صراحة نيوز- د.منذر الحوارات

قد لا نكون أمام نهاية حرب، ولا أمام مبادرة سلام فقط، ولسنا أمام نزق سياسي فرضه مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ربما نكون أمام مشهد من مشاهد إعادة ترتيب العالم، بدءا من اعتقال مادورو، إلى رفع كلفة حلف شمال الأطلسي على الحلفاء، مروراً بمجلس السلام وغزة، وربما غرينلاند أو إيران لاحقاً، تتحرك واشنطن لأن النظام الذي صنعته بعد الحرب الباردة لم يعد يخدمها كما أرادت، ولأن العولمة التي بشّرت بها لم تعد تعمل لصالحها وحدها.

من هنا تبدأ الولايات المتحدة البحث عن صيغة جديدة للهيمنة، أقل كلفة وأكثر واقعية، وفي هذا السياق يمكن فهم مجلس السلام، وهو ما يحول غزة إلى سؤال مفتوح: هل هي ضحية نظام عالمي آفل، أم ساحة اختبار لنظام يُعاد تشكيله؟
بالرغم شيوع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة في طريقها إلى الأفول، وهو خطاب يملأ الفضاء الرقمي، فإن سلوكها خلال العام الأخير يشير إلى أنها تعيد تموضعها بشكل هجومي أكثر منه تعبيراً عن الانهيار، فالسعي لتثبيت النفوذ في غرينلاند، الغنية بالمعادن والمتحكمة بالممر نحو القطب الشمالي، يهدف إلى منع التمدد الصيني والروسي، وهو سلوك لا ينطبق على إمبراطورية منهارة، وينسحب ذلك على فنزويلا في إطار استعادة السيطرة على نصف الكرة الغربي، كما أن إعادة تسعير العلاقة مع أوروبا والناتو ليست تخلياً عن التحالف، بل إعادة توزيع للأعباء.
ما تقوم به واشنطن يمكن قراءته كهجمة مرتدة لإعادة بناء السيادة الأميركية عبر الجغرافيا والاقتصاد والأمن، لا عبر خطاب النظام الدولي التقليدي، بما يؤكد أنها لا تنسحب من العالم، بل تعيد دخوله بشروط مختلفة، وهذا لا يمثل تخلي عن الناتو، ولا عن نقاط التموضع الأخرى، بل إعادة صياغته بشكل مختلف، هذا التحول سببه أن العولمة التي قادتها الولايات المتحدة أفادت الصين، التي تحولت إلى مصنع العالم، أكثر مما أفادت واشنطن نفسها، ما أعاد الأخيرة إلى أولوية السيادة الاقتصادية عبر التركيز على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية وسلاسل الإمداد.
في هذا الإطار يظهر مجلس السلام، كمقدمة لإنشاء تحالفات دولية خارج البيروقراطية الأممية، رغم استناده الشكلي إلى شرعيتها، الخشية هنا أن تتحول مهمة المجلس من معالجة جذور الأزمة إلى إدارتها، بما يفرض الاستقرار على حساب العدالة، هذا يضع غزة في سياق فكرة «مدن الحرية» التي طرحها الاقتصادي بول رومر عام 2009، حيث تُدار المدن كما تُدار الشركات بعيداً عن الدولة ذات السيادة، وهو نموذج طُبّق في مدينة شينزين الصينية، ووفق هذا المنطق، يُطرح لغزة نموذج حوكمة تكنوقراطية لإعادة الإعمار ضمن نظام أمني خاص، بإشراف مجلس أمناء هو مجلس السلام، أي نموذج مدينة ذات قوانين استثنائية.
الخطر في هذا المسار أنه يحوّل غزة من قضية سياسية إلى مشروع إدارة، ومن شعب يطالب بحقوقه الوطنية إلى شعب يُظن أن مشكلاته تُحل بالخدمات، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذه مرحلة انتقالية نحو الدولة أم بديل عنها؟ نعم، يمكن أن يؤدي هذا المسار إلى تصفية القضية الفلسطينية إذا فُصلت غزة عن الضفة سياسياً، وجُمّد الحديث عن الدولة، ورُبط الإعمار بنزع السلاح دون أفق سياسي، وتعامل مع الاحتلال كملف أمني لا قضية سياسية، لكن هذا ليس قدراً محتوماً، بل مسار قابل للمقاومة والتعديل، وهو ما قد يفسر دخول بعض الدول العربية في مجلس السلام، هذا الدخول لا يمكن قراءته بالتخوين أو التسطيح والتبسيط، فالكثير من الدول العربية ترى أن الحل هو حقوقي سياسي، لا يُغلق بالاقتصاد والإدارة.
من هنا، دخلت بعض الدول خشية ترك غزة تُدار دون حضور عربي، وفي محاولة لمنع خصخصة غزة والقضية الفلسطينية، والتأثير في شكل إدارتها، وضمان دخول المساعدات، بينما دخلت دول أخرى لإدارة علاقتها مع واشنطن، سواء لتخفيف كلفة الصدام أو للحفاظ على دور إقليمي.
هكذا يمكن القول إن بعض الدول العربية دخلت مكرهة، فيما دخلت أخرى محاولة أن تكون صمام أمان لمنع تصفية القضية الفلسطينية، عبر الحفاظ على وحدة غزة والضفة، وربط إدارة غزة بمرجعية سياسية واضحة، وتحديد سقف زمني للحكم الانتقالي، ورفض تحويل الإعمار إلى بديل عن الحقوق السياسية.
كل ذلك يضع غزة ضمن مشروع أمريكي أوسع، تتراوح فيه السيناريوهات بين أن تكون منطقة تُدار دولياً خارج السياسة، أو مختبراً جيوسياسياّ، أو واجهة لتحالف أميركي–دولي جديد يقوم على إدارة النفوذ لا السلام.
غزة اليوم ليست فقط تحت الأنقاض، بل تحت الاختبار: اختبار للنظام العالمي، وللدور العربي، وللقدرة على حماية السياسة والحقوق من الذوبان في الإدارة، فإذا جرى تحويلها إلى نموذج «مدينة بلا دولة»، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيعود أكثر قسوة وتعقيداً، لأن الشعب الفلسطيني، ببساطة، لا ينوي الاستسلام.

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام مجلس السلام

إقرأ أيضاً:

“تريندز جلوبال» ومجلس شباب تريندز ينظّمان حلقة نقاشية شبابية

 

 

 

أبوظبي – الوطن:

 

ضمن فعاليات معرض وارسو الدولي للكتاب 2026، نظّم «تريندز جلوبال» بالتعاون مع مجلس شباب تريندز حلقة نقاشية شبابية بعنوان «صناعة الغد.. أصوات شبابية وتأثير عالمي»، وذلك في القاعة الرئيسية لجناح تريندز رقم 6D3، بمشاركة نخبة من الرواد والباحثين الشباب من بولندا و”تريندز”.

وشكّلت الحلقة منصة حوارية ثرية لتبادل الأفكار والرؤى حول الخطاب العام والحوار بين الثقافات، واستكشاف دور الشباب في قيادة التحولات العالمية وصناعة المستقبل، حيث ناقش المشاركون قضايا الذكاء الاصطناعي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والاستقطاب الرقمي، إلى جانب المتغيرات الدولية المتسارعة وانعكاساتها على الأجيال الشابة.

شارك في الحلقة نخبة من القادة والباحثين الشباب من بولندا و”تريندز”. ومثّل الجانب البولندي كل من كاميل تومكوفيتش، رئيس مؤسسة مستقبلنا، وآنا ليبتيس، الشريك المؤسس وعضو مجلس الإدارة في مؤسسة التفكير الشبابي، وماجدالينا بليسكوش، الشريك المؤسس لمؤسسة الجسر الأوسط. ومثّل “تريندز” الباحثون فاطمة الرميثي، ولطيفة الجنيبي، وموزة المهيري، وهزاع الحمادي، وراشد الشامسي، وعبيد الكعبي.

وكشفت النقاشات عن تقارب لافت في رؤى الشباب من الجانبين تجاه العديد من التحديات العالمية، رغم اختلاف السياقات الثقافية والجغرافية، حيث برز توافق واضح حول أهمية التعامل الواعي مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، باعتبارهما من أكثر القضايا تأثيراً في حاضر الشباب ومستقبلهم.

واستحوذ تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الخطاب العام على جانب مهم من الحوار، حيث أكد المشاركون أن الاستقطاب الرقمي بات من أبرز التحديات التي تواجه الشباب عالمياً، مشيرين إلى أن الاستخدام المسؤول لهذه المنصات وتجاوز الفقاعات المعلوماتية يمثلان مسؤولية مشتركة تتطلب وعياً نقدياً ومهارات معرفية متقدمة.

كما شكّل الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في النقاش، إذ تباينت الآراء بين من يراه فرصةً لتعزيز الإبداع وتوسيع دائرة التأثير المجتمعي للشباب، ومن حذّر من تداعياته المحتملة على سوق العمل والهوية الثقافية. وخلص المشاركون إلى أن الاستفادة المثلى من هذه التقنية تستوجب تأهيلاً معرفياً وأخلاقياً متكاملاً، يواكب التطورات المتسارعة ويضمن توظيفها بصورة مسؤولة.

وشدد المتحاورون على أن الحوار بين الثقافات لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة إستراتيجية في عالم تتشابك فيه التحديات وتتقاطع المصالح، مؤكدين أن مثل هذه اللقاءات تسهم في تصحيح الصور النمطية وتعزيز الفهم المتبادل وبناء جسور التواصل بين الشعوب، خصوصاً بين الشباب.

وأجمع المشاركون على أهمية تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر دور الشباب في أنهم «قادة المستقبل»، والتعامل معهم بوصفهم شركاء فاعلين في الحاضر، وقادرين على الإسهام في صياغة السياسات وصناعة الحلول للتحديات الراهنة، مستعرضين نماذج وتجارب عملية من مؤسسات بحثية وريادية ومجتمعية في البلدين.

وفي ختام الحلقة، أعرب المشاركون عن تطلعهم إلى تحويل هذه اللقاءات من فعاليات موسمية إلى أطر تعاون مستدامة تجمع بين مراكز البحث والمؤسسات الشبابية من مختلف الدول، فيما أكد ممثلو “تريندز” التزام المجموعة بمواصلة بناء منصات حوارية ومعرفية تعزز التعاون البحثي الدولي وتسهم في إعداد جيل شبابي أكثر وعياً وتأثيراً وقدرة على الإسهام في صناعة المستقبل.

 


مقالات مشابهة

  • “تريندز جلوبال» ومجلس شباب تريندز ينظّمان حلقة نقاشية شبابية
  • مفاوضات القاهرة المرتقبة.. حماس تحمل مقترحات جديدة وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • البديوي: نرفض جميع إجراءات قوات الاحتلال الهادفة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني بمدينة القدس
  • وزير الشباب: الأردن وضع الشباب في قلب مسارات الإصلاح
  • حماس: اتهامنا برفض تسليم إدارة غزة أكاذيب
  • “حماس”: الحديث عن رفض الحركة تسليم الحكم في غزة أكاذيب مضللة والعدو الإسرائيلي وميلادينوف هما العقبة
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال
  • زعيمة المعارضة التايوانية تسعى لكسب ثقة واشنطن وسط جدل بشأن الصين والإنفاق الدفاعي