قبل أيام كتبت تغريدة قلت فيها:
"حين اختُرع المسدس تساوى الجبان مع الشجاع..
وحين اختُرع تويتر تساوى الوضيع مع الرفيع..
وحين اختُرع جوجل تساوى الجاهل مع المثقف..
وحين اختُرع الذكاء الاصطناعي تساوى المبدع مع قليل الحيلة.. فمرحباً بكم في عصر الفوضى الفكرية".
مرحباً بكم في عصر التسطح والمساواة المزيفة..
مرحباً بكم في عصر النسخ والتفيهق والسرقات المعرفية.
فمنذ خُلق الله الإنسان كان التميز البشري إما نتاج جهد حقيقي، أو تراكم معرفي، أو موهبة صُقلت بمرور العمر . لكن التقدم التكنولوجي الأخير قلب قواعد اللعبة وأصبح يقدم مهارات جديدة وادوات مختلفة..
فالأدوات الذكية التي يقدمها لنا لم تكتفِ بتسهيل الحياة، بل ازالت ظاهريا الفوارق الفكرية بين البشر (حتى وصلنا إلى ما يمكن تسميته بعصر الفوضى المعرفية)...
دعونا نعود إلى عام 1835 حين اخترع صامويل كولت المسدس.. وقتها قالت الصحافة انتهى عصر الشجاعة لأن الله خلق البشر متفاوتين ولكن كولت جعلهم متساويين .. فالفارس الشجاع الذي تدرب على الفنون القتالية، لم يعد يتفوق على الجبان الذي يمكنه ضغط الزناد من بعيد.
واليوم، نرى نفس المفارقة في منصات التواصل الاجتماعي؛ ففي تويتر مثلاً (أو منصة إكس) تساوى الوضيع مع الرفيع، وأصبح بإمكان الجميع التطاول على قامات فكرية وأدبية قضت عمرها في البحث والتأليف. تسطّح الهرم وذاب الاحترام وتحولت الكلمة إلى مجرد "ضجيج" لا تعرف من بدأ فيه أولاً.
سبق وشاهدت مقابلة مع المفكر السعودي إبراهيم البليهي قال فيها (ما معناه): "حين دخلت تويتر ظننت أنني وجدت مدخلاً لتنوير الآخرين، ولكنني اكتشفت أنه تحول إلى مدخل ضدي يحمل التطاول والتهجم والاتهامات الجائرة..."
أما الشيخ "جوجل" فأتى ليطلق رصاصة الرحمة على المثقف الموسوعي ويعلن ولادة المرتزق المعرفي. بفضله، لم يعد الجهل عائقاً، لكنه أيضاً لم يعد محفزاً للقراءة الجادة والبحث العميق. فبضغطة زر يجمع الجاهل معلومات يظنها معرفة، بينما هي مجرد بيانات معلبة لا يفهم أبعادها ولا يجيد استخدامها.. وهكذا، تساوي من سهر الليالي (طلباً للعلا) مع من دخل محرك البحث ولم يكلف نفسه حتى مقارنة النتائج!!
وفي نوفمبر 2022 ظهر (ChatGPT) لأول مرة فوصلنا إلى ذروة المساواة المزيفة؛ فمع ظهور الذكاء الاصطناعي تساوى المبدع الموهوب مع "قليل الحيلة" الذي يستخدم الآلة ليخلق نصاً أو لوحة، أو حتى فيلماً ومعزوفة موسيقية. سحب الذكاء الآلي صفة التفرد من المبدع (رغم أنه هو الأصل الذي يحاكيه)، وقتل في الابداع ميزة الأصالة واللمسة الإنسانية...
الحقيقة (التي لن يهتم بها احد) هي أن الأدوات التقنية تمنح الجاهل والعاجز "القشرة" وليس الأستثنائية والقدرة على الإبداع. فكما أن المسدس يمنحنا القوة لا الشجاعة، يمنحنا تويتر المنبر لا الرقي.. يمنحنا جوجل المعلومة لا الثقافة.. ويمنحنا الذكاء الاصطناعي النتيجة لا الموهبة والعبقرية..
الأدوات الذكية تمنح الجاهل والعاجز مظاهر سطحية، ولكنها تمنح المبدع والمثقف وسائل غير اعتيادية للتوسع والتفرع والذهاب لمناطق أبعد ...
قد يعجبك أيضاًNo stories found.
المصدر
المصدر: صحيفة عاجل
إقرأ أيضاً:
أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، أمراً تنفيذياً يطلب من شركات الذكاء الاصطناعي تقديم نماذج للحكومة الفيدرالية لتقييم قدراتها قبل إصدارها الكامل.
وبحسب شبكة CNBC يطلب الأمر من الشركات، على أساس طوعي، المشاركة في عملية قياس الأداء لتقييم "القدرات السيبرانية المتقدمة" للنموذج، ثم يطلب الوصول إلى تلك النماذج لمدة تصل إلى 30 يوماً قبل أن تخطط الشركات لإصدارها على نطاق أوسع، ويتيح للحكومة المساعدة في اختيار الشركاء الموثوق بهم الذين سيحصلون على وصول مبكر.
وجاء في الأمر: "لا يجوز تفسير أي شيء في هذا القسم على أنه يسمح بإنشاء ترخيص حكومي إلزامي أو موافقة مسبقة أو شرط تصريح لتطوير أو نشر أو إصدار أو توزيع نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة، بما في ذلك النماذج الرائدة".
طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم إلى مستويات تاريخية - موقع 24دفعت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية مؤشر "إس آند بي 500" للارتفاع بنسبة 16% خلال شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، وهي قفزة شهرية لم تتكرر سوى أربع مرات فقط منذ عام 1950، وفقاً لبيانات سوق "داو جونز".
وقالت الشبكة الأمريكية: "وقع ترامب الأمر سراً، بعد أسابيع فقط من تأجيله حفل توقيع مع كبار المديرين التنفيذيين بمجال التكنولوجيا لأنه لم تعجبه جوانب معينة منه، كما صرح للصحافيين في ذلك الوقت".
وأعلنت شركة أنثروبيك، مطورة برنامج كلود، يوم الاثنين أنها قدمت طلباً سرياً إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات للاكتتاب العام الأولي، كما تستعد شركة أوبن إيه آي المنافسة أيضاً لطرح محتمل هذا العام.
وتستعد شركة SpaceX التابعة لإيلون ماسك، والتي تمتلك مختبر الذكاء الاصطناعي SpaceXAI، للتغلب على كليهما في السوق العامة، حيث من المقرر أن يتم طرح أسهمها للاكتتاب العام في أقرب وقت الأسبوع المقبل، مما قد يقدر قيمة الشركة بأكثر من تريليون دولار.
يحدد أمر ترامب بشأن الذكاء الاصطناعي عدة أطر زمنية لوضع التوجيهات والإرشادات الأخرى، ويدعو على وجه التحديد وزارة الدفاع إلى إعطاء الأولوية للدفاع السيبراني عن أنظمة المعلومات الخاصة بها.
وسعت وزارة الدفاع الأمريكية جاهدة إلى النأي بنفسها عن نماذج شركة أنثروبيك الرائدة، إذ صنّفت الشركة الناشئة كمصدر خطر على سلسلة التوريد قبيل إطلاقها برنامج ميثوس.
ويعني هذا التصنيف أن أنثروبيك تُهدد الأمن القومي الأمريكي، ويحظر على شركات دفاعية استخدام تقنيات الشركة في أعمالها مع الوزارة.
رفعت شركة أنثروبيك دعوى قضائية ضد إدارة ترامب في محاولة لإلغاء هذا التصنيف، ولا تزال هذه الدعوى القضائية جارية.