كان النظام السعودي هو الشريك الممول لانتصار إسرائيل على القومية العربية عام١٩٦٧م، في ظل حكم الزعيم جمال عبدالناصر لمصر..
وما دامت إسرائيل انتصرت حينها على القومية، فالنظام السعودي انتصر تلقائياً في اليمن بفرض وصايته عليها..
وهكذا، فالنظام السعودي لم يكن يعنيه في اليمن بيت حميد الدين ولا يعنيه انتقالي الإمارات وكل ما يهمه هو فرض الوصاية على اليمن، والذين يتنادون اليوم إلى “حل سياسي” يرون أساس وأرضية هذا الحل والنظام السياسي في الوصاية السعودية.
وهؤلاء يطرحون بكل وضوح ووقاحة أنه إما الوصاية السعودية كحل سياسي وإلا فإنهم سيتعاملون مع صنعاء والشعب اليمني كما تم التعامل مع غزة بالإبادة والدمار، خاصة وأن الوصاية السعودية على اليمن تعد بمثابة شرط أمريكي صهيوني يصعب على صنعاء مواجهته في تقديرهم، وبات يصعب عليها أكثر أن تواجهه..
ولهذا فإن ما جرى في بعض المحافظات الشرقية هو امتداد لمسرحة الحروب أمريكياً منذ تفتيت الاتحاد السوفيتي والهدف هو الوصول إلى الحل السياسي السعودي وفرض الوصاية السعودية على اليمن سلماً أو حرباً، كما يقول “العليمي”..
وهذا يعني أن الحل السياسي هو عودة إلى مؤتمر “حرض” لفرض الوصاية السعودية، والطبيعي أنهم يدركون أو يقدرون أن صنعاء بعد كل ما جرى من عدوان لعقد وما جرى من قتل اليمنيين وتدمير شامل لليمن – الطبيعي – أن كل المسرحة التي جرت هي التحضير للحرب على صنعاء وفرض الوصاية بالقوة الأمريكية والإسرائيلية، والخونة والمرتزقة مجرد ” خدام – خدام – خدام الجرافي”..
بمعنى إن الحل السياسي ” الوصاية” عندما يطرحوه أنه السلام والحل السلمي والاستقرار، فكل ذلك من باب إسقاط الواجب شكلياً وإعلامياً، فيما هم يسيرون في خيار الحرب، ولذلك فكأنما بات المراد لهم أن ترفض صنعاء الوصاية وهو من رؤيتهم الحل السلمي والأمن والاستقرار وما إلى ذلك، ليشنوا حرباً أعدو لها واستعدوا..
كأنما صنعاء باتت مخيرة بين استسلام العودة للوصاية السعودية على اليمن وبين حرب عالمية عليها لا سابقة لها، وبالتالي يصبح على صنعاء إن انتصرت الوصاية السعودية سلماً أو حرباً “وفق العليمي” أن تذعن للكيان الصهيوني وأن تنضم الى أنظمة وعواصم تأمركت ثم تصهينت – وهكذا فالنظام السعودي كل حلوله في المنطقة هي الأمركة والصهينة، فكيف لصنعاء أن تنتقل من موقف الشرف والعزة والكرامة في إسناد غزة وفلسطين إلى مواقف قتل وإبادة الشعب الفلسطيني، كما تمارس أنظمة عربية وعلى رأسها السعودية والإمارات وبما لم يعد يخفى وبات المستحيل أن يخفى..
قبل العدوان على اليمن بواجهة السعودية ومسمى تحالف عربي، قلت للنظام السعودي في بث مباشر وموثق من تلفزيون صنعاء، إننا في اليمن قد نقبل بالسعودية، فيما يستحيل قبول إعادة فرض الوصاية السعودية وإلا فالأفضل أن يستخدموا النووي أشرف لليمن من سعودة الضم، وهأنذا أستحضر رأياً ورؤية شخصية طرحتها قبل العدوان..
ومثل هذا لا يتصور خروجه من صنعاء أو يطرحه، ولكن هذا حدث وموثق في التلفزيون بغض النظر عن صواب فيه أو أنه خطيئة، وبالتالي فالسؤال هو ما الذي دفعني كطرح كهذا، فكيف ترى صنعاء الخروج أو المخرج من سلم عليمي أو حرب عليمية؟.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني