هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟

زنجبار والسودان كنقطتي اختبار لمنطق المواطنة والإقصاء

يعيد هذا المقال طرح سؤال المواطنة في أفريقيا بعيدًا عن السجالات الإثنية، عبر قراءة مقارنة لزنجبار والسودان بوصفهما نقطتي اختبار كاشفتين لفشل الدولة الحديثة في إدارة التعدّد، من السطح المينائي إلى العمق البرّي، ومن الدين الشبكي التاريخي إلى توظيفه الجيوسياسي المعاصر.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

تمهيد: السؤال التأسيسي

سؤال المواطنة قبل الحالات.

ينطلق هذا المقال من سؤال ظلّ معلقًا في الفكر السياسي الأفريقي: هل العرب مواطنون في أفريقيا أم مستوطنون؟ لا يُطرح السؤال هنا بوصفه اتهامًا إثنيًا أو دفاعًا هوياتيًا، بل أداة تحليل لاختبار مفهوم المواطنة في دولة ما بعد الاستعمار.

زنجبار: السطح المينائي كحالة اختبار

حين يتحوّل التمازج إلى ذريعة إقصاء.

تمثّل زنجبار حالة سطحية كاشفة تشكّلت بهوية بحرية مينائية قائمة على الحركة والتمازج، حيث امتزجت الجذور البانتوية بمفردات عربية–عُمانية ولمسات هندية وفارسية، ضمن إطار إسلامي سواحلي تشكّل عبر قرون من التفاعل مع عالم المحيط الهندي. هذه الهوية المينائية لم تكن طارئة، بل أنتجت مجتمعًا متداخلًا قادرًا على إدارة التعدّد خارج ثنائيات الأصل والطارئ.

غير أن ما جرى في يناير ١٩٦٤ شكّل لحظة قطيعة عنيفة، حين قُدِّمت الأحداث بوصفها «ثورة»، بينما كانت في جوهرها غزوًا قادمًا من البر، قاده اليوغندي جون أوكيلو، واستهدف بصورة مباشرة العرب والأثنيات المختلطة المقيمة في الجزيرة. لعب أوكيلو دور الأداة العسكرية والأيديولوجية، مستخدمًا خطاب الاستئصال باسم القومية الأفريقية العرقية، دون أن يكون هو مركز القرار السياسي.

بعد إنجاز الدور الدموي، جرى تهميش أوكيلو وإبعاده، في عملية تبرؤ محسوبة سمحت بإدانة «العنف المنفلت» مع الإبقاء على نتائجه. وهنا يبرز دور جوليوس نيريري بوصفه الفاعل السياسي الحاسم في مرحلة ما بعد ١٩٦٤، إذ كانت أولى خطواته الاستراتيجية ضمّ زنجبار إلى تنجانيقا لتكوين دولة تنزانيا، وهو الاتحاد الذي جرى تثبيته سياسيًا ثم دستوريًا، وصولًا إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجزيرة عبر قرارات السبعينيات، ولا سيما في عام ١٩٧٦، حين أُعيد تعريف الملكية والمواطنة بما كرّس نتائج العنف بوصفها واقعًا قانونيًا دائمًا.

بهذا المعنى، لم يكن ضمّ زنجبار إجراءً إداريًا لاحقًا، بل جزءًا من منطق تأسيسي للدولة الجديدة، حوّل العنف إلى شرعية، وأعاد كتابة السرد لتبرئة الدولة الأفريقية الحديثة من مسؤولية الإقصاء المؤسِّس.

كينيا وتنزانيا: الحلقة الوسطى السواحلية–البرّية

الاحتواء بدل الحسم.

تمثّل كينيا وتنزانيا حلقة وسطى بين زنجبار والسودان، حيث يظهر الساحل السواحلي، ولا سيما ممباسا، بوصفه امتدادًا لهوية بحرية إسلامية عربية الجذور، تتقاطع مع اختلاطات شمالية رعوية وقبائل ذات أصول صومالية، دون أن تُحسم في عقد مواطنة متكافئ، بسبب خلافات تقليدية حول الموارد.

السودان المُعاق: دولة مُكبَّلة تُنتج الضمّ والإقصاء

الإعاقة البنيوية للدولة.

يمثّل السودان حالة دولة مُعاقَة بنيويًا، لا بسبب نقص الموارد أو التنوّع، بل نتيجة فشل تاريخي متراكم في بناء مفهوم جامع للمواطنة. هذا الفشل لم يكن طارئًا ولا عرضيًا، بل تشكّل عبر تداخل عوامل بنيوية أعادت إنتاج نفسها منذ الاستقلال وحتى اليوم.

أولى هذه العوامل هي المركزية المفرطة، التي ورثت من الدولة الاستعمارية أدوات الحكم والسيطرة، ثم أعادت توظيفها دون تفكيك. فبقيت الدولة تُدار من مركز ضيّق، ينظر إلى الأقاليم بوصفها أطرافًا ملحقة، لا شركاء متكافئين في العقد الوطني.

العامل الثاني هو اختزال الهوية الوطنية في سرديات عروبية أو دينية، جرى تقديمها باعتبارها هوية الدولة ذاتها، لا أحد مكوّناتها. هذا الاختزال أقصى قطاعات واسعة من المجتمع، وحوّل التنوع الثقافي والإثني إلى مصدر شكّ سياسي وأمني بدل أن يكون رصيدًا وطنيًا.

أما العامل الثالث فيتمثّل في التهميش المزمن للأقاليم سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وهو تهميش لم يكن مجرد نتيجة للفقر أو ضعف التنمية، بل سياسة ممنهجة حافظت على اختلال ميزان السلطة. وفي هذا السياق، لم يكن الضمّ توسّعًا جغرافيًا طبيعيًا، بل ممارسة سياسية قسرية، أُلحقت عبرها أقاليم وشعوب بالدولة إداريًا دون أن تُدمج فعليًا في عقد مواطنة متكافئ.

هكذا تحوّل السودان إلى دولة واسعة الجغرافيا، ضيّقة المواطنة، تُعاد فيها إنتاج أسباب الإقصاء والحرب كلما فشلت محاولات الإصلاح، لأن الخلل لم يكن في إدارة الأزمات، بل في البنية التي تُنتجها.

الدين بين الشبكة والإدارة: من الإسلام التاريخي إلى الإبراهيمية

من التعايش إلى الإدارة الجيوسياسية.

أدّى الإسلام تاريخيًا دور شبكة اجتماعية–جغرافية للتعايش في فضاءات القرن الأفريقي، ربطت بين الجزر والموانئ واليابسة قبل تشكّل الدولة الحديثة. غير أن هذا الدور تغيّر مع صعود الدولة الأيديولوجية والإدارة الجيوسياسية للدين.

في هذا السياق، تبرز الإبراهيمية لا بوصفها مشروعًا روحيًا خالصًا، بل إطارًا سياسيًا لإعادة تنظيم الدين خارج سؤال المواطنة، وتحييده أو توظيفه ضمن ترتيبات إقليمية، دون معالجة جذور الإقصاء.

خاتمة

الدولة لا التنوّع هي المأزق.

تُظهر زنجبار والسودان، ومعهما الحلقة الكينية–التنزانية، أن مأزق أفريقيا المعاصر ليس في التنوّع، بل في الدولة التي عجزت عن تحويل هذا التنوّع إلى مواطنة متساوية، فلجأت إلى الإقصاء أو إلى إدارة الدين بدل إصلاح السياسة. وتؤكد أن أي معالجة مستقبلية لا بد أن تبدأ بإعادة تأسيس عقد المواطنة، لا بإعادة توزيع الهويات أو إدارة الدين خارج السياسة.

وعليه، فإن الخيط الناظم بين زنجبار وكينيا وتنزانيا والسودان ليس اختلاف الأعراق ولا الأديان ولا الجغرافيا، بل إخفاق الدولة الأفريقية الحديثة في تحويل التنوّع التاريخي إلى مواطنة متساوية؛ فحين تعجز الدولة عن ذلك، لا تنتج وحدة، بل تعيد إنتاج الضمّ القسري، والإقصاء، والعنف، مهما تغيّرت الشعارات.

١٧ يناير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

Ahmed [email protected]

الوسومأفريقيا إسلامية الأعراق الجغرافيا الحلقة الكينية–التنزانية السودان العرب الفكر السياسي الأفريقي المواطنة تنزانيا د. أحمد التيجاني سيد أحمد زنجبار صومالية كينيا ممباسا

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: أفريقيا إسلامية الأعراق الجغرافيا السودان العرب المواطنة تنزانيا د أحمد التيجاني سيد أحمد زنجبار صومالية كينيا ممباسا فی أفریقیا التنو ع سیاسی ا لم یکن

إقرأ أيضاً:

بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب

افتتح نيافة الحبر الجليل الأنبا مينا اسقف برج العرب و توابعها بالإسكندرية اليوم، فعاليات النادي الصيفي بكاتدرائية كاتدرائية السيدة العذراء مريم بمدينة برج العرب الجديدة، وذلك في إطار اهتمام إيبارشية برج العرب والعامرية وتوابعها برعاية الأطفال والشباب، وتوفير بيئة آمنة تجمع بين الترفيه والتعليم خلال الإجازة الصيفية.

يضم النادي الصيفي مجموعة متنوعة من الألعاب والأنشطة الترفيهية التي تناسب مختلف الفئات العمرية، من بينها ألعاب البلاي ستيشن، وتنس الطاولة، والبلياردو، وكرة القدم، والهوكي الهوائي (Air Hockey)، بما يسهم في خلق أجواء من المرح والتفاعل بين المشاركين كما حرص الأنبا مينا على مشاركة الشباب والأطفال في عدد من الألعاب، في لفتة لاقت تفاعلًا واسعًا وأسهمت في إدخال البهجة على نفوس الحاضرين.

ولا تقتصر فعاليات النادي الصيفي على الأنشطة الترفيهية فقط، بل تشمل أيضًا مجموعة من الورش التعليمية المتخصصة، أبرزها برامج الروبوتات (I Robot) واليوسي ماس (UCMAS)، إلى جانب ورش الأشغال الفنية والرسم، بهدف تنمية المهارات الذهنية والإبداعية للأطفال، واكتشاف مواهبهم في مجالات متنوعة تسهم في بناء قدراتهم المستقبلية.

وأكد الأنبا مينا، خلال كلمته، أهمية استثمار فترة الإجازة الصيفية بصورة إيجابية، بما يدعم بناء شخصية الأبناء وتنمية قدراتهم الفكرية والاجتماعية، مشددًا على ضرورة توفير أنشطة تجمع بين التعليم والترفيه تحت رعاية الكنيسة، بما يحقق الاستفادة القصوى للأطفال والشباب، مشيراً إلى أن النادي الصيفي يستقبل أبناء الأسر طوال فترة النشاط، من خلال برنامج متنوع يهدف إلى تعزيز قيم المحبة والشركة والتعاون بين المشاركين، إلى جانب دعم النمو النفسي والاجتماعي لهم، في إطار رسالة الكنيسة الرعوية والمجتمعية تجاه أبنائها.

مقالات مشابهة

  • شبانة: قطر حققت نحو 3 مليارات ريال من كأس العرب
  • المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبت
  • مستوطنون يسرقون عشرات الأغنام في بيت إكسا شمالي القدس
  • "الثقافة" تقدم لقاءات توعوية وورش ومعرض للكتاب ضمن برنامج "المواطنة"
  • مستوطنون يهاجمون منازل ويحرقون أراضي زراعية في مادما جنوبي نابلس
  • مستوطنون يقتحمون شرق رام الله ويعتدون على متضامنين
  • مخاوف في صنعاء.. شكاوى عن وقود يسبب أعطالًا مفاجئة للمركبات
  • وزير الأوقاف يبحث مع وفد الاتحاد المعمداني العالمي قيم المواطنة والتعايش المشترك
  • بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب
  • الأمين: اتساع أدوار المركزي مؤشر على ضعف مؤسسات الدولة