جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@22:16:36 GMT

عنق الناقة أم عنق الكلمة؟!

تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT

عنق الناقة أم عنق الكلمة؟!

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدية **

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن لأنها علّمتني كيف ينضج المعنى، ولأنّ تشبيهًا قاله أستاذي العراقي الدكتور نجدت الصالحي استقرّ في ذاكرتي بوصفه درسًا في اللغة والحياة معًا.

كنتُ طالبة بكالوريوس حين قال لي، بلهجة العارف: "لديكِ عنقٌ كعنقِ النَّاقة".

باغتني التشبيه، واستوقفني الاستغراب: كيف يُشبَّه عنقي، وأنا أرتدي حجابي، وكيف يُقاس ما لم يُرَ؟

بدا الكلام غريبًا، حتّى ظننته عابرًا أو مواربًا في دلالته.

لكنّه، وقد أدرك دهشتي، أوضح مبتسمًا: "عنقُ النّاقة طويل، وما يمرّ به لا يصل دفعةً واحدة؛ الكلمة عندكِ لا تخرج إلّا بعد أن تعبر مراحلها، وتستوي في العقل، وتُنقّى في القلب. كلامكِ لا يُقال على عجل ولا تخرج الكلمة من لسانك إلا بعد أن تمر بمراحل عدة ويكتمل نضجها".

عندها انقشع الغموض، وتحوّل التشبيه إلى مديحٍ رفيع، من تلك البلاغة العربيّة التي ترى في النّاقة صورةً للحكمة والصبر، وليس مجرّد هيئةٍ أو جسد.

الناقة، سفينة الصحراء، ليست كائنًا هامشيًّا في الثقافة العربيّة، بل رمزًا مركزيًّا للبقاء.

في الجاهليّة، كانت ذاكرة الترحال، وميزان الغنى، ورفيقة الإنسان في أقسى اختبارات الطبيعة.

وفي الشعر القديم، حضرت بوصفها استعارةً للصبر الجميل، وللثبات الذي لا يضجّ، وللمسير الذي لا تغويه العجلة.

عنقها الممدود ليس امتدادًا جسديًّا فحسب، بل زمنٌ للتفكير، ومسافةٌ للتروّي قبل الوصول.

تحتمل العطش كما يحتمل الحكيمُ الصمت، وتدّخر الماء كما تدّخر العقولُ المعنى.

تمضي ببطء، لكنّها لا تخطئ وجهتها، كأنّها تعلّم الإنسان أنّ الطريق لا يُقاس بالسرعة، بل بالبصيرة.

وفي عينيها المتّسعتين حراسةُ الصحراء، وفي هدوئها درسٌ غير مكتوب في الاتّزان.

وعبر العصور، ظلّت النّاقة حاضرةً في الوجدان والنصّ والمثل؛ لأنّ الإنسان لم يتخلَّ يومًا عن حاجته إلى الصبر، ولا عن الكلمة التي تُقال حين تبلغ نضجها.

هكذا فهمتُ التشبيه بعد زمن: لم يكن عنقًا يُرى، بل معنى يُبصر، فالكلمة الجميلة- كالنّاقة- لا تُستعجل، بل تشقّ طريقها ببطءٍ ووقار.

ولهذا سيبقى اسمُ الدكتور نجدت الصالحي محفورًا في ذاكرتي؛ لأنّه علّمني أنّ للكلمة عنقًا طويلًا، وأنّ المعنى لا يصل إلّا إذا صبرنا عليه. فكما تعلّمتُ من النّاقة أنَّ المسيرَ البطيءَ أصدقُ وصولًا، تعلّمتُ أنّ الكلمة حين تُمهلُ نفسَها تنجو من السقوط وتبلغ كمال المعنى ورسوخ المبنى.

** شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب. الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2025

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب