه وادعى أن الراحل المقيم كان معترفا بإمامته ويقف معه في كل أمره وقال إن مؤتمر السقاي الذي انتخب الحقاني إماما كان بالتآمر مع نظام “الإنقاذ”..!! حينها كتب الإمام شهادته الأخيرة في السيد أحمد المهدي بعنوان (التعديات على الكيان والإصلاح والواجب) ذكر فيها عشرة تعديات أهمها: أنه وقع على وصية الإمام الراحل عبد الرحمن بالعلم وصحتها ثم أنكرها وحرض ضدها، أن لديه تجاوزات عدوان بشأن الحقوق في الدائرة، وتعيينه لنفسه إماما بلا أساس وبرغم وصية الإمام الصديق أن يكون الإمام باختيار الأنصار، والموقف المتخاذل من النظام المايوي وسعيه لديه ولدى الإمام الهادي أن يتم الاستسلام للحكومة المايوية “لنحافظ على مصالحنا المالية ومكانتنا الاجتماعية”، وقال: “أثناء بطش النظام المايوي بنا بعد انتفاضة يوليو 1976م اعتبر شاهد ملك ليدلي في المحاكمات التعسفية التي عقدت بما يعلم ولا يعلم ضد قيادة الحزب والكيان ويمد النظام المايوي بكل ما يريدونه في حملتهم لتشويه كياننا. واتخذه ذلك النظام مخلب قط ضد الأنصار فقام بمصادرة بيت المهدي في 7 نوفمبر 1982م وسلمه له وعقد له مهرجاناً ليسميه إماماً للأنصار، مع أن مصير إمام الأنصار حينها، الإمام الشهيد الهادي المهدي، لم يكن محققاً تماماً. وفضح عميد الأمن السابق حسن بيومي في كتابه (جهاز أمن الدولة: أسرار جهاز الأسرار) كيف أنهم كانوا يوظفونه. نفس الدور لعبه لاحقاً في نظام الإنقاذ فصودر بيت المهدي من هيئة شؤون الأنصار وسلم له. كما ارتكب أكبر فضيحة بمبايعة نميري إماماً والسير مع غوغاء نظام مايو في موكب الردع المزعوم الذي كان موكب الخزي (إبان انتفاضة أبريل المباركة، في 2 أبريل 1985م).”؛ وردا علبى فرية أن مؤتمر السقاي كان بالتواطؤ مع النظام المباد كتب الإمام يقول: “معلوم أن هيئة شؤون الأنصار قامت بالدور الوطني الأكبر في التعبئة ضد النظام الحاكم المباد، وعيب كبير من السيد أحمد أن يزعم أن لهيئة شؤون الأنصار تواطؤ مع نظام الحكم المباد وهو يعلم الدور التحرري الوطني الذي قامت به الهيئة منذ مؤتمر السقاي”.. “ونتيجة لموقف الهيئة التحرري صادر النظام مجمع بيت المهدي عشية عيد الأضحى في 22 مايو 1993م، ولاحقاً تآمر مجذوب الخليفة وسمح للسيد أحمد والمهادنين. نحن صبرنا على هذا الظلم فقضيتنا مع النظام أوسع من ذلك. إن وضع السيد أحمد يده منفرداً على مجمع بيت المهدي لا مبرر له.” وقال: “صحيح كانت له علاقة خاصة بالسيد علي يعقوب الحلو رحمه الله، ولكن هذه العلاقة انتهت وانضم السيد علي لهيئة شؤون الأنصار منذ تكوينها المؤسسي في 2002م، وانتخب رئيساً لمجلس الحل والعقد، والتزم بالدليل التأسيسي للهيئة والنظام المؤسس عليها. وكان مخلصاً لقيادة الهيئة المنتخبة. مع كل هذه الحقائق إن ما قاله السيد أحمد عن السيد علي يعقوب (في كلمته التي ألقيت في تأبين السيد علي أمس)، افتراء عليه لأنه يرميه بالنفاق حاشاه”.
وختم الإمام عليه الرضوان شهادته بالقول: “سكتنا عن كل هذه الحقائق لعل السيد أحمد يراجع أخطاءه، ولكن ما أعلنه مؤخراً يدل على الإصرار على الخطأ. وما دام مصراً على هذه المواقف فلم يترك لنا مجالاً إلا التصدي لتصحيح الموقف، وسنفعل بحزم إن شاء الله.. كنت حريصاً على تجنب المواجهة حرصاَ على ألا نورث ذوينا الأحقاد. لذلك حرصت أن أبين لهم الحقائق ليفهموا ما أجبرنا عليه.”
(4)
حينما أصيب الإمام الحقاني عليه الرضوان بالكوفيد اللعين في أكتوبر 2020م كتب السيد أحمد المهدي بيانا ظاهره تعاطف وباطنه شماتة بالمرض..
(5)
وحتى بعد مرور خمس سنوات على رحيل الإمام الحقاني عليه الرضوان لا يزال السيد أحمد لا يفوت فرصة إساءة للإمام فأرسل للاحتفال الذي أقيم بمناسبة الذكرى الخامسة كلمة دس فيها السم في الدسم فأراد تلويث تاريخ الإمام وصحبه الميامين الذين قال فيهم الشريف الهندي (ديل أولاد حشاك لا ارتزاق لا زيف.. ديل الكلهم صادق وأصله شريف).. شجب السيد أحمد في كلمته التي بثت في الحفل انتفاضة الجبهة الوطنية، وادعي أنها كانت مؤامرة تخريبية.. ثم ذكر لاحقا أن السيد الصادق كان رئيسا للجبهة الوطنية التي نظمتها. ولمن يريد أن يعلم كيف نظمت انتفاضة 1976م وكيف شوه المايويون تاريخها وأساء لأبطالها الميامين فليرجع لكتاب الإمام (المصالحة الوطنية)، أو لكتاب العميد عبد الرحمن خوجلي (الجيش والسياسة).
(6)
هذا هو الرجل الذي تهز به أجهزة إعلام حكومة بورتسودان-الخرطوم، وتهزأ بتاريخ الأنصار وبمؤسستهم بتسميته زعيما لهم.. ويتسلمون منه وثيقة عهد من الأنصار..
إذا أراد البرهان والجيش ومؤيدوهم أن يدعوه إماما للأنصار ويلبسوه المكاوية للمرة الألف فإن للأنصار قيادة معروفة هي مجلس الحل والعقد لهيئة شؤون الأنصار الذي يحل محل الإمام في غيابه حتى ينتخب الإمام باختيارهم في المؤتمر العام الثاني.. وتنظيم الأنصار يقوده المكتب التنفيذي على رأسه الأمين العام.. إن محاولاتهم نفخ الرماد لن تجديهم إلا إعراضا من الأنصار وقد جربه غيرهم كثيرا (والبجرب المجرب بتحوق بيه الندامة).
(7)
إن مرافقة الفريق عبد الرحمن الصادق المهدي الذي يتقلد منصبا رفيعا كنائب لرئيس مجلس الحل والعقد في الهيئة للسيد أحمد قد تفهم في إطار أنه جده وعمه أو أن ينسق معه في موقف سياسي مشترك، على أن يكون ذلك بعيدا عن أي ظلال على كيان الأنصار أو حديث باسمه، فالسيد أحمد ليس زعيما لهم من قريب أو بعيد.
ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

رباح الصادق

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/25 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة لا إستفدنا ،ولا إتعظنا ،ولا إتغيرنا ،ياهو نفس الجشع والإستغلال وأكل الأموال بالباطِل2026/01/25 السعودية والإمارات: صراع استراتيجي أم خلاف مصالح آني؟2026/01/25 من يدفع تكلفة رسوم ترمب الجمركية؟2026/01/24 إبراهيم شقلاوي يكتب: حرب السودان .. تحوّل ترسمه المخابرات2026/01/24 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وحوار)2026/01/24 جائزة أشطر قحاتي.. للمطشِّش “في -شلّة- العُمي”!2026/01/24شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات لا لتعويض ضحايا الحرب 2026/01/24

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الصادق المهدی السید أحمد فی السید الصادق علیه الرضوان شؤون الأنصار عبد الرحمن بیت المهدی السید علی

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • أحمد موسى : عام 2011 البلد تعرضت لكارثة هائلة ومحاولة لإسقاطها وليس النظام
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • أحمد سليمان: لو الزمالك عليه 7 ملايين دولار بسبب قضايا القيد.. فالأهلي دفع المبلغ نفسه في مدربين
  • ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • إنفوجرافيك | ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • إنفوجرافيك | الإمام علي عليه السلام.. الدور الرسالي والقيادة الربانية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟