تشو شيوان **

بينما تتجه أنظار العالم نحو القطب الشمالي كجبهة جديدة للتغير المناخي والفرص الاقتصادية، نجد أنفسنا كصينيين أمام حملة إعلامية غربية شرسة تحاول تصوير مساهماتنا العلمية والتنموية وكأنها "خطر داهم"، ومن وجهة نظري ككاتب صيني يراقب هذه التحولات أجدُ أن ما يُروج له اليوم حول "التهديد الصيني" في جرينلاند ليس إلّا ذريعة سياسية تُستخدم كشماعة لشرعنة الهيمنة الأمريكية وتوسيع نفوذ حلف شمال الأطلسي "ناتو" في منطقة كانت تاريخيًا نموذجًا للتعاون لا للصراع، كما إن محاولة تصوير الأبحاث العلمية الصينية في القطب الشمالي على أنها أنشطة عسكرية مستترة، هي قلب صريح للحقائق، ومبالغة مقصودة تهدف إلى استحضار روح الحرب الباردة في بيئة لا تحتمل المزيد من التوتر العسكري.

هذه الادعاءات الأمريكية بشأن طموحات الصين في جرينلاند تتجاهل تمامًا الطبيعة القانونية والشفافة لأنشطتنا؛ فالصين تلتزم بدقة بالمعاهدات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ومعاهدة سفالبارد. وبرأيي، أن ما يُزعج واشنطن ليس "خرق القواعد"، بل الحقيقة المتمثلة في أن الصين أصبحت طرفًا فاعلًا يقدم بدائل تنموية قائمة على الشراكة والمنفعة المتبادلة وليس الإملاءات السياسية. إن "طريق الحرير الجليدي" الذي نطرحه ليس مشروعًا للهيمنة، بل هو جسر يربط القارات ويوفر مسارات ملاحة أقصر وأكثر كفاءة تخدم التجارة العالمية برمتها، بما في ذلك سكان القطب الشمالي الذين يطمحون إلى تنمية مستدامة بعيدًا عن صراعات القوى العظمى.

وعند النظر بعمق في جوهر القضية، أجد أن الاتهامات الموجهة لنا بـ"نهب الموارد" في جرينلاند تثير السخرية؛ فمنذ سنوات طويلة، يساهم رأس المال الصيني والتكنولوجيا الصينية في دعم مشاريع البنية التحتية والطاقة في المنطقة، بناءً على طلب وترحيب من الشركاء المحليين. وباعتقادي، فإن الولايات المتحدة تستخدم "نظرية التهديد" لصرف الأنظار عن تحركاتها الأحادية في جرينلاند؛ حيث تحاول تحويل هذه الجزيرة الهادئة إلى قاعدة استراتيجية وموقع متقدم لمراقبة روسيا والصين، ضاربةً عرض الحائط بمصالح وتطلعات شعب جرينلاند نفسه. إن منطق "أمريكا أولًا" هو المحرك الحقيقي لهذه الضجة؛ حيث تسعى واشنطن لاحتكار النفوذ في القطب الشمالي وإقصاء أي منافس يمتلك القدرة على تقديم رؤية مختلفة تقوم على تعددية الأطراف.

علاوة على ذلك، أجد أن محاولة عسكرة القطب الشمالي تحت مسمى "الدفاع عن جرينلاند" هي التي تمثل التهديد الحقيقي للبيئة والمناخ في تلك المنطقة الحساسة. فالصين، كواحدة من أقرب الدول إلى الدائرة القطبية، تعاني مباشرة من آثار ذوبان الجليد، ولذلك فإن اهتمامنا بالقطب الشمالي هو اهتمام وجودي وعلمي في المقام الأول. والاستراتيجيات الأمريكية الجديدة التي تصف التعاون الصيني-الروسي بأنه "تهديد"، ليست سوى وسيلة لزيادة وتيرة التسلح ونشر الغواصات والأنظمة الدفاعية، وهو ما يُحوِّل القطب المُتجمِّد من منطقة سلام وبحث علمي إلى بؤرة استقطاب جيوسياسي قد لا تُحمد عقباها.

والهجوم الغربي على "طريق الحرير الجليدي" يعكس خشيةً عميقة من نجاح النموذج الصيني في تقديم حلول عملية لأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. فبينما يكتفي البعض بإطلاق التصريحات الرنانة حول حماية القطب الشمالي، نجد أن الصين تستثمر في تقنيات كاسحات الجليد الصديقة للبيئة، وتفتح آفاقًا اقتصادية جديدة لشعوب الشمال عبر ربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية بمسارات تُوَفِّر الوقت والوقود. وبرأيي، فإن هذا النوع من التعاون هو الذي يثير قلق القوى التقليدية؛ لأنها ترى في التنمية المشتركة تهديدًا لنفوذها التاريخي القائم على احتكار الممرات البحرية والسيطرة على مقدرات الشعوب تحت مسميات أمنية واهية.

والتباكي الأمريكي على "الديمقراطية" و"السيادة" في جرينلاند يتناقض تمامًا مع تاريخ محاولات واشنطن المتكررة لشراء الجزيرة أو تحويلها إلى مجرد قاعدة عسكرية متقدمة. فكيف يمكن لمن ينظر إلى الأرض كسلعة عقارية أن يتهم الصين بـ"النهب الاقتصادي"؟ وبناءً على متابعتي المستمرة، أجد أن محاولة عزل الصين عن شؤون القطب الشمالي هي محاولة لعزل العِلم عن الواقع؛ فالمحيط المتجمد الشمالي يؤثر بشكل مباشر على المناخ في الصين، من خلال ظواهر الطقس المتطرفة والفيضانات، ومن ثم فإن وجودنا هناك ليس ترفًا أو طموحًا توسعيًا.

وفي الختام يجب القول إن الوقت قد حان ليتخلى الغرب عن "عقلية الحصار" التي يمارسها ضد كل تحرك صيني دولي؛ فالقطب الشمالي- وجرينلاند تحديدًا- لا ينبغي أن يكون ملكية خاصة لأي قوة، بل إنه تراث مشترك للإنسانية يتطلب تكاتف الجهود لمواجهة التحديات المناخية، وإن دفاعنا عن حقوقنا المشروعة في البحث والملاحة في أعالي البحار القطبية ليس "تهديدًا"، بل هو ممارسة لحقوق تكفلها القوانين الدولية لكل الدول، وما نأمله هو أن تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام الصين كفزاعة لتبرير توسعها العسكري، وأن تدرك أن التعاون وليس التشويه، هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن ومُستدام للقطب الشمالي.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

«أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل

صدر في مصر كتاب جديد بعنوان «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفي المصري أسامة شرشر، يقدم شهادة تجمع بين الذاكرة الصحفية والتوثيق السياسي حول حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعروف بلقب «أبو عمار»، ومسيرته التي ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ القضية الفلسطينية والنضال العربي.

ويأتي صدور الكتاب في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ فلسطين الحديث، من خلال رواية تعتمد على شهادات وذكريات مباشرة للكاتب مع الزعيم الفلسطيني الراحل.

ويستند الكتاب إلى سلسلة من اللقاءات والحوارات التي أجراها أسامة شرشر مع ياسر عرفات خلال سنوات من التواصل بينهما، ما يمنح القارئ فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من شخصية أبو عمار بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي، ومن خلال رؤية صحفي عايش جزءًا من تجربته السياسية والإنسانية.

ولا يكتفي الكتاب بعرض المحطات العامة في حياة ياسر عرفات، بل يتتبع مراحل متعددة من مسيرته، بداية من تشكل وعيه الوطني والسياسي، مرورًا بفترات الكفاح الفلسطيني والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولًا إلى المرحلة التي شهدت مفاوضات السلام والتحديات السياسية المعقدة التي أحاطت بدوره.

ويخصص «أنا وياسر عرفات» مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين الزعيم الفلسطيني ومصر، إذ يؤكد مؤلف الكتاب أن القاهرة شكلت محطة محورية في حياة أبو عمار، وأسهمت خلال مراحل مبكرة من حياته في تشكيل رؤيته الوطنية والسياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية.

ويرى أسامة شرشر أن الدور المصري كان حاضرًا بشكل أساسي في مسيرة ياسر عرفات، نظرًا للمكانة التي احتلتها مصر تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، وكونها إحدى أبرز الدول العربية التي لعبت أدوارًا سياسية في مراحل الصراع المختلفة ومسارات التفاوض.

ويقدم الكتاب قراءة تجمع بين السيرة الشخصية والتاريخ السياسي، حيث يتناول جوانب من شخصية أبو عمار، وطريقة تعامله مع الأحداث الكبرى، ورؤيته للتطورات التي أثرت على مسار القضية الفلسطينية والمنطقة العربية.

كما يناقش الكتاب عددًا من القرارات والمنعطفات السياسية المرتبطة بمسيرة ياسر عرفات، محاولًا وضعها في سياقها التاريخي والإقليمي والدولي، بعيدًا عن تقديم تجربة الزعيم الفلسطيني من زاوية واحدة أو اختزالها في رواية منفردة.

ويظهر ياسر عرفات في صفحات الكتاب باعتباره شخصية سياسية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ القرن العشرين، إذ ارتبط اسمه بمراحل طويلة من النضال الفلسطيني، وبأحداث سياسية شكلت مسار الصراع العربي الإسرائيلي لعقود.

ويأتي إصدار «أنا وياسر عرفات» ضمن محاولات توثيق الذاكرة السياسية العربية عبر شهادات شخصيات صحفية وإعلامية اقتربت من القادة وصناع القرار، حيث لا يقدم الكتاب مجرد سيرة شخصية لأبو عمار، بل يسعى إلى قراءة مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والمنطقة من خلال علاقة صحفي مصري بأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية.

ويطرح الكتاب تساؤلات حول كيفية قراءة تجربة ياسر عرفات بعد سنوات من رحيله، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والعالم العربي، مقدمًا شهادات وذكريات تسلط الضوء على شخصية أبو عمار وإرثه السياسي والنضالي.

هذا ويعد ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004، من أبرز القادة الفلسطينيين في العصر الحديث، إذ قاد منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وكان حاضرًا في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شكلت تاريخ القضية الفلسطينية.

كما لعبت مصر دورًا محوريًا في مختلف مراحل القضية الفلسطينية، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة في مسارات التفاوض والسلام.

مقالات مشابهة

  • الصين: ضرورة احترام وحماية سيادة دول المنطقة وأمنها وسلامة أراضيها
  • الصين تعرب عن قلقها البالغ إزاء تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والخليج
  • تصعيد حوثي بإدارة إيرانية.. إحباط محاولة تسلل بحري نحو باب المندب
  • ميسرة بكور: إيران تقف وراء التصعيد المرتبط بالحوثيين وفق قراءة تطورات المنطق
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • «أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل
  • الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
  • سماء الشرق الأوسط تحت التهديد.. أمريكا تطالب رعاياها بالاستعداد لإلغاء الرحلات
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا