هل يجوز صيام الكفارة شهرين قمريين أحدهما غير كامل؟.. الإفتاء تجيب
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: وجب عليَّ كفارة صيام شهرين متتابعين، فشرعتُ في صيامها من بداية شهر الله المحرم، واستمررت في الصيام في شهر صفر حتى أوشكتُ على الانتهاء من الشهرين، ثم وجدتُ أن مجموع الشهرين 59 يومًا؛ لأن أحد الشهرين كان 29 يومًا، ولا أدري هل عليَّ صيام يوم آخر بعد الشهرين لكي أتم 60 يومًا؟.
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: مَن وجب عليه كفارة صيام شهرين متتابعين؛ يجوز له أن يبتدئ صيام كفارته من أول الشهر الهلالي وفي أثنائه بالإجماع، فإن بدأ صومه من أول الشهر كما هي حال السائل، واستمر في صومه حتى استوفى شهرين قمريَّين كاملين؛ أجزأه ذلك بالإجماع، سواء كان الشهران كاملين أو ناقصَيْن.
مفهوم الشهر في الشرع
وأشارت الى أنه من المقرَّر شرعًا أن المواقيت الزمانية المعتبرة لأداء العبادات في الإسلام هي الشهور الهجرية، فإن أُطلق الشهر في نصوص الشرع فإنه يُحمل على الشهر الهلالي، ما لم يُخَصّ بقرينة؛ كما في "المعونة على مذهب عالم المدينة" للقاضي عبد الوهاب (ص: 917، ط. المكتبة التجارية)، و"الحاوي الكبير" للإمام الماوردي (10/ 503، ط. دار الكتب العلمية)، و"المهذب" للإمام الشيرازي (2/ 77، ط. دار الكتب العلمية).
ولذلك خصَّ الشرع بعض الشهور والأيام بأداء بعض العبادات والفرائض فيها؛ كأشهر الحج، وصوم رمضان، وأيام العيدين ونحوها، فلا يصحّ أداء هذه العبادات إلا في هذه الشهور وتلك الأيام المخصوصة، وتُحسَب بدايتها ونهايتها بالأهلة؛ أي عند رؤية الهلال الذي يُعرف به مولد شهر جديد ونهاية شهر مضى أو في أثنائه؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].
قال الشيخ ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (25/ 133-134، ط. مجمع الملك فهد): [وهذا عَامٌّ في جميع أمورهم، وَخَصَّ الحج بالذكر تمييزًا له.. فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداءً، أو سببًا من العبادة، وللأحكام التي تثبت بشروط العبد، فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة، وهذه الخمسة في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]، وقال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]، وكذلك قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2]، وكذلك صوم النذر وغيره] اهـ.
وقال تقي الدين السبكي في "فتاويه" (1/ 207، ط. دار المعارف): [المواقيت التي تحتاج إلى الهلال: ميقات صلاة العيد والزكاة وصدقة الفطر، وصيام رمضان والفطر منه، وصيام الأيام البيض، وعاشوراء، وكراهية الصوم بعد نصف شعبان، وصيام ست من شوال.. وكفارة الوقاع والظهار والقتل بالصوم، والعدة في المتوفى عنها وفي الآيسة] اهـ.
أنواع الشهور الهلالية من حيث العدد
هذه الشهور الهلالية منها ما هو تام العدد، ومنها ما هو ناقص، فإن كان تامًّا: كان عدد أيامه ثلاثين يومًا، وإن كان ناقصًا: كان عدد أيامه تسعةً وعشرين يومًا؛ وهو ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي: ثَلاَثِينَ، ثُمَّ قَالَ: «وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ، يَقُولُ مَرَّةً ثَلاَثِينَ، وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ"، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن ذلك جائزٌ في كل شهر من الشهور؛ إذ لم يخصّ بذلك شهرًا من سائر الشهور"؛ كما قال الإمام ابن بطال في "شرحه على صحيح البخاري" (4/ 29، ط. مكتبة الرشد).
قال الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (10/ 503): [شهور الأهلة قد تكمل تارةً فتكون ثلاثين يومًا، وتنقص أخرى فتكون تسعة وعشرين يومًا، وحكم الشهر ينطلق على كلِّ واحدٍ منهما مع زيادته ونقصه] اهـ.
كيفية أداء الكفارة بصيام شهرين متتابعين
إن شَرَعَ مَن وجب عليه صيام كفارة التتابع مِن بداية الشهر الهلالي أو أثنائه جاز ذلك بإجماع العلماء؛ قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (8/ 37، ط. مكتبة القاهرة): [يجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من أول شهر، ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافًا؛ لأن الشهر اسمٌ لما بين الهلالين ولثلاثين يومًا؛ فأيهما صام فقد أدَّى الواجب] اهـ.
وأجمع العلماء أيضًا على أنَّ مَن صام شهرين متتابعين بالأهلة دون العدد: أجزأه ذلك ولو كان الشهر ناقصًا؛ أي: وإن لم يكن مجموع الشهرين ستين يومًا.
قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (5/ 308، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع كلُّ مَن نحفظ عنه مِن أهل العلم على أنَّ مَن صام بالأهلة: يجزيه صيام شهرين متتابعين؛ كَانَا ثمانيةً وخمسين، أو تسعةً وخمسين يومًا؛ هذا قول الثوري، وأهل العراق، وبه قال مالك وأهل الحجاز، وكذلك قال الشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (8/ 37): [إنْ بَدَأَ مِن أول شهرٍ فصام شهرين بالأهلة: أجزأه ذلك؛ تامَّيْن كَانَا أو ناقصَين، إجماعًا، وبهذا قال الثوري، وأهل العراق، ومالك في أهل الحجاز، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم] اهـ.
وهو المنصوص عليه عند أئمة المذاهب المعتبرة؛ كما في "رد المحتار على الدر المختار" للعلامة ابن عابدين الحنفي (3/ 476، ط. دار الفكر)، و"شرح مختصر خليل" للعلامة الخرشي المالكي (4/ 116، ط. دار الفكر)، و"الأم" للإمام الشافعي (5/ 301، ط. دار المعرفة)، و"كشاف القناع" للعلامة البهوتي الحنبلي (5/ 385، ط. دار الكتب العلمية).
وأوضحت بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: أنَّ مَن وجب عليه كفارةٌ صيام شهرين متتابعين؛ يجوز له أن يبتدئ صيام كفارته من أول الشهر الهلالي وفي أثنائه بالإجماع، فإن بدأ صومه من أول الشهر كما هي حال السائل، واستمر في صومه حتى استوفى شهرين قمريَّين كاملين؛ أجزأه ذلك بالإجماع، سواء أكان الشهران تامَّيْن أو ناقصَيْن.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الإفتاء الصيام كفارة صيام الكفارة قال الإمام ابن من أول الشهر کفارة صیام ن الشهر
إقرأ أيضاً:
ماذا أفعل عند سماع ألفاظ خادشة في الشارع؟ أمين الفتوى يجيب
أجاب الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، على سؤال ورد من أحد المتابعين حول حكم التدخل عند مشاهدة شباب يرددون ألفاظًا غير لائقة في الطريق العام.
وأوضح الشيخ محمد كمال، خلال فتوى له، أن ما يحدث من إطلاق ألفاظ بذيئة في الطرقات يُعد “مصيبة من المصائب” التي ابتُلي بها المجتمع، لما فيه من أذى للناس، خاصة النساء اللاتي يضطررن لسماع هذه العبارات في الشارع.
وأشار إلى أن الشرع حذّر من خطورة الكلمة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وقوله أيضًا: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا»، موضحًا أن الكلمة قد تكون سببًا في رفع الإنسان أو هلاكه.
إيذاء المارة في الشارع بالألفاظوأضاف أن هذه الألفاظ لا تقتصر أضرارها على قائلها فقط، بل تمتد لتؤذي الآخرين، مستشهدًا بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، مؤكدًا أن إيذاء المارة، خاصة النساء، بهذه الكلمات يُعد اعتداءً يستوجب المساءلة يوم القيامة.
وفيما يتعلق بالتدخل، أوضح أمين الفتوى أن الأمر يختلف بحسب تقدير الموقف؛ فإذا كان الشخص يعلم أن النصح سيُقبل دون ضرر، فيمكنه أن يدعو إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
أما إذا خشي من تطور الأمر إلى أذى أو اعتداء، فالأولى تجنب المواجهة المباشرة، مع البحث عن وسائل أخرى للإصلاح، مثل إبلاغ أولياء أمور هؤلاء الشباب، وتذكيرهم بمسؤوليتهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].
وأكد أن التعامل مع مثل هذه الظواهر يحتاج إلى حكمة وتقدير، بحيث يجمع بين الأمر بالمعروف والحفاظ على النفس من الضرر.