كشفت دورة دافوس الاخيرة، التي نظمها منتدى الاقتصاد العالمي World Economic Forum، عن مفارقة عميقة في بنية النظام الدولي المعاصر. فمن جهة، برزت طاولة الاقتصاد بوصفها مركز الثقل الحقيقي للتأثير العالمي، حيث تتحرك رؤوس الاموال، والتكنولوجيا، والتحالفات السريعة بفاعلية لافتة. ومن جهة اخرى، تراجع الحضور العملي للمنظومة متعددة الاطراف، وفي مقدمتها الامم المتحدة United Nations، بما تمثله من شرعية قانونية جامعة.

غير ان هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية التوازنات المؤسسية، بل ينبغي فهمه في سياق ازمة اعمق – ازمة المعنى والميزان. فحين تتقدم المصالح المجردة عن القيم، ويتحول النفوذ الاقتصادي والعسكري إلى معيار للعدل، يصبح العالم مهددا بالانزلاق نحو منطق بدائي يعيد تعريف الحق بالقوة، والظلم بالغلبة.

وقد كان الوالد، حفظه الله، يستحضر في هذا السياق رواية بليغة من الجاهلية، حين سُئل اعرابي عن العدل فقال: العدل ان اغير على جاري فاقتله واسلب ماله وعياله، وسُئل عن الجور فقال: الجور ان يغير علي جاري. في هذه الصورة المكثفة تنقلب القيم، ويغيب الميزان، ويصبح الفعل العدواني حقا مكتسبا لمن يملك القدرة. وهي فلسفة تجد صداها المعاصر في سرديات ثقافية مثل فيلم التطهير The Purge، يتحدث هاذ الفلم الامريكي عن تصور إنه وفي كل عام، ولمدة 12 ساعة، يُصبح ارتكاب أي جريمة مباحًا، حيث تتوقف الشرطة عن العمل، وتُغلق المستشفيات أبوابها. حيث تُعلّق القواعد، وتُشرعن الفوضى، ويُترك المجال لمن يملك القوة.

ما عكسته دورة دافوس الاخيرة، في ظل تصاعد الحديث الضمني عن القوة العسكرية وتراجع مرجعية القانون الدولي، هو اقتراب مقلق من هذا المنطق  ، منطق عالم تحكمه المصالح العارية، لا القيم الضابطة. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة البعد الاخلاقي في الحوكمة العالمية، لا بوصفه ترفا خطابيا، بل شرطا لبقاء النظام الدولي ذاته.

في هذا الافق، تكتسب الدعوة التي يؤكد عليها حلف الفضول الجديد راهنيتها الاستراتيجية. فالبشرية، نعم، تجمعها المصالح، لكن الفضائل هي التي تذكرها بحدود هذه المصالح، وبالغاية من تنظيمها. والتاريخ يعلمنا ان التنازع على البقاء يفضي في النهاية إلى الفناء، بينما التعاون على البقاء هو وحده ما يفضي إلى البقاء والاستمرار.

إن اعادة التوازن بين قوة الاقتصاد، وضبط القوة العسكرية، واستعادة مرجعية القانون الدولي، لا يمكن ان تنجح دون مرجعية قيمية عليا – مرجعية تجعل من العدل قيمة مشتركة، لا امتيازا للقوي، ومن الكرامة الانسانية خطا احمر، لا تفصيلا تفاوضيا. فالعالم لا يحتاج فقط إلى طاولات تفاوض اقوى، بل إلى ميزان اخلاقي يعيد توجيه المصالح، ويمنع ان يتحول صراع البقاء إلى مسار جماعي نحو الفناء.

تلك هي رسالة دافوس حين تُقرأ بعمق وتحذيرها الاكبر ان الاقتصاد بلا فضيلة، والقوة بلا قانون، لا يصنعان نظاما عالميا، بل يؤسسان لفوضى مؤجلة.

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

إقرأ أيضاً:

مؤسسة وأكاديمية نماء تختتمان دورة تدريبية في برنامج الـ “Power BI المتقدم”

 

اختتمت مؤسسة نماء للتنمية والتمويل الأصغر، وأكاديمية نماء للتنمية والتمويل الأصغر، دورة تدريبية متخصصة في برنامج ال “Power BI المتقدم”

ويأتي البرنامج التدريبي – الذي شارك فيه 8 متدربين من موظفي وموظفات الإدارة العامة – في إطار توجهات مؤسسة وأكاديمية نماء نحو تعزيز قدرات التحليل الرقمي ودعم اتخاذ القرار المبني على البيانات، في خطوة تعكس اهتمامهما بتطوير المهارات التحليلية المتقدمة لدى الموظفين.

وقد هدف البرنامج إلى تمكين المشاركين من إتقان أدوات تحليل البيانات المتقدمة باستخدام Power BI، وتعزيز قدراتهم على بناء تقارير تفاعلية ولوحات معلومات احترافية تسهم في تحسين جودة الأداء المؤسسي ورفع كفاءة اتخاذ القرار.

وتضمن البرنامج حزمة متكاملة من المحاور التطبيقية المتقدمة، شملت إتقان استخدام دوال DAX، وتصميم لوحات تحكم احترافية، وإنشاء العلاقات بين الجداول، وتطبيق التنسيقات الشرطية، إلى جانب إضافة الأعمدة المحسوبة والأعمدة الشرطية، ودمج البيانات من مصادر متعددة، فضلًا عن نشر التقارير على خدمة Power BI Service، بما يعزز قدرة المشاركين على تحليل البيانات بكفاءة عالية وتقديم مخرجات دقيقة تدعم العمل المؤسسي.

وفي ختام البرنامج، أكد الأستاذ محمد الفران، رئيس مؤسسة نماء للتنمية والتمويل الأصغر رئيس أكاديمية نماء للتنمية والتمويل الأصغر، أن تنمية المهارات التحليلية الرقمية تمثل أحد المرتكزات الأساسية في تطوير بيئة العمل المؤسسي، مشيدا بمستوى التفاعل والالتزام الذي أظهره المشاركون، ومؤكدا استمرار المؤسسة في تقديم برامج تدريبية نوعية تواكب متطلبات التطوير المؤسسي والتحول الرقمي.

من جانبها، أوضحت مدربة البرنامج د. نجوى نعمان، أن المشاركين أظهروا مستوى متقدمًا من الاستيعاب والتفاعل مع مفردات البرنامج، مؤكدةً تمكنهم من تطبيق المهارات المكتسبة عمليًا في تحليل البيانات وبناء التقارير الاحترافية، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي.

واختُتم البرنامج بتوزيع الشهادات المعتمدة على المشاركين، تقديرًا لجهودهم والتزامهم خلال فترة التدريب، في خطوة تعكس حرص المؤسسة والأكاديمية على تقديم برامج تدريبية عالية الجودة بمعايير مهنية معتمدة.

مقالات مشابهة

  • وزير العدل يستقبل قيادات الوزارة ومنسوبيها للتهنئة بعيد الأضحى
  • أمن المدية يُطيح بـ3 شبكات إجرامية للإتجار بالمخدرات
  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • بعد نداء استغاثة وسط أحوال جوية قاسية.. موريتانيا تنقذ 110 مهاجرين
  • التونسي كمال هديدر مشرفاً على مراكز إعداد الرياضيين ومنتخبات الصالات لليد
  • التوبة.. عرض مسرحي يجسد صراع الإنسان مع أخطائه
  • اليمن.. مكتب النائب العام يختتم دورة تدريبية لمأموري الضبط القضائي بالهيئة العامة للبريد
  • مؤسسة وأكاديمية نماء تختتمان دورة تدريبية في برنامج الـ “Power BI المتقدم”
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني
  • منتخب الناشئين يستعد لمواجهة المغرب في صراع برونزية أمم أفريقيا