ما الذي تحمله المرحلة الثانية لغزة وفلسطين؟
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير الجاري، أعلن المبعوث الأمريكي ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص قطاع غزة. وبعد ذلك بيومين، أعلن ترامب نفسه عن تشكيل "مجلس السلام".
فعلى هامش منتدى دافوس، في الـ22 من الشهر الحالي، دشن ترامب "مجلس السلام"، بمشاركة ممثلين عن 21 دولة من أصل 35 وافقت على المشاركة، بعد أن كانت الدعوة قد وُجهت لأكثر من 60 دولة.
المرحلة الأولى قد انتهت وطُويت صفحتها، لكنها لم تنفذ، أو بشكل أكثر دقة لم ينفذ منها المطلوب من جانب الاحتلال. فقد سلمت المقاومة ما لديها من أسرى أحياء وجثامين الجنود، وبذلت جهدها للتوصل إلى الجثة الأخيرة، والتزمت بوقف إطلاق النار، بينما لم ينفذ الاحتلال تقريبا شيئا مما يليه من التزامات
ورغم وجود عقبات حقيقية في المسار المعلن، من قبيل الاعتراض "الإسرائيلي" على عضوية تركيا وقطر في المجلس، والصعوبات أمام تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وإعاقة الاحتلال لدخول لجنة التكنوقراط للقطاع، إلا أن الدول المشاركة وفي مقدمتها الولايات المتحدة أعلنت بشكل لا مواربة فيه انطلاق المرحلة الثانية من خطة ترامب المدعّمة بقرار مجلس الأمن الدولي 2803.
في السياق والخطاب والإشارات، ثمة ما يدعو لتقييم المجلس المعلن في سياق دولي وليس فقط على مستوى غزة، بما في ذلك إشارة ترامب لإمكانية أن "يحل مكان الأمم المتحدة"، وهو ما ساهم في التحفظات الأوروبية والدولية على المشاركة في المجلس، ما دفع ترامب لاحقا للاستدراك حول "التنسيق مع الأمم المتحدة"، لكن هذا المقال يركز بشكل أساسي على البعد الفلسطيني حصرا.
وهنا، لا بد من إقرار حقيقة ماثلة بالغة الدلالة، وهي أن المرحلة الأولى قد انتهت وطُويت صفحتها، لكنها لم تنفذ، أو بشكل أكثر دقة لم ينفذ منها المطلوب من جانب الاحتلال. فقد سلمت المقاومة ما لديها من أسرى أحياء وجثامين الجنود، وبذلت جهدها للتوصل إلى الجثة الأخيرة، والتزمت بوقف إطلاق النار، بينما لم ينفذ الاحتلال تقريبا شيئا مما يليه من التزامات باستثناء الانسحاب الأولي للخط الأصفر، والذي عدّله لاحقا.
ورغم ذلك توحي التصريحات الأمريكية وكأن المرحلة الأولى قد نُفذت بدقة فائقة تدعو للتفاؤل بالقادم، بيد أن مضمون التصريحات يكشف ما هو أهم، فقد ركز ويتكوف على أن المرحلة الأولى قد حققت وقف إطلاق النار وإعادة المحتجزين ومعظم الرفات، مضيفا لذلك "إدخال مساعدات إنسانية تاريخية". يتفق معه ترامب في المضمون والأسلوب حين يتحدث عن "مستويات قياسية من المساعدات الإنسانية" يدّعي أنها دخلت غزة خلال المرحلة الأولى، وهو ما يعرف الجميع أنه غير دقيق، فضلا عن عدم فتح المعابر ولا إدخال الأدوات التي يمكن أن تساهم في رفع الأنقاض وبالتالي البدء بتأهيل البنية التحتية.
والملحوظة الرئيسة هنا هي أن التقييمات الأمريكية لم تشمل الخروقات "الإسرائيلية" لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي ربا عددها عن الألف، بما في ذلك عمليات القصف والقتل والاغتيال، وإعاقة دخول المساعدات، وعدم فتح المعابر، والاستمرار بالتفجير والهدم.
يدفعنا ذلك للقول إن الرؤية الأمريكية للخطة، ولا سيما في مرحلتها الثانية، تتضمن ثلاثة أركان رئيسة؛ أولها فرض وقف إطلاق النار ولكن وفق المنظور الأمريكي (الذي لا يتعارض مع "الإسرائيلي" كثيرا)، أي عدم العودة لوتيرة الإبادة السابقة، مع تمرير ومنح غطاء لكل خروقات الاحتلال بما في ذلك استهداف المدنيين.
وأما الثاني فهو التركيز والرقابة على الجانب الفلسطيني حصرا، حيث لن تقع على كثير من رصد فضلا عن نقد للخروقات "الإسرائيلية"، مقابل بعض الأصوات الأمريكية التي تدعي انتهاك حركة حماس والفصائل الفلسطينية للاتفاق، ما يعكس رؤية للتقييم وليس مجرد خطأ في المتابعة.
والثالث هو التركيز على المطلوب من الجانب الفلسطيني في المرحلة الثانية دون الحديث عن التزامات دولة الاحتلال. ولذلك فقد ركز ترامب في خطابه في دافوس على كون المرحلة الثانية "اتفاقا شاملا لنزع السلاح من حماس"، وعلى ما عدّه التزامات مطلوبة منها بما في ذلك "إعادة آخر جثمان إلى إسرائيل"، دون الإشارة إلى أي استحقاق مطلوب من دولة الاحتلال بما في ذلك الانسحاب. وقد كان ويتكوف قدّم للمرحلة الثانية بعدِّها "انتقالا من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وبدء عملية إعادة الإعمار".
وإذا كان ذلك يعني أن تطبيق -أو بالأحرى عدم تطبيق- المرحلة الثانية لن يختلف عن الأولى، دون أي ضمانات باختلاف متوقع، فمن المهم التذكير بالفلسفة الرئيسة التي قامت عليها خطة ترامب منذ البداية، وهي إنزال نتنياهو عن الشجرة، وتخفيف الضغوط التي تعرض لها على الساحة الدولية من خلال الإيهام بوجود مسار هدوء وتسوية وسلام، مع التركيز في الجوهر على تجريم الفلسطينيين. ولذلك كان نتنياهو -مرتكب الإبادة والمطلوب توقيفه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية- شريكا في الخطة وليس هدفا لها أو مجرد طرف فيها. وعليه، وإن أرغم ترامب نتنياهو بجزئية وقف إطلاق النار وتوقيتها، إلا أنه لم ولا يختلف معه لا شخصيا ولا كدولة على أهداف الحرب بعيدة الأمد، وهي تلك المتعلقة بالمقاومة الفلسطينية بشكل رئيس.
اليوم، المطلوب أمريكيا -و"إسرائيليا"- التقدم في الخطة مع حماس ورغما عنها في آنٍ معا، أي استمرار التواصل معها مرحليا بغية الوصول لمحطة إبعادها تماما عن إدارة غزة وتجريدها من كامل سلاحها وتسليم أنفاقها، وربما حتى نفي قياداتها وكوادرها. كل ذلك بالتلويح المستمر بالعقاب الكبير و"جهنم" التي يمكن أن تفتح عليها، بما في ذلك إعادة الضوء الأخضر لوتيرة الإبادة السابقة "في حال لم تلتزم"، وهو ما يحصل حتى الآن بالقوة الباطشة الأمريكية، وبشبكة دعم عربي- إسلامي رسمي غير مسبوق.
خطة ترامب، وتحديدا في مرحلتها الثانية، هي مسار لتصفية القضية وإنهاء المقاومة وتثبيت هيمنة "إسرائيل" على كامل المنطقة
غاية الخطة الأمريكية، كما كان واضحا وتأكد لاحقا، هو تصفية المقاومة لتأمين الهدوء الكامل بالنسبة لـ"إسرائيل" ومنع أي تهديد لها، وتصفية القضية الفلسطينية، واستئناف دمج "إسرائيل" في المنطقة عبر الاتفاقات الإبراهيمية أو ما يشبهها، وهو ما يمكن أن نسميه صفقة قرن معدلة أو مطورة أو صفقة القرن 2.
وفي القلب من هذه الخطة إخراج قطاع غزة من فلسطينيتها، بتدويلها، وصنع نموذج جديد لها يعمل على تنسية ومسح نموذج المقاومة و"طوفان الأقصى" لصالح نموذج عقاري- استثماري- تجاري، مع سردية "ثقافة السلام" وتغيير مناهج التعليم و"محاربة الكراهية".
ولعله من المهم العودة لتصريح ترامب عن لجنة تكنوقراط إدارة غزة، حين سماها "الحكومة التكنوقراطية الفلسطينية"، لا مجرد لجنة، بمرجعية بعيدة عن حماس والفصائل بل وعن السلطة نفسها. فمرجعيتها المعلنة هي "الممثل السامي لمجلس السلام" نيكولاي ميلادينوف، وهو ما يكرس الفصل عن الكيان الفلسطيني وفرض الوصاية الدولية. وزيادة في تلك الدلالة، فقد جاء اجتماع اللجنة في السفارة الأمريكية في القاهرة، وليس في السفارة الفلسطينية، ولا في أي جهة مصرية مثلا.
إن خطة ترامب، وتحديدا في مرحلتها الثانية، هي مسار لتصفية القضية وإنهاء المقاومة وتثبيت هيمنة "إسرائيل" على كامل المنطقة. هكذا يجب فهمها، وبناء على ذلك مواجهتها والتعامل معها.
x.com/saidelhaj
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب غزة السلام الإسرائيلي الفلسطيني إسرائيل فلسطين غزة السلام ترامب مقالات مقالات مقالات صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المرحلة الأولى قد المرحلة الثانیة وقف إطلاق النار بما فی ذلک خطة ترامب لم ینفذ وهو ما
إقرأ أيضاً:
الزراعة: مستهدفات توريد القمح تصل لـ 5 ملايين طن ومصر الثانية عالميا بإنتاجية الفدان
أكد الدكتور خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة، أن موسم توريد القمح الحالي يشهد تيسيرات وحوافز غير مسبوقة تترجم توجيهات القيادة السياسية بالتعامل مع المحصول كقضية أمن قومي ترتبط بلقمة عيش المواطن، مشيراً إلى أن باب التوريد مفتوح ومستمر حتى منتصف أغسطس 2026 للوصول إلى المستهدف البالغ 5 ملايين طن.
وأوضح في سياق حديثه خلال مداخلة هاتفية مع فضائية "النيل للأخبار"، أن الحوافز الحكومية شجعت المزارعين بشكل مباشر على زيادة المساحات المنزرعة والتسويق، لافتاً إلى أن حزمة الخدمات المقدمة شملت رفع سعر التوريد مرتين متتاليتين بواقع 150 جنيهاً قبل الزراعة و150 جنيهاً أخرى قبل الحصاد، مع التزام الدولة بصرف المستحقات المالية للمزارعين خلال 48 ساعة فقط كحد أقصى من تاريخ التسليم.
بدائل بحثية وخطط الاكتفاء الذاتي
وأشار المتحدث باسم وزارة الزراعة إلى أن المشروع القومي للصوامع يسير بالتوازي مع خطط التوسع الأفقي لرفع القدرة الاستيعابية والتخزينية على مستوى الدولة لتصل إلى 6 ملايين طن وأكثر خلال السنوات القليلة المقبلة، مما يضمن تقليص الفاقد وتأمين المخزون الاستراتيجي.
وأضاف أن الرؤية الزراعية الحالية، المدعومة بالمشروعات القومية الكبرى مثل الدلتا الجديدة ومستقبل مصر، تستهدف قفزة نوعية في معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح لتصل إلى 50% خلال عام أو 2 كحد أقصى (وهي النسبة الكافية لتأمين رغيف الخبز المدعم)، على أن تتجاوز معدلات الاكتفاء حاجز 60% بحلول عام 2030.
البحث العلمي وصدارة الإنتاجية العالمية
وعن ملف استنباط المقاومات الجينية والتغيرات المناخية، أفاد جاد بأن مركز البحوث الزراعية يمتلك البرنامج القومي للقمح، وهو واحد من أكبر البرامج البحثية عالمياً، ونجح في وضع مصر بالمرتبة 2 عالمياً في إنتاجية الفدان، حيث تصل القدرة الإنتاجية للأصناف الحديثة إلى ما بين 28 و30 إردباً للفدان، بينما تسجل الحقول الإرشادية فعلياً إنتاجية تبلغ 24 إردباً.
ولفت إلى أن المنظومة البحثية تمتلك حالياً 20 صنفاً معتمداً من القمح يتم توفير تقاويها للمزارعين بأسعار مدعومة بسعر التكلفة، كاشفاً عن خطة الوزارة لطرح 5 أصناف جديدة عالية الإنتاجية الموسم المقبل، تليها 3 أصناف أخرى في الموسم الموالي، لتعزيز "السياسة الصنفية" وتوزيع التقاوى جغرافياً حسب طبيعة التربة والطقس.
مواجهة الملوحة والتبادل الإقليمي
وذكر أن المواصفات الفنية للأصناف المستنبطة حديثاً تركزت على مجابهة التحديات البيئية، إذ تمتاز بأنها أصناف قصيرة العمر، وأقل استهلاكاً للمياه، ولديها قدرة عالية على تحمل الجفاف وملوحة التربة والارتفاع في درجات الحرارة، مما يجعلها مثالية للزراعة في الأراضي المستصلحة حديثاً بالتعاون مع جهاز الخدمة الوطنية وجهاز مستقبل مصر.
وأشار إلى أن النجاحات التي حققتها منظومة البحث العلمي التطبيقي في مصر لم تقتصر على السوق المحلية فحسب، بل فتحت آفاقاً للتصدير والتبادل الإقليمي؛ حيث تقود مصر حالياً عمليات تصدير لتقاوى أصنافها المتميزة من القمح إلى عدد من الدول العربية والإفريقية للاستفادة من جودتها وملاءمتها للظروف المناخية الصعبة.
اقرأ المزيد..