في ذكرى ثورة يناير.. كيف أُجهِضت أحلام المصريين بالعيش والحرية والعدالة؟
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
تمر الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل كحدث تأسيسي أعاد تشكيل الوعي السياسي للمصريين، وكشف في الوقت نفسه حدود ما يُسمح به حين تقترب الشعوب العربية من استعادة إرادتها.
لم تكن ثورة يناير انفجارا عفويا بلا سياق، بل تعبيرا متراكما عن غضب اجتماعي وسياسي عميق ضد نظام استبدادي مغلق حكم مصر لثلاثة عقود بقوانين الطوارئ.
كيرباتريك، مراسل نيويورك تايمز في القاهرة آنذاك، وثّق في كتابه الكثير مما خفي في تلك المرحلة، وتنبه إلى أن المجلس العسكري لم يكتفِ باحتواء الثورة، بل تلاعب بكل القوى السياسية دون استثناء، وفق سياسة مدروسة تقوم على تعميق الانقسام بين الثوار، واستنزاف القوى المدنية، وخلق صراعات جانبية تُبعد الأنظار عن جوهر السلطة، مع إبقاء الجيش حكما وفاعلا خفيا في كل معادلة.
لم يكن الصراع -كما حاولوا تصويره- بين الإسلاميين والليبراليين، أو بين الثورة والدولة، صراعا طبيعيا بالكامل، بل جرى تغذيته وإدارته بعناية من قِبل مؤسسة لم تكن ترغب في تسليم السلطة أصلا، بل في إفشال أي تجربة مدنية يمكن أن تُنهي امتيازاتها التاريخية.
وفي هذا السياق، جاءت رئاسة الدكتور محمد مرسي -رحمه الله - بوصفها نتاج أول وآخر انتخابات تنافسية حقيقية شهدتها مصر، لكنها كانت أيضا التجربة التي قرر المجلس العسكري والدولة العميقة إفشالها بكل الوسائل. فقد حُوصِر الرئيس المنتخب بمؤسسات لم تُطهَّر، وإعلام معادٍ ومموَّل، وأجهزة أمنية غير متعاونة، وأزمات مصطنعة في الوقود والكهرباء، وتعطيل إداري وقضائي غير مسبوق.
ورغم ذلك، ورغم أن الرجل حكم فعليا عاما واحدا فقط في ظل هذه العراقيل، فإن الأرقام -لا الشعارات- تشهد بحقيقة غُيِّبت عمدا عن الوعي العام. فبيانات الحساب الختامي للعام المالي من 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى 30 حزيران/ يونيو 2013 تشير بوضوح إلى أن مصر كانت تتجه لإعادة البناء؛ إذ تحقق فائضا في ميزان المدفوعات لأول مرة منذ نحو خمسين عاما، فبعد عجز بلغ 11.3 مليار دولار، تحوّل إلى فائض قدره 237 مليون دولار. هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة تحسّن تدفقات النقد الأجنبي، وضبط نسبي للميزان التجاري، وإدارة رشيدة رغم الضغوط الهائلة، وغياب نهب منظّم للموارد.
الأرقام منشورة، موثقة ومتاحة، والأرقام لا تكذب.. لكنهم يتجاهلونها. وتمكن مقارنة ذلك بالوضع الاقتصادي اليوم، من ديون خارجية وداخلية تجاوزت كل حدود الاحتمال، وخدمة دين تلتهم أكثر من موارد الدولة نفسها، واستدانة مستمرة لسداد استدانة سابقة، وبيع واسع لأصول الدولة وأراضيها ومؤسساتها، وتراجع غير مسبوق في قيمة مصر ومكانتها الاقتصادية والسيادية، بعد التفريط في الحدود، وأمن المياه، وأمن الطاقة.
لم يعد السؤال هنا: لماذا فشلت الديمقراطية؟ بل: كيف نجح الحكم العسكري في إعادة إنتاج دولة أفقر، وأضعف، وأكثر ارتهانا للخارج؟
لم يكن انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 استجابة شعبية بريئة، بل ذروة مشروع للثورة المضادة جرى بتمويل خليجي مباشر، وتغطية سياسية دولية، وجهد إسرائيلي لتوفير الغطاء والدعم، وقيادة عسكرية رأت في الديمقراطية خطرا وجوديا.
واليوم، وبعد خمسة عشر عاما، تبدو مصر وقد عادت إلى نموذج أكثر قسوة من الدولة السلطوية، مع إغلاق كامل للمجال العام، وسحق للحريات، وتجريف للاقتصاد، مقابل خطاب دعائي أجوف عن "الاستقرار".
ثورة يناير لم تفشل، بل أُفشلت بتحالف العسكر والمال الإقليمي والمصالح الدولية، الذين خططوا لاغتيال أول محاولة حقيقية لبناء دولة مدنية حديثة.
وفي ذكراها الخامسة عشرة، نتذكر الشهداء الذين رفعوا بكل طهر وبراءة شعار: "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية"، فترجموا به أحلام الشعب المصري وآماله.
ستبقى ثورة يناير شاهدا حيا على أن الشعوب قد تُهزم مؤقتا، لكن الحقيقة لا تُهزم، ودماء الأبرياء لا تشربها الأرض، والأرقام -مهما أُخفيت- ستظل تفضح من نجح.. ومن فشل ودمّر.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء 25 يناير ثورة مصر انقلاب مصر السيسي انقلاب ثورة 25 يناير قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ثورة ینایر
إقرأ أيضاً:
محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية
اعتبرت حركة النهضة أن الأحكام الصادرة في ما يُعرف بـ "قضية الجهاز السري" تمثل "أحكامًا صادمة" و"انحرافًا خطيرًا وغير مسبوق في مسار العدالة بتونس"، وذلك عقب صدور أحكام بالسجن وصلت إلى المؤبد في حق عدد من قياداتها، من بينهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، في قضية وُصفت بأنها "مزعومة" وذات خلفيات سياسية أكثر منها قضائية، وفق بيان صادر عن مكتب الإعلام والاتصال بالحركة.
وقالت الحركة إن القضية "سياسية المنشأ منذ بدايتها"، معتبرة أنها انطلقت بناءً على شكاية صادرة عن أطراف حزبية وليس عن جهات أمنية أو قضائية، ما يعكس ـ بحسبها ـ أن "مصطلح الأمن الموازي استُخدم في سياق الصراع السياسي والتوظيف الانتخابي والتشويه"، على حد تعبيرها.
وأضاف البيان أن الملف سبق أن فصل فيه القضاء التونسي عام 2013، حين تمت محاكمة المتهم الرئيسي مصطفى خذر وقضى عقوبة سجنية كاملة، مع ما اعتبرته الحركة آنذاك "انتفاء أي علاقة بين القضية وحركة النهضة وقياداتها"، متسائلة عن أسباب إعادة فتح الملف بعد سنوات، "سوى توظيفه في سياق سياسي جديد"، وفق نص البيان.
واتهمت الحركة مسار القضية بأنه أعيد تفعيله بعد سنة 2021، في إشارة إلى ما وصفته بـ "الانقلاب على المسار الديمقراطي"، معتبرة أن ذلك ترافق مع "الهيمنة على القضاء وإعادة توجيه الملف بهدف إقصاء خصم سياسي"، على حد قولها.
وانتقدت النهضة ما اعتبرته "محاكمة في الظلام"، مشيرة إلى أن هيئة الدفاع طالبت بجلسات علنية بحضور وسائل الإعلام، غير أن المحكمة قررت عقد جلسات مغلقة، وهو ما قالت إنه "يفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة ويثير تساؤلات حول طبيعة ما تم إخفاؤه"، وفق تعبير البيان.
كما حملت الحركة وزارة العدل مسؤولية ما اعتبرته "تسييسًا مبكرًا للملف" من خلال إدراج اسم راشد الغنوشي ضمن قائمة المتهمين، معتبرة أن ذلك "يكشف الطابع السياسي للقضية ومنطق التصفية المعتمد ضد الخصوم"، بحسب نصها.
وفي ما يتعلق بالمعطيات الاتهامية، قالت الحركة إن الملف اعتمد على "شهادات منعدمة المصداقية" صادرة عن موقوفين في قضايا أخرى، بينهم من وصفتهم بعناصر تنظيم "أنصار الشريعة"، معتبرة أن تلك الإفادات "تفتقر إلى الموثوقية وتُبنى على دوافع انتفاعية"، وفق البيان.
وأكدت النهضة أن هيئة الدفاع قدمت "وثائق رسمية تنفي وجود ما يسمى بالغرفة السوداء"، مشيرة إلى أن المعطيات المتوفرة تثبت تسليم كل المحجوزات إلى وزارة الداخلية منذ سنة 2013، وهو ما قالت إن المحكمة "تجاهلته رغم ثبوته"، على حد تعبيرها.
واختتمت الحركة بيانها بإدانة الأحكام الصادرة واعتبارها "مساسًا خطيرًا بالعدالة"، مطالبة بوقف ما وصفته بـ "المحاكمات الجائرة" والإفراج عن "المساجين السياسيين"، داعية في الوقت ذاته إلى تركيز الجهود على معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد بدل "ملاحقة الخصوم السياسيين"، وفق نص البيان.
وأصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء اليوم الثلاثاء، أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ "قضية الجهاز السري لحركة النهضة"، في ملف واسع شمل 35 متهمًا، وتراوحت العقوبات فيه بين السجن لعشر سنوات والسجن مدى الحياة، إضافة إلى أحكام تراكمية بعشرات السنوات.
وبحسب معطيات نقلها مصدر قضائي لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، فقد قضت المحكمة بثبوت إدانة المتهمين في قضايا تتعلق بـتكوين وفاق إرهابي، والانضمام عمدًا إلى تنظيمات ذات صبغة إرهابية داخل التراب التونسي، إلى جانب "وضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاقات وأشخاص مرتبطين بجرائم إرهابية"، وفق ما ورد في نص الاتهامات.
وشملت التهم أيضًا جرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب التونسي.
أحكام مشددة تشمل قيادات سياسية وأمنية سابقة
وتصدّر قائمة الأحكام الصادرة الحكم بالسجن مدى الحياة مع 96 سنة إضافية في حق مصطفى خذر، إلى جانب أحكام مشابهة تراوحت بين السجن المؤبد مع عشرات السنوات الإضافية لعدد من المتهمين.
كما شملت الأحكام: السجن مدى الحياة مع 76 سنة لكل من رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي، إضافة إلى سبعة متهمين آخرين، السجن مدى الحياة مع 50 سنة في حق فتحي البلدي، السجن مدى الحياة مع 37 سنة لعبد العزيز الدغسني، السجن مدى الحياة مع 32 سنة لكمال البدوي، السجن مدى الحياة مع 30 سنة لكل من سمير الحناشي وراشد الغنوشي، السجن 48 سنة لقيس بكار، و46 سنة لبلحسن النقاش، و42 سنة لـعلي العريض، أحكام تتراوح بين 34 و10 سنوات لبقية المتهمين، إضافة إلى عقوبات متفاوتة شملت فترات 18 و12 و10 سنوات لعدد من المدانين
كما قررت المحكمة إخضاع جميع المحكوم عليهم للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات.
خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى فتح الملف القضائي
يعود أصل هذا الملف إلى مطلع سنة 2022، حين تقدمت النيابة العمومية وشكوى صادرة عن فريق الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا في فيفري وجويلية من عام 2013 على التوالي.
وقد اتهم فريق الدفاع حينها ما يُعرف بـ“الجهاز السري لحركة النهضة” بالضلوع في الاغتيالين، إضافة إلى اتهامات أخرى تتعلق بالتجسس واختراق مؤسسات الدولة.
وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت بالملف في بدايته، قبل أن تقرر في سبتمبر/أيلول 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي تولى لاحقًا استكمال التحقيقات وإحالة الملف على الدائرة الجنائية المختصة.
يأتي هذا الحكم في سياق سياسي وقضائي حساس في تونس، حيث تتقاطع الملفات المرتبطة بالإرهاب مع سياقات سياسية متشابكة تعود إلى ما بعد 2011، وتحديدًا مرحلة ما بعد اغتيالات 2013 التي هزّت المشهد السياسي التونسي وأعادت فتح ملفات تتعلق بالأمن والاستخبارات والتنظيمات السرية.
وبصدور هذه الأحكام الثقيلة، يُتوقع أن يفتح الملف مجددًا جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا في البلاد، سواء من حيث التكييف القضائي للاتهامات أو من حيث تداعياتها على المشهد الحزبي والسياسي في تونس.