من #إعادة_الهيكلة إلى التفوق الذكي: قراءة استشرافية في الرسالة الملكية لتحديث #الجيش_العربي

الأستاذ #الدكتور_أمجد_الفاهوم

في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، جاءت الرسالة الملكية السامية الموجّهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة لتشكّل وثيقة استراتيجية بامتياز، تتجاوز إطار التوجيه العسكري التقليدي، وتؤسس لمرحلة جديدة في تطور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، عنوانها التحول البنيوي الشامل، والانتقال الواعي من منطق “القوة الكافية” إلى منطق “القوة الذكية المرنة القادرة على الردع والتكيف”.

تحمل الرسالة مضامين عميقة تؤكد أولاً أن الأمن الوطني الأردني لم يعد يُقاس فقط بسلامة الحدود، بل بقدرة الدولة على قراءة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية واستباق آثارها. فالإشارة الصريحة إلى التهديدات الحالية والمستقبلية، والبيئات العملياتية المتغيرة، والحروب الهجينة وغير التقليدية، تعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن طبيعة الصراع المعاصر لم تعد خطية أو تقليدية، بل متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا مع السيبرانية، والسلاح مع البيانات، والميدان مع الإدراك.

مقالات ذات صلة هل تصمد أوروبا في مواجهة الفيل الأمريكي ؟ 2026/01/24

وتكشف الرسالة عن انتقال واضح من مقاربة التحديث الجزئي إلى إعادة الهيكلة الشاملة، سواء على مستوى التنظيم أو العقيدة القتالية أو منظومات القيادة والسيطرة. فالحديث عن قوات “رشيقة ومرنة ونوعية” لا يعني تقليصًا عدديًا بقدر ما يعني رفع الكفاءة، وتعظيم الأثر العملياتي، وبناء وحدات قادرة على الانتشار السريع، واتخاذ القرار اللامركزي، والعمل المشترك بين الصنوف، وفق عقيدة بسيطة في صياغتها، عميقة في أثرها، وقابلة للتطبيق في ظروف الحرب المعاصرة.

أحد أهم التحولات التي تستشرفها الرسالة يتمثل في إعادة تعريف مفهوم التفوق العسكري. فلم يعد التفوق مرهونًا بالتكافؤ العددي أو التسليحي، بل بالتميز في مجالات نوعية محددة، وعلى رأسها العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، وتوظيف الأنظمة المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والربط الشبكي بين المستشعرات ووحدات التنفيذ. هذا التوجه يضع الجيش العربي في مسار الجيوش الحديثة التي تستثمر في “التفوق الذكي” كخيار استراتيجي للدول متوسطة الموارد في بيئات أمنية معقدة.

كما تعكس الرسالة فهمًا عميقًا لمفهوم “مراكز الثقل” في الفكر العسكري الحديث، سواء كانت مراكز ثقل استراتيجية أو عملياتية. فالتأكيد على حمايتها، وبناء منظومة قيادة وسيطرة واتصالات آمنة وموثوقة، يعني الانتقال من الدفاع التقليدي إلى الدفاع القائم على الاستمرارية والمرونة والقدرة على العمل تحت الضغط والتشويش والتهديد السيبراني، وهو ما يشكل جوهر الحروب الحديثة.

وتبرز الرسالة بعدًا تكامليًا مهمًا في إدارة المنظومة الأمنية الوطنية، من خلال الدعوة إلى دراسة التوظيف الأنسب لوحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة ضمن الخطط التعبوية. هذا التوجه يعكس فهمًا متقدمًا لمفهوم الأمن الشامل، حيث تتكامل الأدوار بين المؤسسات العسكرية والأمنية، ضمن إطار تخطيطي واحد، يضمن الاستخدام الأمثل للموارد، ويعزز الجاهزية في حالات الطوارئ والأزمات المركبة.

أما على صعيد الاستدامة، فتولي الرسالة أهمية مركزية لمنظومة الإسناد اللوجستي، وقوات الاحتياط، باعتبارهما عنصرين حاسمين في الحروب طويلة النفس. فالقدرة على الاستدامة، وتأمين خطوط الإمداد، وإدارة الموارد في مختلف المستويات، لم تعد مسألة إدارية، بل ركيزة من ركائز النجاح العملياتي.

ويحمل توجيه إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير دلالات استراتيجية بعيدة المدى، إذ يضع الصناعات الدفاعية الوطنية في قلب معادلة الأمن والسيادة. فبناء قاعدة بحث وتطوير وتصنيع دفاعي متقدم لا يعزز فقط الاكتفاء الذاتي، بل يخلق قيمة مضافة اقتصادية، ويحوّل الأمن من كلفة إلى استثمار، ومن استهلاك إلى إنتاج معرفة وتكنولوجيا.

ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المؤسسي والإداري الذي تضمنته الرسالة، من خلال الدعوة إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وفق أعلى معايير الحوكمة. هذا التوجه ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة الموارد الدفاعية، ويعزز الشفافية والكفاءة والاستدامة المالية، بما يخدم الهدف الاستراتيجي دون تحميل المؤسسة العسكرية أعباء غير ضرورية.

من هنا، لا يمكن قراءة الرسالة الملكية بوصفها توجيهًا إداريًا أو عسكريًا فحسب، بل هي إعلان رؤية وطنية شاملة لإعادة تموضع الجيش العربي في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. رؤية تؤكد أن الأردن، رغم التحديات، يختار الاستثمار في الإنسان والعقل والتكنولوجيا، ويؤمن بأن القوة الحقيقية تكمن في الجاهزية، والمرونة، وحسن التقدير، والقدرة على التكيف مع عالم سريع التحول.

إنها رسالة تؤسس لجيش المستقبل، دون أن تنفصل عن إرثه وقيمه، وتؤكد أن التحديث ليس خروجًا عن الثوابت، بل تعبيرًا ناضجًا عن الوفاء لها، حمايةً للأردن، وصونًا لأمنه، وتعزيزًا لمكانته في محيط لا يرحم إلا من يستعد جيدًا.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: إعادة الهيكلة الجيش العربي الرسالة الملکیة الجیش العربی

إقرأ أيضاً:

لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني

في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي

تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.

إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ

تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.

الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع

من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.

البعد القرآني لمفهوم الولاية

تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.

الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي

من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.

الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء

في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.

البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن

لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.

بين الذاكرة والواقع

تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.

ختاما ..

يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.

مقالات مشابهة

  • الحرس الثوري: زعزعة الأمن في مضيق هرمز ستكلف الجيش الأمريكي ثمنا باهظا
  • البحرين تحث السكان على التوجه لأقرب مكان آمن بعد إطلاق صفارات إنذار
  • الداخلية البحرينية: إطلاق صافرات الإنذار وعلى المواطنين والمقيمين التوجه لأقرب مكان آمن
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية