باريس تتضامن مع غزة بإيقاعات الطبول الأفريقية
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وعلى وقع أجواء المدينة العادية المزدحمة؛ يمكن لأي مار أن يلاحظ ما قد يبدو في ظاهره مجرد إيقاعات طبول أفريقية تصدح في الشوارع.
لكن من يتمعن في المشهد يدرك أن هذه الإيقاعات ليست مجرد موسيقى أو عرضا ثقافيا، بل هي صرخة احتجاج حقيقية، ورسالة حية من التضامن الإنساني تعبر عن وجع الفلسطينيين في غزة، خاصة الأطفال والضحايا الذين يعانون جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع.
وتقف وراء هذه المبادرة فرقة "سي إس بي 75" المنضوية ضمن تنسيقية المهاجرين من دون وثائق في باريس. وتأسست الجمعية التي تدير الفرقة منذ سنوات طويلة بهدف الدفاع عن حقوق المهاجرين غير النظاميين، وتعمل بقيادة مريم سيديبيه.
ومع مرور الوقت، توسعت رسالة الجمعية لتشمل التضامن مع الفلسطينيين مدفوعة بقيم العدالة والكرامة الإنسانية.
وفي تصريحها للجزيرة مباشر، قالت مريم سيديبيه إن نشاط الجمعية لم يعد محصورا في الدفاع عن المهاجرين من دون وثائق، بل أصبح يشمل دعم الفلسطينيين في وجه العدوان الإسرائيلي.
وأضافت أن "غزة فرضت نفسها على ضمير الإنسانية، وما نراه من قسوة وظلم هناك جعل شعوبا عديدة تتضامن معنا في موقف واحد. نحن هنا لنقول كفى، نحن نريد السلام لا الحرب".
أعضاء الفرقة -مثل مامادو سيلا- يصفون تجربة الطبول بأنها امتداد لتجربتهم الشخصية مع التهميش، ويقول سيلا "لقد عشنا تجربة أن تكون في المرتبة الثانية، وأن تشعر بأن صوتك لا يسمع، وأن حريتك محدودة. ونحن نجد أن الفلسطينيين يعيشون تجربة مشابهة تحت القصف والحصار، لذلك أصبح استخدام الطبول في مظاهراتنا طريقة لإيصال رسالة احتجاج قوية وصادقة".
وتتجسد فكرة الاحتجاج في كل دقة على الطبل، حيث تعكس الإيقاعات اليومية الألم المشترك بين المهاجرين الأفارقة والفلسطينيين. ويضيف سيلا "نقرع الطبول لنشعر الناس بوجودنا، لنقول لهم إن ما يحدث غير مقبول. هناك أشخاص فقدوا كل شيء، ونحن هنا لنقف بجانبهم، ولنرفض الظلم وندافع عن حقوق الضحايا".
رسائل الطبولوأكدت مريم سيديبيه أن رسالة الفرقة واضحة: حماية المدنيين، وقف الحرب، والسعي لتوفير حياة كريمة لأهالي غزة، مشددة على أن التضامن مع الفلسطينيين واجب إنساني يتجاوز الحدود والجغرافيا.
إعلانوأضافت: "الطاقة التي نضعها في كل إيقاع، كل ضربة على الطبل، هي رسالة لكل من يسمعنا بأن الظلم واحد مهما اختلفت مواقع الشعوب، وأن صوتنا متحد مع من يعانون".
ومن زاوية فنية، لم تعد الطبول مجرد أداة موسيقية أو تراثية، بل تحولت إلى أداة نضال حقيقية. فهي توصل رسائل سياسية واجتماعية، تجمع بين معاناة المهاجرين الذين فقدوا الكثير في رحلة البحث عن حياة كريمة، ومعاناة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت القصف، لتؤكد أن الفن قادر على أن يكون صوتا للعدالة، وأن الثقافة والفن يمكن أن يتحولا إلى وسيلة للتغيير الاجتماعي والتضامن الدولي.
وفي شوارع باريس، يصبح الطبل لغة احتجاج عالمية يقرؤها كل من يسمعها على أنها دعوة للإنسانية والعدالة، وأن أي ظلم يمس الإنسان في أي مكان يجب أن يلقى رفضا جماعيا.
ومن خلال هذه المبادرات، تؤكد فرقة "سي إس بي 75" والجمعية التي تنشط تحت قيادتها أن التضامن مع الفلسطينيين ليس مجرد شعار، بل هو موقف يومي وفعلي، يعكس إيمانا عميقا بأن لكل فرد مسؤولية في الدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)
في زمنٍ تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ الاقتصادي، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على بناء الشراكات الذكية لا الجدران العازلة، لم يعد المستقبل ملكًا للأكبر مساحةً أو الأكثر ثروةً فحسب، بل للأكثر قدرةً على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى رؤية، والعلاقات إلى مشاريع تصنع الغد.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو العلاقة بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية أكثر من مجرد علاقة بين دولتين جارتين؛ إنها تجربة خليجية ناضجة تتشكل بهدوء، وتكبر بثقة، وتتجه بخطى ثابتة نحو نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي والاستراتيجي، يستند إلى وضوح الرؤية، وتوافق الإرادة السياسية، وتطلع الشعبين إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.
لقد أدركت القيادتان في مسقط والرياض أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم لا تنتظر المترددين، وأن الدول التي ترغب في حجز مكانها في اقتصاد المستقبل عليها أن تنتقل من مرحلة التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة العميقة. ومن هنا جاء التقاطع اللافت بين رؤية "عُمان 2040" ورؤية "السعودية 2030"، حيث تتلاقى الأهداف والطموحات في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية الأساسية، وخلق بيئات أعمال أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.
ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تكتفي بتبادل المصالح، بل تعمل على صناعة المصالح الجديدة. فالجغرافيا التي كانت يومًا حدودًا فاصلة، تحولت اليوم إلى جسور للتواصل والتنمية. ومنفذ الربع الخالي ليس مجرد معبر بري يربط بلدين شقيقين، بل بوابة اقتصادية فتحت آفاقًا واسعة أمام التجارة والاستثمار والسياحة، وأسهمت في تقليص المسافات بين الأسواق والفرص.
غير أن الطموح أكبر من ذلك، ومتطلبات المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في شبكة أوسع من المنافذ البرية بين البلدين، بما يواكب النمو المتسارع في الحركة التجارية والسياحية والاستثمارية. فكما أسهم تعدد المنافذ بين بعض دول الخليج في رفع كفاءة الحركة الاقتصادية، فإن فتح منافذ إضافية بين السلطنة والمملكة يمكن أن يشكل نقلة نوعية في تدفق البضائع والأفراد، ويعزز التنمية في المناطق الحدودية، ويمنح المستثمرين مزيدًا من المرونة والخيارات اللوجستية.
وإذا كانت الطرق البرية تمثل شرايين الحركة على اليابسة، فإن الموانئ تمثل رئة الاقتصاد الحديثة. وهنا تبرز أهمية التكامل بين الموانئ العُمانية والسعودية باعتباره أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية قدرة على صناعة قيمة مضافة حقيقية للمنطقة بأسرها.
فميناء صلالة، بموقعه الاستثنائي على خطوط التجارة العالمية، وميناء الدقم بما يمتلكه من إمكانات تنموية وصناعية واعدة، يشكلان مع المراكز الصناعية والاقتصادية السعودية منظومة لوجستية متكاملة قادرة على إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية والدولية. إن الربط بين هذه المكونات ليس مجرد مشروع نقل أو شحن، بل مشروع تنموي متكامل يرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز تنافسية الصادرات، ويجذب استثمارات نوعية قادرة على خلق فرص عمل وقيمة اقتصادية مستدامة.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها إحدى أهم الفرص الاستثمارية في المنطقة. فهذه المدينة الصاعدة لا تمثل مشروعًا عُمانيًا فحسب، بل منصة خليجية واعدة يمكن أن تستقطب رؤوس الأموال والصناعات والخدمات اللوجستية والسياحية من مختلف أنحاء العالم، بما ينسجم مع تطلعات البلدين نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة.
أما سياسيًا، فإن العلاقة بين الرياض ومسقط تقدم نموذجًا راقيًا في إدارة الشراكات بين الدول. فالتفاهم العميق، والاحترام المتبادل، والنظرة المتوازنة للقضايا الإقليمية، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار، وأثبتت أن قوة العلاقات لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بعمق التفاهم وحكمة المواقف.
وفي ظل عالم تتسارع فيه التحالفات الاقتصادية والدفاعية، يصبح من الطبيعي أن تتجه دول الخليج نحو مزيد من التكامل، وأن تكون الشراكة العُمانية السعودية في طليعة هذه المسيرة. فالمستقبل لن يكون للأطراف المتفرقة، بل للكيانات القادرة على توحيد مواردها وتنسيق سياساتها وتعظيم فرصها المشتركة.
إن ما يجمع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد مصالح عابرة، بل رؤية مشتركة لمستقبل الخليج. رؤية ترى في الطرق منافذ للنمو، وفي الموانئ منصات للازدهار، وفي الاستثمار جسرًا للتنمية، وفي التعاون قوةً تصنع الاستقرار.
ولهذا فإن الشراكة العُمانية السعودية لم تعد مجرد قصة نجاح ثنائية، بل أصبحت نموذجًا خليجيًا متقدمًا، يبرهن أن التكامل الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقيات فحسب، بل من الإيمان المشترك بأن ازدهار الجار هو امتداد لازدهارك، وأن المستقبل الأفضل يُبنى معًا، لا فرادى.
ومن هنا، فإن كل طريق جديد يُعبد بين البلدين، وكل استثمار مشترك يُطلق، وكل مشروع لوجستي يُنجز، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الاقتصاد، بل خطوة جديدة في صناعة مستقبل خليجي أكثر قوةً وازدهارًا وتأثيرًا في العالم.