لم يعد التعليم الجامعي في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية قادرًا على الاستمرار بالاعتماد على التمويل الحكومي وحده، في ظل تصاعد كلفة التعليم وتزايد متطلبات البحث العلمي وتسارع التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة. من هنا، برز وقف الجامعات بوصفه إحدى أهم الأدوات الاستراتيجية لتحقيق الاستدامة المالية وضمان جودة التعليم، وهو ما جعله في صدارة النقاشات العالمية حول مستقبل الجامعات ودورها التنموي.
وفقًا لبيانات المركز الوطني لإحصاءات التعليم في الولايات المتحدة (2023) المتعلقة بتمويل الجامعات الأمريكية، يتضح أن 28% من تمويل الجامعات يأتي من حكومات الولايات و21% من الرسوم الدراسية، في حين لا تتجاوز نسبة 13% من مصادر التمويل الخاصة، مثل التبرعات والاستثمارات والأوقاف، بينما تغطي النسبة المتبقية الحكومة الفيدرالية والخدمات، وتشير البيانات إلى أن إجمالي إيرادات الكليات والجامعات الحكومية الأمريكية بلغ نحو 392 مليار دولار أمريكي في عام 2023، موزعة على هذه القنوات التمويلية المتعددة.
وتكشف هذه المؤشرات بوضوح أن الجامعات الرائدة عالميًا تعتمد على تنويع مصادر الدخل بوصفه شرطًا أساسيًا للاستدامة، وأن الأوقاف الجامعية لم تعد نشاطًا خيريًا تقليديًا، بل تحولت إلى أداة استثمار معرفي تشكّل العمود الفقري للاستقلال المالي والقدرة على التخطيط طويل المدى، وهو ما يضع الوقف الجامعي في جوهر النقاش حول استدامة التعليم الجامعي وجودته.
ويجسّد هذا التوجّه عدد من الجامعات الوقفية الرائدة عالميًا، حيث بلغ حجم الوقف الجامعي لجامعة هارفارد 53.2 مليار دولار وفقًا لبيانات الجامعة في 2024، يُساعد في تمويل المنح الدراسية والبحث العلمي وضمان الاستقرار المالي طويل الأجل، كما بلغ حجم الوقف الجامعي لجامعة ستانفورد 40.8 مليار دولار في 2025، بحسب بيانات الجامعة، وهو ما وفّر قاعدة تمويلية مستدامة دعمت البحث التطبيقي والابتكار وريادة الأعمال المرتبطة باقتصاد وادي السيليكون.
وتبرز كذلك جامعة ييل بوقف جامعي بلغ 41.4 مليار دولار في 2024، وفقًا للتقرير المالي للجامعة، وهو ما وفّر قاعدة تمويلية مستقرة دعمت جودة التعليم واستدامة البرامج الأكاديمية. وتؤكد هذه النماذج أن الوقف الجامعي يشكّل رافعة استراتيجية للاستقلال المالي وجودة التعليم ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة.
على المستوى الخليجي، تبرز تجربة جامعة الملك سعود بوصفها من أوائل التجارب الوقفية الجامعية المؤسسية الحديثة في المملكة العربية السعودية، إذ يعمل الوقف في إطار مؤسسة وقفية مستقلة تُعزز البحث العلمي وتمويل الكراسي العلمية وتوفير المنح الدراسية، وتنسجم هذه التجربة مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي تهدف إلى تنويع مصادر التمويل وتعزيز دور الجامعات في الاقتصاد المعرفي، بما يعكس انتقالًا متدرجًا من الاعتماد على التمويل الحكومي إلى نماذج أكثر استدامة وتنوّعًا في مصادر الدخل.
وفي السياق العُماني، أرست رؤية عُمان 2040 المرتكزات التي يقوم عليها الوقف الجامعي، إذ أكدت الرؤية، ضمن محور الإنسان والمجتمع وأولوية التعليم والتعلّم والبحث العلمي والقدرات الوطنية، على ضرورة تنويع مصادر تمويل التعليم والبحث العلمي.
كما تتمثل هذه الأولوية في توجه استراتيجي يقوم على تعليم شامل وتعلّم مستدام وبحث علمي يقود إلى مجتمع معرفي وقدرات وطنية منافسة، بما يهدف إلى إيجاد مصادر تمويل متنوعة ومستدامة للتعليم والبحث العلمي والابتكار وتعزيز الشراكة المجتمعية وتمكين مؤسسات المجتمع المدني.
وتنسجم هذه التوجهات مع فلسفة الوقف الجامعي، الذي يربط المجتمع بالمؤسسة التعليمية كشريك في التمويل والتنمية لا كمستفيد فقط، ويخفف في الوقت نفسه العبء عن الموازنة العامة للدولة، بما ينسجم مع التوجه الاستراتيجي لأولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية في رؤية عُمان 2040، والمتمثل في تحقيق اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والتقنية والابتكار وقادر على استيعاب الثورات الصناعية والمنافسة إقليميًا ودوليًا.
فقد شكلت خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 - 2025)، بوصفها أولى الخطط التنفيذية لـرؤية عُمان 2040، مرحلةً مهمة لهذا التحول؛ إذ ركزت على تعزيز دور المجتمع المدني والعمل الأهلي وتنويع أدوات التمويل المستدامة وتحسين كفاءة الإنفاق في القطاعات الاجتماعية، وفي مقدمتها قطاع التعليم.
كما تناولت الخطة الخمسية العاشرة الأوقاف ضمن سياسات التنمية الاجتماعية في محور الإنسان والمجتمع، وأكدت على أهمية تطوير إدارتها واستثمارها، لا سيما الأوقاف التعليمية، بوصفها أداة لدعم التعليم والبحث العلمي وتحقيق الاستدامة المالية للقطاع التعليمي. وبذلك، يبرز الوقف الجامعي كأداة تنفيذية لتحقيق أولوية التعليم والتعلّم والبحث العلمي والقدرات الوطنية، بما يُمكّن الجامعات والكليات من تحقيق الاستدامة المالية ويدعم بناء رأس المال البشري.
وفي هذا السياق، أُدرج برنامج تحفيز الجامعات الخاصة للتحول إلى جامعات وكليات وقفية/أهلية، بهدف تنويع مصادر تمويل التعليم والبحث العلمي والحد من الاعتماد على المنح الدراسية الحكومية. ويرتكز البرنامج على إمكانية تحول الجامعات والكليات إلى جامعات وقفية، أسوةً بالنماذج العالمية المرموقة.
وتتجسد أهمية الوقف الجامعي بصورة أكثر عملية في قدرته على تمويل الكراسي البحثية ودعم الطلبة غير القادرين وتمكين الجامعات من الاستثمار في الابتكار والتحول المعرفي، بما ينسجم مع برامج دعم البحث العلمي وتنويع مصادر التمويل. وبهذا، ينتقل الوقف الجامعي من كونه إطارًا نظريًا إلى أداة فاعلة من أدوات السياسات العامة القادرة على إحداث أثر طويل المدى في منظومة التعليم والاقتصاد الوطني.
في المجمل، يكتسب وقف الجامعات والكليات أهمية كبرى تستدعي الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، وبينما أثبتت الجامعات الدولية أن الوقف يشكّل مفتاحًا للاستقلال المالي والاستدامة، تمتلك سلطنة عُمان الأرضية التشريعية والعوامل التي تُمكّنها من تحويل الوقف الجامعي إلى رافد حقيقي لاقتصاد متنوع قائم على المعرفة والتقنية والابتكار.
ويعزز هذا التوجه أهمية استكمال الإطار التنظيمي والتشريعي بما يحفّز الجامعات والكليات في سلطنة عُمان على التحول إلى جامعات وكليات وقفية/أهلية، وإلزامها بوضع خطط للاستدامة المالية وإدارة المخاطر تُسهم في تعظيم مواردها والحفاظ على أموالها.
كما تبرز الحاجة إلى خطة وطنية للتعريف بأهمية إشراك المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الوقف التعليمي، إلى جانب تذليل الإجراءات التشريعية والفنية وتطوير السياسات والأطر الداعمة، بما يعزز الشراكة المجتمعية ويدعم استدامة التعليم الجامعي وجودته على المدى الطويل.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الجامعات والکلیات والبحث العلمی البحث العلمی على المعرفة ملیار دولار تنویع مصادر وهو ما
إقرأ أيضاً:
«الأغذية العالمي»: لبنان يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة
أحمد عاطف (بيروت، القاهرة)
حذر برنامج الأغذية العالمي، أمس، من أن لبنان وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على اندلاع النزاع يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة نتيجة تداخل خطير بين النزوح وازدياد انعدام الأمن الغذائي.
وقال البرنامج في بيان له «لا يزال أكثر من مليون شخص في حالة نزوح فيما تؤدي الأسعار المرتفعة وفقدان مصادر الدخل وضغط الأسواق إلى جعل الغذاء بعيداً بشكل متزايد عن متناول الأسر الأكثر ضعفاً».
وأشار إلى أنه «وسع استجابته بسرعة على مستوى البلاد غير أن الوضع لا يزال هشاً للغاية»، لافتاً إلى أن ضمان استمرار الوصول الإنساني واستقرار تدفق الإمدادات وتوافر التمويل بشكل متوقع يعتبر من الأمور بالغة الأهمية وذلك لمواصلة تقديم المساعدة لمن هم بأمس الحاجة إليها.
وذكر أن أحدث تحليل للأمن الغذائي يؤكد وجود تدهور حاد على مستوى البلاد، حيث يواجه 1,24 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة أو أسوأ) بين شهري أبريل وأغسطس 2026 بسبب النزوح وارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطرابات الأسواق والصدمات الاقتصادية الأوسع.
وأكد أنه من أجل الحفاظ على المساعدات المنقذة للأرواح والاستجابة للاحتياجات المتزايدة يحتاج البرنامج إلى 112 مليون دولار للفترة بين مايو وأغسطس 2026 بمعدل نحو 44 مليون دولار شهرياً.
وقال إنه «من دون تمويل كاف ومتوقع ستواجه قدرة البرنامج على مواصلة تقديم المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة للأسر الضعيفة في لبنان خطر التراجع».
ويشهد لبنان تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، جراء استمرار موجات النزوح تحت وطأة التصعيد العسكري، حيث يجد آلاف النازحين أنفسهم أمام واقع معيشي قاسٍ بعد فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الحياة.
وقال هادي حبلي، المحلل السياسي اللبناني، إن هناك حالة من الازدواجية الاقتصادية المؤقتة، نتيجة تمركز التصعيد في مناطق جغرافية محددة، إذ تعاني بعض المناطق شللاً شبه كامل في النشاط الاقتصادي، بينما تواصل مناطق أخرى نشاطها اليومي بشكل نسبي.
وأضاف حبلي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن هذا الواقع أفرز فئتين اقتصاديتين: إحداهما ترزح تحت وطأة العنف وفقدان سبل العيش، والأخرى تواجه، بشكل رئيس، ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، من دون انهيار كامل في النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أن بعض المناطق تُظهر قدرة نسبية على التكيف مع التضخم والضغوط، مما يعمّق الفجوة بين التجربتين داخل البلد الواحد.
من جانبها، قالت راما حايك، المحللة السياسية اللبنانية، إن النازحين اضطروا إلى ترك مصادر دخلهم بشكل مفاجئ، مما أثر مباشرة على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، خاصة مع استمرار الحرب، وأشارت إلى أن أي مدخرات كانت متاحة لدى بعض الأسر بدأت تتآكل تدريجياً مع طول أمد النزوح.
وأضافت حايك لـ«الاتحاد» أن قضية المسكن تمثل أحد أبرز التحديات، حيث يعيش جزء من النازحين في مراكز إيواء جماعية، بينما يتجه آخرون إلى حلول أخرى، مثل استئجار منازل في مناطق أكثر أماناً أو الإقامة لدى الأقارب أو حتى نصب خيم في أماكن عامة داخل العاصمة بيروت.
عون: لا خيار غير التفاوض
أعلن الرئيس اللبناني، جوزاف عون، أمس، أنه لا خيار آخر غير التفاوض مع إسرائيل لإنهاء الحرب، معلناً أنه يتحمّل مسؤولية خياراته التي اتخذها، وأكّد أن السلم الأهلي لا يمكن المساس به. تصريح الرئيس عون جاء خلال استقباله، في قصر بعبدا، نقيب محامي بيروت المحامي عماد مارتينوس مع وفد اتحاد نقابات المهن الحرة. واستضافت وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أمس، جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وسط تفاؤل لبناني بنتائج المباحثات.