لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في مدرسة الوحدة بكُدمة جبارة بمديرية الزهرة شمال محافظة الحديدة، سوى أن نهايته كانت فاجعة. أثناء مراجعته الدروس مع طلابه استعدادًا للاختبارات، سقط الأستاذ يوسف محمد جبارة، وكيل المدرسة، مغشيًا عليه داخل الفصل، قبل أن يفارق الحياة إثر جلطة قلبية مفاجئة، في مشهد صادم أعاد تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي يعيشها المعلمون والمعلمات في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، نتيجة نهب المرتبات والضغوط النفسية والانتهاكات المتواصلة.

وقالت مصادر محلية إن الأستاذ جبارة توفي أثناء تأدية عمله، في ثاني حادثة وفاة لمعلم داخل المدرسة خلال أقل من أسبوعين، مؤكدة أن محاولات إسعافه باءت بالفشل، بينما خيّم الذهول والحزن على طلابه وزملائه. وأوضحت المصادر أن المعلم الراحل كان قد تلقى مؤخرًا خبر إدراجه ضمن ما يسمى بـ"قوائم الفائض – الفئة (ج)"، وفق سياسة التصنيف التي أقرتها سلطة صنعاء، وهو قرار حرمَه من معظم مستحقاته المالية، ولم يعد يتلقى سوى ربع راتب كل ثلاثة أشهر، بعد أن كان نصف الراتب يُصرف له بشكل متقطع.

وأضافت أن هذا القرار تسبب له بضغوط نفسية ومعيشية كبيرة، في ظل عجزه عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية، وهو ما يرجح أن الصدمة النفسية كانت عاملًا مباشرًا في تدهور حالته الصحية ووفاته المفاجئة.

وتواصل ميليشيا الحوثي تنفيذ عملية تسريح جماعي غير معلنة لآلاف المعلمين وموظفي قطاع التربية والتعليم، عبر تصنيف الكوادر إلى ثلاث فئات (أ، ب، ج)، حيث يجري تهميش الفئة (ج) تدريجيًا وإقصاؤها وظيفيًا وماليًا، في وقت يعيش فيه المعلمون أوضاعًا معيشية هي الأسوأ منذ عقود، دون أي ضمانات أو حلول.

إنهاك المعلم وإنكساره في المجتمع

ويقول التربوي محمد دغشر إن المعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون ما وصفه بـ"الشيخوخة المبكرة"، مؤكدًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بتأخر أو انعدام الراتب، بل تمتد إلى تراجع مكانة المعلم وانكسار هيبته الاجتماعية نتيجة السياسات المالية والممارسات التي تُمارس بحقه.

وأوضح دغشر أن المعلم يعيش تحت ضغط دائم ناتج عن العجز عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية، معتبرًا أن إبقاء من يعلّم الأجيال في دائرة العوز يمثل "جريمة صامتة" تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التعليم. وأضاف أن المفارقة المؤلمة تكمن في رؤية المعلم لطلابه بعد سنوات وقد تحسنت أوضاعهم المعيشية، بينما يظل هو مثقلًا بالأعباء، يتجنب حتى طلب المساعدة حفاظًا على كرامته.

وأكد أن الخطر الأكبر لا يكمن في تأخر الراتب وحده، بل في الرسالة السلبية التي يتلقاها الأطفال عندما يرون معلمهم عاجزًا عن توفير الدواء أو الإيجار، ما يرسخ لديهم قناعة خطيرة بأن العلم لا يحمي صاحبه ولا يضمن له حياة كريمة، مشددًا على أن المعلم هو اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وأن إضعافه يفتح الباب لانهيار منظومة القيم والتعليم معًا.

مطالب تتجاهلها السلطة

من جهته، حذّر صالح أحمد الضبياني، رئيس لجنة متابعة حقوق التربويين، من استمرار ما وصفه بـ"الاستهتار" بحقوق المعلمين المصنفين ضمن الفئة (ج)، منتقدًا الآلية المعتمدة لتصحيح أوضاعهم، والتي تقوم على مبدأ "الاستبدال" بدلًا من إنصاف المظلومين عبر الجهات المختصة.

وأوضح الضبياني أن التربوي الذي يسعى لتصحيح وضعه ونقله من (ج) إلى (ب) يُطلب منه العودة إلى مكتب التربية في مديريته لتقديم مذكرة تمنحه بديلًا من "المنقطعين"، ليُنقل المنقطع إلى (ج) ويحصل هو على (ب)، معتبرًا أن هذا الإجراء يُحمّل الضحية مسؤولية خطأ لم ترتكبه، رغم أنه مستمر في عمله ومثبت ضمن الإقرارات الرسمية.

وأشار إلى مصير عدد من المستشارين والقيادات التربوية والمرضى المصنفين ضمن الفئة (ج)، الذين جرى إقصاؤهم من أعمالهم دون مهام بديلة، رغم سنوات طويلة من الخدمة، لافتًا إلى استقطاع نصف مرتب نوفمبر للإداريين والمفتشين والموجهين المصنفين (ب) وتحويله إلى ربع مرتب لم يُصرف حتى اليوم، متسائلًا عن مصير مستحقاتهم اللاحقة، وداعيًا إلى إعادة هيكلة لجنة متابعة الحقوق، وإلزام نقابات التعليم بأداء دورها، وتفعيل الضغط الإعلامي والمجتمعي.

انتهاك صريح للحقوق وتكريس للتمييز

بدوره، اعتبر الناشط التربوي محسن الدار أن آلية صرف المرتبات التي تعتمدها سلطة الحوثي في صنعاء تمثل انتهاكًا واضحًا لحق الموظف وأسرته في العيش الكريم، وتسهم في تكريس التمييز الوظيفي والاجتماعي. وأوضح أن تقسيم الموظفين إلى فئات (أ، ب، ج) ترتب عليه حرمان فئة واسعة من صرف نصف الراتب الشهري دون سند قانوني، مؤكدًا أن القرار صدر بقرار إداري من وزير المالية في حكومة الحوثيين، وليس بقانون صادر عن جهة تشريعية.

وأشار الدار إلى أن المبررات الرسمية لهذا الاستثناء تغيّرت أكثر من مرة، من الادعاء بامتلاك بعض الجهات "مصادر ذاتية" إلى التذرع بـ"الموارد المتاحة"، معتبرًا أن هذه التبريرات غير صحيحة، خاصة وأن المستثنين يمثلون الغالبية العظمى من موظفي الدولة الذين يعيشون أوضاعًا معيشية شديدة القسوة. كما لفت إلى تسجيل متداول لممثل عن قطاع الإعلام وصف فيه الآلية بـ"العنصرية"، مطالبًا بالمساواة وصرف المرتبات دون تمييز والوفاء بالوعود السابقة.

وختم الدار بالتأكيد على أن الجوع لا يحتمل التأجيل، وأن مناهضة أسبابه واجب وطني وإنساني، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات لا يمسّ كرامة الموظفين فحسب، بل يهدد أمن المجتمع ومستقبل أجياله.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

إقرأ أيضاً:

الموت راحة.. صبري عبد المنعم يكشف عن تفاصيل معاناة سهام جلال

أكد الفنان صبري عبد المنعم أنه حزين على رحيل الفنانة سهام جلال، موضحًا أنه شاركها العمل في مسلسل هانم بنت باشا إلى جانب الفنانة حنان ترك وعدد من النجوم الآخرين.

من صعيدي في الجامعة الأمريكية لحدائق الشيطان.. محطات في مسيرة سهام جلال أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ

وأضاف عبد المنعم، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج :" قلبك مع جمال شعبان" تقديم الدكتور جمال شعبان العميد السابق لمعهد القلب القومي، أنه عمل مع الفنانة سهام جلال، وكانت تجسد دور ابنته في المسلسل، مؤكدًا أنها كانت فنانة متميزة وتؤدي المطلوب منها بإتقان.

وأوضح أنه لم يرَ منها إلا كل خير، وأنه كان على تواصل هاتفي معها ويتابع أحوالها ويعلم ما كانت تعانيه، إلا أن مرضه خلال الفترة الأخيرة أدى إلى انقطاع التواصل بينهما.

ولفت إلى أن الراحلة انتقلت إلى رحمة الله وهي في مكان أفضل، مشيرًا إلى أنها عانت قبل وفاتها من بعض المشكلات، وكانت تبحث عن فرصة عمل، كما كانت تنشط عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي وتنشر مقاطع فيديو على تطبيق «تيك توك».

الموت راحة للإنسان

وأشار إلى أن الموت راحة للإنسان من معاناته، وأن سهام جلال ارتاحت مما كانت تعانيه، مؤكدًا أن ما مرت به أصابه بحزن شديد، خاصة مع تعرضها لأمراض ومشكلات صحية لم يكن يتوقعها.

سيطرت حالة من الحزن على الوسط الفني ورواد مواقع التواصل الاجتماعي عقب الإعلان عن وفاة الفنانة سهام جلال، حيث تصدر اسمها محركات البحث خلال الساعات الماضية، خاصة بعد تداول آخر رسالة كتبتها قبل دخولها غرفة العمليات، والتي تحولت إلى كلمات مؤثرة أثارت تعاطف محبيها وزملائها.

وكانت سهام جلال قد نشرت عبر خاصية "الستوري" عبر حساباتها الرسمية، رسالة قصيرة طلبت خلالها الدعاء لها قبل إجراء عملية جراحية، إذ كتبت: "اللهم أنزل شفاءك لمن مسه الضر، اللهم اشفِ وعافِ كل مريض يتألم.. أنا داخلة أعمل عملية دلوقتي، أسألكم الدعاء"، وبعد ساعات قليلة من نشر تلك الكلمات، جاء خبر وفاتها ليترك صدمة كبيرة لدى جمهورها.

وأعلن الفنان تامر عبد المنعم نبأ الوفاة عبر حسابه على موقع "فيسبوك"، حيث نعى الفنانة الراحلة بكلمات مؤثرة، معبرًا عن حزنه لرحيلها، ومقدمًا التعازي لأسرتها ومحبيها.

وخلال مسيرتها الفنية، استطاعت سهام جلال أن تترك بصمة مميزة من خلال مشاركتها في عدد من الأعمال السينمائية والدرامية التي حققت انتشارًا واسعًا، وكانت بدايتها في عالم الأضواء من خلال الإعلانات التجارية قبل أن تتجه إلى التمثيل، لتشارك لاحقًا في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية الذي شكّل نقطة انطلاق مهمة للعديد من نجوم جيلها.

كما شاركت في أعمال سينمائية أخرى من بينها فيلم ثقافي وحرب إيطاليا، إلى جانب حضورها اللافت في الدراما التلفزيونية، خاصة من خلال مسلسل حدائق الشيطان وعدد من الأعمال التي عززت مكانتها لدى الجمهور.

 

 

مقالات مشابهة

  • الموت راحة.. صبري عبد المنعم يكشف عن تفاصيل معاناة سهام جلال
  • رئيس جامعة طنطا يجري جولة تفقدية لمتابعة سير امتحانات الفصل الدراسي الثاني
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بعد رحيل سهام جلال.. عبير صبري: إلى متى يدفع الفنانون ثمن التهميش؟
  • رئيس جامعة المنوفية يتفقد لجان امتحانات الفصل الدراسي الثاني بكلية الطب
  • أكاديمية الملكة رانيا ووزارة التربية تتابعان أثر برنامج التنمية المهنية لمعلمات رياض الأطفال
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • بعد اتفاق الضاحية.. لبنان يدفع نحو تثبيت الهدوء على كامل أراضيه
  • رئيس جامعة كفر الشيخ يتابع امتحانات الفصل الدراسي الثاني بالجامعة الأهلية ويؤكد الالتزام بأعلى معايير الجودة الأكاديمية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش