اتجاهات مستقبلية
“ميركوسور” والاتحاد الأوروبي.. خيارات تجارية تعددية
على الرغم من تقلبات الحليف الأمريكي، والضغوط الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة، والمخاطر المحدقة بأوروبا وأمريكا الجنوبية، فإن بحث الجانبين عن خيارات متنوعة بات ضرورة ملحة؛ الأمر الذي يكتسب أهمية مضاعفة مع رفع الشريك الأمريكي مستويات التعريفات الجمركية، وتزايد حالة عدم اليقين بالأسواق ولدى الشركاء التجاريين.
ويمثل تكتلا الاتحاد الأوروبي وميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي) نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 700 مليون مستهلك في دول الجانبين. وبموجب الشراكة التجارية الواسعة، سيُلغى الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية، وسيفتح الأبواب لصادرات أوروبا من السيارات والآلات، كما سيسمح لدول أمريكا الجنوبية بتصدير لحوم الأبقار والدواجن والسكر والأرز والعسل وفول الصويا للسوق الأوروبية؛ وهو ما سيُنعش الاقتصاد الأوروبي حتمًا، ويُقرب أوروبا من أمريكا الجنوبية، لكن يبدو أن الانقسام الأوروبي حول الاتفاقية، لاسيما من فرنسا، سيعطل الاتفاقية بعض الشيء.
إن الاتفاق في هذا التوقيت لهو رسالة دولية مضمونها إمكانية الانخراط في منافسة عادلة في التجارة الدولية، عبر تحرير واسع للتبادل التجاري وفتح الأسواق عبر إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على نحو 90% من السلع المتبادلة؛ الأمر الذي يعني تحفيز التبادل التجاري، وخفض تكاليف الإنتاج والتصدير، وتسهيل حماية الملكية الفكرية.
وسيُعَدُّ قطاع السيارات الأوروبية من أكبر المستفيدين من الاتفاق، خاصة أنها كانت تواجه رسومًا قد تصل إلى 35%، أما دول “ميركوسور” فمنتجاتها الزراعية، وهي عمادها التصديري، ستصل بسهولة للأسواق الأوروبية بأسعار تنافسية؛ وهو ما يجعل المزارعين ودولاً أوروبية كفرنسا في الجناح المضاد للاتفاق، خوفًا من تضرر المزارعين المحليين.
ومن هذا المنطلق يعطل مشرعو الاتحاد الأوروبي الاتفاق التجاري بعد إحالته إلى محكمة العدل الأوروبية لإبداء الرأي القانوني؛ وهو ما قد يؤخره لشهور، وإن كان تطبيقه هو الأرجح بمجرد تصديق دولة من “ميركوسور” عليه، خاصة أن المفوضية الأوروبية تعمل على توسيع شبكة العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي، لكن يبدو أن التدابير الإضافية لتعليق الاتفاقية بالقطاعات الزراعية، مثل الدواجن واللحوم والبيض والحمضيات والسكر، في حالة الضرر الجسيم بمزارعي الاتحاد الأوروبي غير كافية لدول مثل فرنسا.
في ظل صدارة تأييد دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة) ألمانيا وهولندا وإسبانيا، باعتبار أن الاتفاق سيلغي رسومًا جمركية بقيمة تقارب أربعة مليارات يورو، قد تزيد صادرات الاتحاد الأوروبي وتعطي الفرصة للقطاعات الصناعية للازدهار، خاصة أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر مستثمر أجنبي في “ميركوسور” بقيمة 390 مليار يورو عام 2023. وعلى الاتحاد الأوروبي زيادة قدرته على الصمود في وجه الاضطرابات المستقبلية عبر شراكات في المواد الخام الأساسية اللازمة للتحول الأخضر والرقمي، ودول ميركوسور من كبار منتجيها.
إن اتفاقية التجارة الحرة تعزز السوق المشتركة لبلدان “ميركوسور”، وتعطي التكتل دفعة في تحقيق غايته الاستراتيجية، وتساعد على نجاح الاتحاد الأوروبي في عقد اتفاقيات متعددة مع الهند ودول الخليج وجنوب أفريقيا قائمة على التجارة العادلة وتحقيق فوائد للشعوب والشركاء، في ظل تزايد حالة عدم اليقين.
في عام 2024، بلغت قيمة التجارة بين الاتحاد الأوروبي و”ميركوسور” أكثر من 111 مليار يورو، وأكثر من 80% بين الاتحاد الأوروبي والبرازيل، وبالفعل تُعد دول “ميركوسور” ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في السلع؛ وتعزيز العلاقات باتفاقية التجارة الحرة على المستوى الاقتصادي يدعم المنافسة والمرونة للطرفين على النطاق العالمي، ولا يترك خياراتهما محدودة في عالم يتجه للحمائية على حساب التجارة الحرة العادلة.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
"حوار شانغريلا".. اتجاهات جديدة في حوكمة الأمن
تشو شيوان **
اختُتِمَتْ مؤخرًا أعمال الدورة الثالثة والعشرين من حوار شانغريلا في سنغافورة. وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وتزايد التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، شكّل هذا المنتدى مجددًا نافذة مهمة لمتابعة التحولات الجارية في المشهد الأمني لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ. ومن خلال النقاشات التي شهدها الحوار، يتضح أن الحفاظ على السلام والاستقرار وتعزيز الحوار والتعاون أصبحا مطلبًا مشتركًا لدول المنطقة، في حين تزداد مشاعر القلق والتحفظ تجاه محاولات تأجيج المواجهات ودفع المنطقة نحو الاستقطاب والتكتلات المتنافسة.
وتظل منطقة آسيا والمحيط الهادئ المحرك الأكثر حيوية للنمو الاقتصادي العالمي، كما أنها من أكثر مناطق العالم امتلاكًا لإمكانات التنمية، وبالنسبة لغالبية دول المنطقة فإن بيئة السلام والاستقرار ليست مجرد قضية أمنية، بل تشكل أساسًا لازدهار الاقتصاد وتحسين معيشة الشعوب، ومن هذا المنطلق تفضّل دول المنطقة معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، وتحقيق المصالح المشتركة من خلال الانفتاح والتعاون، بدلًا من الانجرار إلى صراعات جيوسياسية أو مواجهات ذات طبيعة صفرية خصوصًا وأننا بتنا كعالم أكثر إدراكًا بأن النزاعات والصراعات لن تأتي إلا بالخراب والدمار وهذا ما لا تريده دول هذه المنقطة.
وتشير الرسائل التي أفرزها حوار شانغريلا هذا العام إلى أن تعزيز الثقة الاستراتيجية وتطوير آليات الحوار وترسيخ التعاون المتبادل أصبحت تشكل قاسمًا مشتركًا بين العديد من الأطراف، وفي مواجهة بيئة دولية تتسم بالتعقيد وعدم اليقين باتت دول أكثر تدرك أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على حساب أمن الآخرين وهذه حقيقة يجب تعميمها على العالم بأكمله، كما لا يمكن ضمانه عبر الأحلاف المغلقة أو التكتلات العسكرية الإقصائية، فالأمن المشترك والتعاون المتبادل يظلان السبيل الأكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار الدائم.
وفي المقابل، لا تزال بعض الأطراف تسعى، تحت شعار "التعاون الأمني"، إلى تعزيز انتشارها العسكري وتوسيع قدراتها الدفاعية، فضلًا عن بناء دوائر وتحالفات مغلقة تعيد إنتاج منطق المنافسة الجيوسياسية، ومثل هذه السياسات لا تسهم في معالجة التحديات الأمنية القائمة، بل قد تؤدي إلى زيادة مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي، ورفع مستوى التوترات الإقليمية، وإشعال سباقات تسلح جديدة.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الإنجازات التنموية التي حققتها آسيا والمحيط الهادئ كانت ثمرة الانفتاح والشمولية، لا نتيجة الانقسام والمواجهة، وأن التعاون متبادل المنفعة كان دائمًا أكثر جدوى من منطق الغلبة والصراع. وإذا ما عادت عقلية الحرب الباردة إلى الواجهة، وتم توظيف القضايا الأمنية لإقامة الحواجز وتقسيم الدول إلى معسكرات متنافسة، فإن البيئة الإقليمية التي أسهمت في تحقيق عقود من التنمية والاستقرار قد تواجه تحديات جسيمة. كما أن كثيرًا من الدول المتوسطة والصغيرة لا ترى مصلحة لها في الانخراط في سياسة الاصطفاف، بل تعتبر الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية والاستقرار الإقليمي الخيار الأكثر انسجامًا مع مصالحها الوطنية.
وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تزداد الدعوات إلى بناء منظومة أمنية أكثر توازنًا وشمولًا واستدامة. ومع تداخل التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، وتزايد الترابط بين القضايا الإقليمية والعالمية، باتت مبادئ التعددية والحوار والتشاور والتنمية المشتركة تحظى بقبول أوسع على الساحة الدولية.
إن مستقبل آسيا والمحيط الهادئ لا ينبغي أن يُبنى على الانقسام والمواجهة، بل على التعاون والمنفعة المتبادلة وهذا ليس رأيي الشخصي فقط إنما هو قناعة متمسك بها وأريد تعميمها من خلال هذا المقال، ومهما شهد العالم من تغيرات فإن السلام والتنمية سيظلان الاتجاه العام للعصر، كما سيظل الانفتاح والتعاون الخيار الذي تتطلع إليه الشعوب. ومن خلال تبني مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، والعمل على بناء نظام أمني إقليمي ودولي أكثر عدالة وتوازنًا، يمكن تلبية التطلعات المشتركة لدول المنطقة والعالم نحو السلام والاستقرار والتنمية.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملها حوار شانغريلا هذا العام هي أن الحوار أكثر جدوى من المواجهة، وأن التعاون أكثر قدرة على صناعة المستقبل من الانقسام، فبقدر ما تتمسك الدول بالاحترام المتبادل والتشاور على قدم المساواة والتعاون القائم على المنفعة المشتركة، ستتمكن منطقة آسيا والمحيط الهادئ من مواصلة دورها كركيزة أساسية للاستقرار العالمي ومحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية الدولية، والصين تؤمن بهذه المفاهيم وتدعمها، ولهذا أردت التركيز في النهاية على نقطة جوهرية أن الحوار أفضل من المواجهة هي نقطة يجب أن تبقى هي الأساس في جميع الحوارات وحتى في الاختلافات والخلافات الدولية، فقبل أن تتحول الأزمات لصراعات لنأخذ طريق الحوار لأبد مدى فهما كان طويلًا إلا أنه أقل تكلفة وأقل تعقيدًا.
** إعلامي صيني
رابط مختصر