قراءة نقدية.. لماذا لم يتحول التضامن الدولي مع فلسطين إلى قوة سياسية فاعلة؟
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
الثورة /
قدّم المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، قراءة نقدية شاملة لأزمة المشروع الوطني الفلسطيني، معتبرًا غيابه اليوم يشكّل العائق المركزي أمام تحويل التضامن العالمي غير المسبوق مع فلسطين إلى قوة سياسية فاعلة، وأن ما يواجهه الفلسطينيون لم يعد مجرد احتلال، بل نظام فصل عنصري متكامل.
وشدّد على أن أي أفق للتحرر، سواء في صيغة دولة مستقلة أو نظام ديمقراطي قائم على المواطنة، يظل مستحيلاً من دون إعادة بناء مشروع وطني تحرري جامع، تقوده قوى اجتماعية وسياسية منظمة، ومتحررة من قيود أوسلو وإدارة السكان تحت الاحتلال.
جاء ذلك في نهاية أعمال اليوم الأول من المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة، حيث ألقى بشارة محاضرةً عامةً حملت عنوان “المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن”، وخُصّصت لمراجعة نقدية شاملة لمسار المشروع الوطني الفلسطيني، في ضوء التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية، لا سيما بعد حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وتداعيات عملية طوفان الأقصى.
المشروع الوطني في خضم التحولات الكبرى
استهلّ بشارة محاضرته بالتذكير بأنّ المركز العربي للأبحاث دأب، منذ أكثر من عقد، على تناول سؤال المشروع الوطني الفلسطيني في سياقات أكاديمية متعدّدة، وأشار إلى مؤتمري عامي 2013 و2015 اللذين خُصّصا لمناقشة مستقبل هذا المشروع.
عزمي بشارة، في محاضرة خلال المنتدى السنوي لفلسطين: من الممكن بلورة استراتيجية نضالية ضد نظام الأبارتهايد.
ولفت إلى أنّه “من الصعب تخيّل ظرفٍ أصعب من ظرفنا الحالي لمناقشة هذا الموضوع، وقول شيء يشق فسحةً للأمل في أفق يبدو منسدًّا”.
واعتبر انعقاد المنتدى بعد حرب الإبادة يمثّل مناسبةً “لعودة حذرة” إلى سؤال المشروع الوطني في خضم التحولات الكبرى التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، وفي ظل “الضم الزاحف للضفة الغربية، ومحاولات التصفية السياسية”.
في التأطير النظري، توقّف بشارة عند ما وصفه بـ “المطابقة الرائجة بين المشروع الوطني والبرنامج السياسي”، محذّرًا من اختزال المشروع الوطني في بعده البرنامجي فقط؛ إذ أكد أنّ “البرنامج مكوّن رئيس في أي منظومة سياسية تستحق أن تُسمّى مشروعًا وطنيًا، لكن التعريف يبقى منقوصًا إذا اقتصر عليه ولم يشمل البنى التنظيمية وحوامل البرنامج الاجتماعية”.
ألقى المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة في المنتدى السنوي لفلسطين محاضرة بعنوان «المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن»، موضحاً كيف حوّل الرد الإسرائيلي على عملية طوفان الأقصى الحدث إلى مرحلة جديدة على صعيد فلسطين والإقليم.
وشدّد على أنّ “الأهداف السياسية يمكن أن ترد في مقال أو خطاب، لكن ورودها هذا لا يجعل منها مشروعًا وطنيًا”، موضحًا أن المشروع الوطني “يشمل الأهداف والقوى الحاملة لها، والمؤهلة لادعاء تمثيل الشرعية الوطنية”.
وانتقل إلى تحليل خصوصية الحالة الفلسطينية، مبيّنًا أنّ السياقين الإقليمي والدولي اكتسبا في التجربة الفلسطينية “أهمية تفوق أهميتهما في حالات حركات التحرر الوطني الأخرى”، نظرًا إلى تشابك القضية الفلسطينية مع الاستعمار الأوروبي، والمسألة اليهودية في أوروبا، والمسألة العربية، ونشوء الدول العربية المستقلة، إضافة إلى “العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والحرب الباردة، ثم النفوذ الأميركي المتعاظم في الإقليم”.
وأكّد أنّ هذا السياق لم يكن عاملًا خارجيًا ثانويًا، بل شكّل أحد المحددات الحاسمة لمسار المشروع الوطني الفلسطيني وبرنامجه السياسي وحوامله الاجتماعية.
الكفاح المسلح والبرنامج السياسي
وفي تناوله للتاريخ السياسي الفلسطيني، خصّص بشارة جزءًا مهمًا من محاضرته لمناقشة مكانة الكفاح المسلح ضمن المشروع الوطني الفلسطيني، موضحًا أنّ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية جاء تأكيدًا على “الكيانية الفلسطينية الواحدة” بعد نكبة عام 1948، وفي سياق صراع عربي – إسرائيلي كانت فيه فلسطين “الأرض العربية المحتلة الوحيدة”.
وبيّن أنّ هزيمة عام 1967 وما نجم عنها من احتلال ما تبقّى من فلسطين “فرضت حوامل سياسية جديدة للمشروع الوطني سيطرت على منظمة التحرير، وهي فصائل الكفاح المسلح”، التي اعتبرت، في حينه، أن “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحقيق البرنامج”.
مع ذلك، شدّد بشارة على أنّ هذه المقولة لم تُنتج، في الواقع، استراتيجية فعلية لتحرير فلسطين، ولاحظ أنّ الكفاح المسلح “لم يُقيَّم يومًا على أساس ارتباطه بتحقيق البرنامج السياسي”، بل جرى الاحتفاء به بوصفه حاملًا للهوية والروح التحررية.
ولفت عزمي بشارة في المنتدى السنوي لفلسطين حول ضرورة تحرّر المظلة الوطنية من جميع اتفاقات الاحتلال، وإدارة شؤون الحياة المدنية عبر جهات لا تمثل المشروع الوطني ولا القيادة السياسية.
ولا شك أن هذا الطرح يبدو عقلانيًا ومنطقيًا من حيث المبدأ ومن حيث مآلات تجربة.
أن صعوبة إجراء تقييم تاريخي نقدي لهذه المرحلة، بسبب “الهالة القدسية التي تحيط بالموضوع، واختلاطه بالهوية الجماعية”، مميّزًا بين الذاكرة بوصفها “انتقائية الحفظ والنسيان”، والتاريخ بوصفه مجالًا للتفسير والفهم انطلاقًا من الحاضر.
وتابع بشارة تحليله بالوقوف عند التحولات الكبرى التي فرضها مسار “الأرض مقابل السلام” بعد حرب عام 1973 واتفاقيات كامب ديفيد، والتي أدّت إلى خروج مصر من ساحة الصراع، وإغلاق الجبهات العربية أمام الكفاح المسلح الفلسطيني.
وأوضح أنّ انتقال مركز الثقل في المواجهة من العمل المسلح خارج فلسطين إلى النضال الجماهيري داخلها توّج بالانتفاضة الشعبية الأولى، وترافق مع تحوّل جوهري في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير، وصولًا إلى إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، ثم مسار أوسلو وما نتج منه من “تغيير كامل في المشروع الوطني”.
تفكك المشروع الوطني
وفي هذا السياق، أشار بشارة إلى أنّ نشوء السلطة الفلسطينية، ثم الانقسام بين سلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أدّيا إلى “تفكك المشروع الوطني الفلسطيني”، وتحويل منظمة التحرير عمليًا إلى “دائرة ضمن السلطة”، مقيّدة باتفاقيات أوسلو والتزاماتها الأمنية.
«قضية فلسطين كانت عامل جمع وليس عامل تفرقة»، يقول د. عزمي بشارة، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال محاضرة عامة ينظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومؤسسة الدراسات الفلسـطينية، ضمن أعمال اليوم الأول من فعاليات المنتدى السنوي لفلسطين 2026.
واعتبر هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تهميش القضية الفلسطينية دوليًا، وفتح المجال أمام إسرائيل لمواصلة الاستيطان، وشنّ الحروب المتكررة على قطاع غزة.
وفي القسم الأبرز من محاضرته، توقّف مطولًا عند عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها، معتبرًا أنّ “الرد الإسرائيلي على العملية حوّل الحدث إلى زلزال افتتح مرحلة جديدة”، في فلسطين والمنطقة، وفي النظام الدولي.
وأوضح أنّ إسرائيل، بدعم أمريكي وتواطؤ دولي، شنّت “حرب إبادة شاملة” على قطاع غزة، تهدف إلى “تهجير الفلسطينيين وفرض تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي جذري”، أو تحويل غزة إلى “جيب سكاني منزوع الكيانية الوطنية”.
مسارات الاهتمام بالقضية الفلسطينية
وحذّر بشارة من أنّ الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بعد هذه الحرب انقسم إلى مسارين: أولهما، مسار احتوائي رسمي، يسعى إلى إدارة الأزمة إنسانيًا أو إداريًا، من دون أي أدوات ضغط حقيقية لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال. وثانيهما، مسار حركات التضامن العالمية، التي وصفها بأنها “الأوسع والأعمق منذ عام 1948”.
في محاضرته خلال المنتدى السنوي لفلسطين، شدّد الدكتور عزمي بشارة على أن عدم وضوح المشروع الوطني الفلسطيني يشكّل عائقاً رئيسياً أمام تطور حركة الاحتجاج ضد الممارسات الإسرائيلية.
لكنه شدّد على أنّ هذه الحركات، على أهميتها، “لا يمكن أن تحل محل مشروع وطني فلسطيني واضح”؛ لأن غياب هذا المشروع هو “العائق الرئيس أمام تحويل التضامن العالمي إلى قوة سياسية مستدامة”.
في هذا الإطار، أكّد بشارة على أنّ ما يجري تشييده اليوم في فلسطين هو “نظام فصل عنصري من نوع خاص”، مشيرًا إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية “تُصرّح بوضوح أنها لن تقبل بأي انسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967″، وأنها ترضى، في أحسن الأحوال، بـ “سلطات فلسطينية وظيفية في إطار السيادة الإسرائيلية”.
ورأى أنّ الحديث الدولي المتكرر عن حل الدولتين بات “ضريبة كلامية”، في ظل غياب أي استعداد لاتخاذ خطوات عملية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية.
“حالة فلسـطين هي حالة خاصة”،
يقول د. عزمي بشارة، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال محاضرة عامة ينظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، ضمن أعمال اليوم الأول من فعاليات المنتدى السنوي لفلسـطـين 2026، بعنوان «المشروع…
وخلص بشارة إلى أنّ التحرر الوطني الفلسطيني اليوم يعني التحرر من نظام الفصل العنصري، وأن هذا التحرر قد يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة، أو إلى نظام ديمقراطي قائم على المواطنة في فلسطين التاريخية، لكن “لا يوجد حاليًا برنامج سياسي واستراتيجية تقود إلى أيٍّ من هذين النموذجين من دون مشروع وطني عنوانه الصراع ضد نظام الأبارتهايد”.
وشدّد على أنّ المشروع الوطني “لا يقتصر على الهدف السياسي، بل يشمل القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة الحاملة له”، معتبرًا أنّ التحدي الراهن يكمن في تشكّل هذه القوى وبناء مؤسسة سياسية جامعة.
وفي ختام محاضرته، دعا بشارة إلى التمييز الضروري بين إدارة شؤون السكان في ظل الاحتلال، بوصفها ضرورة حياتية، وبين القيادة السياسية التحررية، التي يجب أن تبقى بمنأى عن أي التزامات أمنية أو سياسية مع الاحتلال. وأكد أنّ غياب مشروع وطني تحرري جامع “يحوّل الجدلية بين الوطني والمدني إلى صراعات على السلطة قبل التحرر”، وهي الديناميكية التي “قادت إلى ما نحن فيه منذ اتفاقيات أوسلو”.
وانطلقت السبت الفائت في الدوحة، أعمال المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة، التي ينظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، خلال الفترة 24-26 يناير 2026.
يُعَدّ المنتدى السنوي لفلسطين أحد أبرز الفضاءات الأكاديمية المتخصصة عالميًا في القضية الفلسطينية، لما يتميّز به من رصانةٍ علميةٍ في الأوراق البحثية المقدَّمة، وتنوّعٍ منهجي في المقاربات النظرية والتحليلية، ومشاركة نخبةٍ من الباحثين والباحثات من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم.
وتغطي أوراق هذه الدورة طيفًا واسعًا من القضايا المركزية المتصلة بفلسطين، من التاريخ والتحولات البنيوية في المشروع الوطني الفلسطيني، إلى موقع فلسطين في النظامَين العربي والدولي، مرورًا بتحليل الاستعمار الاستيطاني ونظام الأبارتهايد، وحدود القانون الدولي، وتحولات التضامن العالمي، وأدوار الإعلام، والمعرفة، والجامعات في زمن الإبادة.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.
منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟
حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.
ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟
استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.
كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.
قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".
السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟
لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟
إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.
تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.
الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.
إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.
إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.
لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.