الجزيرة:
2026-06-03@01:28:26 GMT

عندما يُصاب العالم بانفصام الشخصية وانعدام التوازن

تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT

عندما يُصاب العالم بانفصام الشخصية وانعدام التوازن

لا يكترث فاقد البصر (الكفيف) كثيرا لتحديد ماهية الألوان، ولا يهتم أيضا لمعرفة تدرجاتها الجوهرية ولا انطباعات النظر إليها. ليس الأبيض أو الأسود شيئين مغايرين أو مختلفين أو متجانسين أو مطابقين. إنه إدراك نقلي- قد يكون محسوسا افتراضيا- ذو تكوينات ذهنية لا يدركها الآخر ذو البصر.

الأول أكثر انسجاما في تجانس شخصيته من انفصامها، وتعدد طبقات تناقضها لاتساع حدود مخيلاته التي تطغى على مادية الأشياء المحسوسة، عوضا عن اليقين عند الثاني.

في حين أن الإنسان يختلي في نفسه البشرية إلى تناقضات وجودية، تزاوج بين الواقعية والخيال، وبين الرؤية الذاتية وبين العقل الباطن، وبين القدرة وبين المستطاع.

تثقله الضوابط الاجتماعية بأكوام من التراكم المعرفي، وتوارد العادات والتقاليد، والأداء السلوكي، وتبني في داخله مكونات اعتقادية تقهر انسيابه النفسي وتقمع ميوله الشخصية، تجعله أسير الانضباط الذاتي والنفس المقموعة. تتجلى بالانفصام في شخصيته وكبح انفعالاته، ترده عما يصبو إليه أو يسعى، وتمنعه، كأنه أسير لذاته لا لنفسه، وأسير لمجتمعات شديدة الاختلاف والتقلب والتغير بشكل لا استقرار فيه.

هذا الفرد القلق الهائم المقيد لا يستطيع أن يكون حرا سيدا، غير منساق إلى عقد الاحتياج والتذلل والتمسكن والمواربة والمداراة والمراهنة، وهو منزول به إلى حوض التنازلات البشرية، ولا يقدر أن يدرك طبيعة ذاته الحقيقية.

الإنسان تطور من فرديته كائنا واحدا وشخصا أحدا وترا، وتخلى عن مقدار نواته إلى الاندماج في الكائن الأكبر، المجتمع، الذي أعاد إنتاجه على مقياس أحجام الظاهر والباطن. تأسره القوة وتغريه قبل أن تعزله وتزول مع الوقت وتضمحل، ويوهنه الضعف الذي يتعاظم ويبقى، ويزيله.

في العالم هناك "ديوجين" واحد فقط أراد أن لا يبعد "الإسكندر" عنه الشمس أو يحجبها، فانزوى في جرة استعبدته واحتوته لأنه يريد أن يبقى وحيدا، تشغله قيود البقاء حرا.
لم يسعَ إلى شيء مثل فانوسه الخالد في وضح النهار. ظن أنه عاش كبرياءه في رحم اللاحاجة، ولكنه أنهى عمره متسكعا على باب اللاشيء.

إعلان

هناك ملايين الإسكندر، وديوجين واحد.

ودونالد ترمب، الرئيس الأمريكي اليوم، لم يعثر على "ديوجينه" ليسمع منه القول الشهير: "تذكر أنك إنسان". ينظر إلى قيادة العالم بمواصفات الزعامة السوفياتية الحادة، على وقع أداء "المستر بين" في مسرحية عالمية، وكأنه مزج إغريقي في مأساة هزلية بين الدموع والدماء، والتفلت والضحك في حفر المقابر.

هذا الانفصام ليس ساكنا شخصية الفرد الواحد الأحد، إنه أكثر وضوحا وتجردا في الأمم والمجتمعات والأديان والدول ذات التسميات البراقة.
"الدول الديمقراطية"، الموغلة في تقديس حقوق الإنسان والفرد والاعتقاد، هي إياها الدول الأكثر صناعة لتجارة الموت والقهر والعدوان، وصناعة السلاح وإشعال الحروب من أجل السيطرة والغلبة.

هي ذاتها الدول التي تنتج الأسلحة التي تعتبر التجارة الأكبر حجما والأكثر انتشارا في العالم، وهي الدول عينها التي تحتكر صناعة الحياة -الدواء- الأكثر احتياجا، وتتحكم بمنحه أو إحجامه.

نعم، إننا نعيش على وقع النتائج العميقة للحرب العالمية الثانية وتداعياتها الكبرى، لكن من دون احتراز لمآسيها التي عقلنتها عقود فائتة من الانصياع إلى شهوة الحروب القاتلة.

الدول الغالبة تحمل ضدها، وانفصامها، وعمق انشطارها في التناقض بين المثالية الفكرية في رفعها الشعارات الآسرة الحميدة، وميولها الانحرافية نحو السيطرة والسطوة القاسرة.

العالم منظومة معقدة من التناقض، في توهم المفاهيم والقيم والمبادئ والأخلاقيات، وفي تعمد الممارسات القاتلة والخاطئة التي تعود في أساليبها ومنهجياتها إلى العالم القديم، بل إلى ما قبله. إنه انعدام الوزن الدولي، أو الأصح انعدام التوازن الدولي ذي الأقطاب المتوارية.

العالم، يعتقد أنه مجتمع إنساني حديث: إنسان حر وسعيد كفرد، وشرعة حقوق الإنسان، والأمن والسلام الدوليان، واتفاقيات الدبلوماسية والقنصلية، وتجارات عالمية كجماعات؛ ولكنه، واقعا، غارق بالقتل الجماعي، وبأسلحة الدمار الشامل، والسيطرة، والتوسع المفرط في فرض القيود والأنظمة. مكاييله متعددة متنوعة من العنف والقهر، بينما كانت في العصور الوسطى تقتصر على مكيالين اثنين: واحد من الذهب، وآخر من الفضة.

خريطة العالم ذات أشكال عسكرية، ونزاعات حربية، وبؤر قلاقل وفتن. بوارجه وسفنه وطائراته ومعداته الحربية أكثر عددا وحضورا من بواخره وطائراته وأشيائه المدنية. لو استثمرت هذه الإمكانيات ومقدراتها في القضايا الإنسانية المزعومة في لغات التكاذب، لكان كل فرد من أفراده (العالم) على الكرة الأرضية لديه فرص عمله، وكفاف يومه، وضمان صحته، ومدارج تعلمه.

هذا العالم غارق في التخبط بالشيء وضده. الإنسان قاتل نفسه، يبكي على ذاته ويضحك عليها في آن. هابيل لم يقتله قابيل فحسب، بل رأى سوأته فيه، وهذا ما دفع مونتسكيو ليبني نظريته التشاؤمية الأولى قبل كتابه "روح القوانين" وقاعدة "فصل السلطات"، إذ قال: "يجب أن نبكي عندما يولد الناس، لا عندما يموتون".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية

يتميز مولود برج الأسد بالشخصية القوية والثقة الكبيرة بالنفس، كما يعرف بحبه للنجاح والظهور وقدرته على جذب انتباه من حوله، ويميل دائمًا إلى تحمل المسؤولية والسعي لتحقيق أهدافه بحماس وإصرار.

وإليك توقعات برج الأسد وحظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026 على المستوى العاطفي والصحي والمهني خلال السطور التالية.

برج السرطان.. حظك اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026: هدوء عاطفيبرج السرطان حظك اليوم السبت 30 مايو 2026.. استقرار عاطفي وفرص مهنية جديدةتوقعات برج الأسد وحظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026

إنه يومٌ مثالي للإبداع والطموح والقيادة والتعبير عن نفسك بصراحة ودون تردد قد تشعر بحافز أكبر لاتخاذ خطوات جريئة نحو تحقيق أهدافك الشخصية أو المهنية التي كانت تراودك. في الوقت نفسه، ستكون طاقتك العاطفية جذابة ومعبرة، مما يساعدك على التواصل مع الآخرين بشكل طبيعي. يدعم هذا اليوم الظهور والثقة بالنفس والثقة بحدسك بشكل أعمق.  

توقعات برج الأسد صحيا

 قد تشعر اليوم بنشاط أكبر مع ازدياد ثقتك بنفسك وحماسك. مع ذلك، قد يُرهقك الإفراط في التحفيز الذهني أو النشاط المستمر لاحقًا خلال اليوم، لذا، يُنصح بالراحة الكافية والهدوء العاطفي للحفاظ على توازنك النفسي الليلة.

توقعات برج الأسد عاطفيا

بالنسبة للعزاب، قد يلفت انتباهكم سريعاً الانجذاب أو المغازلة أو حتى محادثة رومانسية غير متوقعة، قد يلاحظ من هم في علاقات عاطفية عودة التقارب العاطفي القوي، والطاقة المرحة، أو التواصل الأكثر ثقة إلى العلاقة. يبدو الحب اليوم أكثر دفئًا وإشراقًا، وأسهل في التعبير عنه..

برج الأسد اليوم مهنيا

قد تجذب الأنظار بثقتك بنفسك، أو أفكارك، أو مهاراتك التواصلية يدعم هذا اليوم بقوة بناء العلاقات، وإجراء المقابلات، وتقديم العروض، وإنشاء المحتوى، والقيادة، أو اتخاذ خطوات مهنية هامة، قد يلاحظ الآخرون بشكل طبيعي طموحك ووضوح رؤيتك الآن

توقعات برج الأسد الفترة المقبلة

يشجع اليوم على التخطيط الدقيق والتوازن العاطفي فيما يتعلق بالأمور المالية. قد تشعر بمزيد من التركيز على الادخار، وبناء الأمان، وتحسين الاستقرار تدريجيًا. تجنب مقارنة وضعك المالي بالآخرين، لأن مسارك يسير بالوتيرة المناسبة. 

طباعة شارك برج الاسد حظك اليوم توقعات الابراج الاسد اليوم توقعات برج الاسد

مقالات مشابهة

  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • الهاتريك في كأس العالم.. قائمة أكثر اللاعبين تسجيلًا للثلاثيات
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • الهند تنقل تمثال ميسي إلى مكان أكثر أمانا.. ماذا وقع؟
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • اختلالات تهدد استدامة التجارة بين أوروبا والصين.. خبير يطالب بإعادة التوازن
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟