غزة ومجلس السلام: جزء من حل.. أم أحد مسارات التغيير العالمي؟
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
صراحة نيوز- د.منذر الحوارات
قد لا نكون أمام نهاية حرب، ولا أمام مبادرة سلام فقط، ولسنا أمام نزق سياسي فرضه مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ربما نكون أمام مشهد من مشاهد إعادة ترتيب العالم، بدءا من اعتقال مادورو، إلى رفع كلفة حلف شمال الأطلسي على الحلفاء، مروراً بمجلس السلام وغزة، وربما غرينلاند أو إيران لاحقاً، تتحرك واشنطن لأن النظام الذي صنعته بعد الحرب الباردة لم يعد يخدمها كما أرادت، ولأن العولمة التي بشّرت بها لم تعد تعمل لصالحها وحدها.
من هنا تبدأ الولايات المتحدة البحث عن صيغة جديدة للهيمنة، أقل كلفة وأكثر واقعية، وفي هذا السياق يمكن فهم مجلس السلام، وهو ما يحول غزة إلى سؤال مفتوح: هل هي ضحية نظام عالمي آفل، أم ساحة اختبار لنظام يُعاد تشكيله؟
بالرغم شيوع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة في طريقها إلى الأفول، وهو خطاب يملأ الفضاء الرقمي، فإن سلوكها خلال العام الأخير يشير إلى أنها تعيد تموضعها بشكل هجومي أكثر منه تعبيراً عن الانهيار، فالسعي لتثبيت النفوذ في غرينلاند، الغنية بالمعادن والمتحكمة بالممر نحو القطب الشمالي، يهدف إلى منع التمدد الصيني والروسي، وهو سلوك لا ينطبق على إمبراطورية منهارة، وينسحب ذلك على فنزويلا في إطار استعادة السيطرة على نصف الكرة الغربي، كما أن إعادة تسعير العلاقة مع أوروبا والناتو ليست تخلياً عن التحالف، بل إعادة توزيع للأعباء.
ما تقوم به واشنطن يمكن قراءته كهجمة مرتدة لإعادة بناء السيادة الأميركية عبر الجغرافيا والاقتصاد والأمن، لا عبر خطاب النظام الدولي التقليدي، بما يؤكد أنها لا تنسحب من العالم، بل تعيد دخوله بشروط مختلفة، وهذا لا يمثل تخلي عن الناتو، ولا عن نقاط التموضع الأخرى، بل إعادة صياغته بشكل مختلف، هذا التحول سببه أن العولمة التي قادتها الولايات المتحدة أفادت الصين، التي تحولت إلى مصنع العالم، أكثر مما أفادت واشنطن نفسها، ما أعاد الأخيرة إلى أولوية السيادة الاقتصادية عبر التركيز على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية وسلاسل الإمداد.
في هذا الإطار يظهر مجلس السلام، كمقدمة لإنشاء تحالفات دولية خارج البيروقراطية الأممية، رغم استناده الشكلي إلى شرعيتها، الخشية هنا أن تتحول مهمة المجلس من معالجة جذور الأزمة إلى إدارتها، بما يفرض الاستقرار على حساب العدالة، هذا يضع غزة في سياق فكرة «مدن الحرية» التي طرحها الاقتصادي بول رومر عام 2009، حيث تُدار المدن كما تُدار الشركات بعيداً عن الدولة ذات السيادة، وهو نموذج طُبّق في مدينة شينزين الصينية، ووفق هذا المنطق، يُطرح لغزة نموذج حوكمة تكنوقراطية لإعادة الإعمار ضمن نظام أمني خاص، بإشراف مجلس أمناء هو مجلس السلام، أي نموذج مدينة ذات قوانين استثنائية.
الخطر في هذا المسار أنه يحوّل غزة من قضية سياسية إلى مشروع إدارة، ومن شعب يطالب بحقوقه الوطنية إلى شعب يُظن أن مشكلاته تُحل بالخدمات، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذه مرحلة انتقالية نحو الدولة أم بديل عنها؟ نعم، يمكن أن يؤدي هذا المسار إلى تصفية القضية الفلسطينية إذا فُصلت غزة عن الضفة سياسياً، وجُمّد الحديث عن الدولة، ورُبط الإعمار بنزع السلاح دون أفق سياسي، وتعامل مع الاحتلال كملف أمني لا قضية سياسية، لكن هذا ليس قدراً محتوماً، بل مسار قابل للمقاومة والتعديل، وهو ما قد يفسر دخول بعض الدول العربية في مجلس السلام، هذا الدخول لا يمكن قراءته بالتخوين أو التسطيح والتبسيط، فالكثير من الدول العربية ترى أن الحل هو حقوقي سياسي، لا يُغلق بالاقتصاد والإدارة.
من هنا، دخلت بعض الدول خشية ترك غزة تُدار دون حضور عربي، وفي محاولة لمنع خصخصة غزة والقضية الفلسطينية، والتأثير في شكل إدارتها، وضمان دخول المساعدات، بينما دخلت دول أخرى لإدارة علاقتها مع واشنطن، سواء لتخفيف كلفة الصدام أو للحفاظ على دور إقليمي.
هكذا يمكن القول إن بعض الدول العربية دخلت مكرهة، فيما دخلت أخرى محاولة أن تكون صمام أمان لمنع تصفية القضية الفلسطينية، عبر الحفاظ على وحدة غزة والضفة، وربط إدارة غزة بمرجعية سياسية واضحة، وتحديد سقف زمني للحكم الانتقالي، ورفض تحويل الإعمار إلى بديل عن الحقوق السياسية.
كل ذلك يضع غزة ضمن مشروع أمريكي أوسع، تتراوح فيه السيناريوهات بين أن تكون منطقة تُدار دولياً خارج السياسة، أو مختبراً جيوسياسياّ، أو واجهة لتحالف أميركي–دولي جديد يقوم على إدارة النفوذ لا السلام.
غزة اليوم ليست فقط تحت الأنقاض، بل تحت الاختبار: اختبار للنظام العالمي، وللدور العربي، وللقدرة على حماية السياسة والحقوق من الذوبان في الإدارة، فإذا جرى تحويلها إلى نموذج «مدينة بلا دولة»، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيعود أكثر قسوة وتعقيداً، لأن الشعب الفلسطيني، ببساطة، لا ينوي الاستسلام.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام مجلس السلام
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.