الإنجاز في اللحظة الأخيرة: شجاعة أم خلل؟
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
خالد بن حمد الرواحي
نحبُ القصص التي تنتهي عند الحافة، ونُفضِّل الحكايات التي يصل فيها المشروع إلى آخر دقيقة، والفريق إلى آخر طاقته، والقائد إلى آخر أعصابه… ثم يحدث الإنجاز! نحتفي بالنجاة أكثر مما نحتفي بالحكمة، ونصفّق للعبور أكثر مما نصفّق لمن جعل العبور غير ضروري من الأساس.
وفي هذه القصص تحديدًا، يبدو الضغط بطولة، والإرهاق إخلاصًا، والعمل حتى الإنهاك دليل انتماء.
وفي بعض التجارب العالمية، ظهر توصيف دقيق لهذه الحالة باسم "مسيرة الموت"؛ تلك المرحلة الأخيرة التي تُستنزف فيها الطاقات لإنقاذ ما كان يمكن إنجازه بهدوء لو أُدير الزمن بوعي منذ البداية. سُمّيت كذلك لأنها لا تُنهي المشروع، بل تُنهك ما حوله: الطاقة، والمعنى، والاستدامة، وأحيانًا الإنسان نفسه.
وقد تكون هذه المرحلة مبرَّرة حين تقع الأزمات فعلًا: ظرف طارئ، أو تغيير مفاجئ، أو كارثة غير متوقعة، أو قرار استراتيجي عالي المخاطرة تمّ بوعي كامل. هنا يكون الضغط عبورًا مشروعًا، والإنقاذ فعل مسؤولية. لكن الخطير أن تتحوّل هذه الحالة إلى نمط عمل متكرر، تُدار به المشاريع، وتُبنى عليه التوقعات، ويُقاس به الإخلاص والنجاح.
حين تتحوّل البطولة من منع الوصول إلى الحافة إلى النجاة عند الحافة، نكون قد غيّرنا معيار النجاح دون أن نشعر. نُكافئ من أطفأ الحريق، ونتجاهل من بنى نظامًا لا يشتعل فيه الحريق من الأساس. نحتفي بمن أنقذ السفينة من الغرق، وننسى من صمّمها لتطفو.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ المنظومة بالتكيّف مع الخلل بدل إصلاحه. تصبح الفوضى مألوفة، والتأجيل معتادًا، والتراكم مقبولًا، ثم يصبح الضغط هو القاعدة لا الاستثناء. ومع الوقت، لا تُقاس جودة المؤسسة بقدرتها على الإنجاز المستدام، بل بقدرتها على الصمود تحت الضغط… وكأن الصمود أصبح غاية لا وسيلة.
وفي بيئات العمل الإبداعية خصوصًا، يُغري هذا النمط أكثر؛ لأن الإبداع يحب الحرية، ويكره القوالب، ويقاوم التخطيط الجامد. لكن بين التخطيط الصلب والتخطيط الغائب، مساحة واسعة من الحكمة المرنة: وضوح في الاتجاه، مرونة في التنفيذ، وانضباط في إدارة الزمن قبل أن يتحوّل إلى خصم.
المشاريع التي تترك أثرًا حقيقيًا لا تُدار بمنطق اللحظة الأخيرة، بل بمنطق الرحلة المتكاملة. لا تقوم على البطولة الفردية، بل على النضج المؤسسي. ولا تحتاج أن تُنقَذ، لأنها بُنيت منذ البداية لتصل.
ربما آن الأوان أن نُعيد تعريف الشجاعة في العمل. ليست الشجاعة أن نصل رغم كل شيء، بل أن نبني طريقًا لا يُضطرنا للوصول ونحن منهكون. ليست في أن ننجو، بل في أن نُحسن التصميم، ونُحسن التوقيت، ونُحسن إدارة الطاقة قبل أن تُستنزف؛ فالإنجاز في اللحظة الأخيرة قد يكون شجاعة… نعم. لكنه، في كثير من الأحيان، علامة على خلل تأخرنا في الاعتراف به.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.
وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of listوكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.
وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".
وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.
وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.
وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.
وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".
إعلانوأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.
وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".
حيلة "المناشف"وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.
وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.
وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.
وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.
وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.