محمود حمد -

إن العلاقات التي يبرزها النص الشعري فنيّا بين الذات والآخر تعكس الكثير من أنماط التعبير التي يتجاوز بها الشعر - أكثر من غيره من الفنون - شكلا ومضمونا الحالة المكررة من نسق الخطابات في الأجناس الأدبيّة؛ إذ يثري تحوّلات فنية كثيرة تحتاج إلى ملء العلاقات بين الملفوظات في السياقات المتعددة. لهذا يعمل التكثيف الدلالي على بناء هذه العلاقات برؤى الشاعر التي يقيم التلقي معها معاهدة عدم الالتزام بفهم هذه العلاقات فهما تقليديا تجاوزه النص الشعري الحديث.

في مجموعته «تعال ننزع وجهك» يقدّم الشاعر طلال الصلتي من خلال تعدد مستويات تجربته الشعريّة، واختلاف تحولاتها الشكلية قيما ذاتية تعبر عن رؤى ذاتية شعرية في أنساق الخطاب انعكاسا عن تطورات نفسيّة وردات فعل إنسانية مختلفة. تأتي هذه العلاقات على أنماط متعددة؛ أهمها ما بين الذات والذات، وما بين الذات والآخر القريب، والذات والآخر البعيد والذات والذات (الأنا) البعيدة، بالإضافة إلى الذوات الخارجة عنها في أشكال بشرية؛ تظهر حينا وتختفي حينا آخر. وقد يقول قائل إن أغلب العلاقات تأتي على هذه الأنماط؛ فنقول إنْ الأمر لا يتحقق بالتعديد بل بالتجديد أولا، وكذلك فإن هذا الأخير يرتبط بمدّ هذه العلاقات من خلال أدوات فنية تعبر عن (الجوّاني) الذي يستقرئ الانعكاسات بشكل ينبئ عن وعي فني، وصدق مع الحساسية الفنية.

في نصّه الأول يمتزج ذاتا بذات أخرى تقف أمامه بجريرة سابقة:

لا تهربْ من وجهك../ أمعنْ في المرآة إليه النّظرا./ سترى فوق جبينك قمرا/وترى تحت جبينك قمرا/... / لا تهربْ من وجهك../مهما أبداك لنفسك مُنكسرا.

استيقافٌ لرسم صورة التوازي مع الذات في لحظات تتعدد مستويات انتزاعها وإعادتها لاكتمال الشعور الذي يختزله المعنى الشعري؛ إذْ يمنح لخطاب المشهد أجزاء في إحياء التفاصيل تبدو ضرورة الاعتراف بكل ما يمكن أنْ يخرج عن طبيعة الجريرة التي لا تغفرها الذات لنفسها. غير أن المتصوّر الذي تنتجه فنّية الشعر في هذا التوازي يبني فكرة عميقة جدا تتعلّق بعمق الهوّة بين الذات وكينونتها في اضطراب يشبه الاستدعاء الآمن لما هو كامن في التّأجيل خوف التشابه، فإذا به يتعالق مع آخر لا يمكن التنبؤ به؛ كما في نصّ (وحْدي):

وحدي .. / وأنتَ معي / ولم نرَ بعْضنا. / وأنا أفتّشُ عنك بين أضالعي.

يُعنى الشاعر بهذا التعالق استنطاقا لما لا يمكن لغير الشعر أنْ يكتنفه لقدرة أدواته في تصوير التوازي بعيدا عن تعيين ملموس للمسافات التي لا يستطيع الوصول إليها، وأصعب المسافات ما كانت بالقرب نائية بنأي الذات عن إيجاد تكوينها، إذ التساؤل في حد ذاته مسافة لا يمكن استقصاء الزمن والفراغ فيها. إننا في اقترابنا من هذه المسافة نحتمل قراءة كائنا لا يعترف بكلّ شيء كما نظن بعلاقاتنا معه، مهما كان نوعها، وكما يرى يونغ نحن نتعامل مع نتاج صادر عن فاعليّات نفسيّة بالغة التعقيد؛ ولهذا كما يشير يونغ يجب تحليل هذا الكائن البشري المبدع بما هو شخصيّة مفردة. فمن هو الآخر/ الذات إنْ لم يكن الاغتراب الذي يلازم الفنّان في بحثه اللامنتهي.

نجده هنا في استنفار كل أشكال المدى في التيه يقول:

ماضٍ إلى المجهول/ لا يدري حصاني حين ينقل خطوَه/ هل سوفَ يكبو/ أمْ يطير. /ماضٍ حقائبُ خوفيَ الملأى معي/ ومعي انكساراتي الجبانة/ شكّي المدفون في أرض اليقين/ ثوبُ آلامي المرقّع بالضياء/ وإبرة الأحلام أحملها معي/ / وحدي معي/ أمتدّ قبل الخطوة الكسْلى/ كما يمتدُّ عُكَّاز الضّرير.

إن شكل التيه الرومانسيّ هنا ليس كما يصنّفه كولن ولسون في اللامنتمي الرومانسيّ بأنه قد يكون طفلا في صدمة التّحولات العصريّة لأنه يستمدّ مقوّماته من الأرض، فلا يتشآم أو أنْ يعتقد بأنْ الخطأ كامن في الطبيعة الإنسانيّة، إن الشاعر الآخر ذات مختلفة هنا فشكله «شكّي المدفون في أرض اليقين» يعود إلى ثبات القيمة في المنشأ على الرغم من اغتراب الذات ضرورة الإبداع، ولهذا يحمل رؤيته معه «ثوبُ آلامي المرقّع بالضياء/ وإبرة الأحلام أحملها معي»، فيشكل الارتحال مشهد الاستعادات المتكررة للذات في بناء فنيّ يوظّف جزئيّات الملموسات الدّوال على الاستمرار من حقول دلالية متعددة. (حقائب، ثوب، إبرة، عكّاز)؛ في تعبيرها الرمزيّ عن الاستمرار والمقاومة.

في نصّه (رماد القصيدة) يضع الشاعر نفسه في براءة الرؤى أمام الوجود، جزءا من تحقيق الذات كما ينبغي للرائي من بعيد مطلا على مسافة الاتصال بالآخر، يأتي الخطاب موزّعا بأصناف مختلفة تكتنف طبيعة هذا التواصل:

أصرخ بهم: / أيها الملائكة.. / أيها الشّياطين .. أيها الأموات ../ أيها الجنّ../ لا تتبعوني، فلستُ نبيّا ولا شاعرا. / أيها الحمقى: أنا أضلُّ منكم فلا تتبعوني.

يشكّل الآخر في المجموعة شكلا آخر للموقف من الذات؛ يتمثّل في اكتناه الذوات الإنسانيّة حين تحمل عبء الخصائص مرارا في بحث الشاعر عن موانئ الخصال متعددة الرؤى في البشر، ومن مسافة أخرى هم أقرب مما يمكن الغفران للمسافة بين الذات والآخر. كما في نصّ (إخوتي وأنا):

تسعةُ/ / عاشرهم في العدد. / ثالثهم في التجسّس من شرفة الغيب. / ثانيهم في معانقة الحرف. / أوّلهم في فهم معناه. / / أصدقهم عاطفة. / / أعمقهم نظرا.. / يغوص بنظرته عمق العاصفة.

هذه المسافات بين انعكاس الذات وامتزاجها بالشكل البشريّ في تفاصيل مشاعره ومواقفه، الآخر لا يقتحم هذا العالم الذي يبنيه الفنان باعتباره شريكا فيه بالمعنى الملموس وإن كان متلقيه في كثير من تشكّلاته؛ لكن الرؤى التي يستند عليها الإبداع الشعريّ تعرّي المسافة بتبرئة صاحبه من كلفة الموقف؛ إذ لا يأتي الخطاب صوتا مشتركا لأنه يعبر عن الطبيعة البشريّة؛ بل كونه يرى بها الفنان شيئا مختلفا، ولهذا يقف الشاعر على مسافتين في النص؛ الأولى يلجأ فيه إلى وحدته التي يبني بها تواصله مع العالم، والثانية يبني نفسه في طبيعته الاجتماعيّة مع من يعود وإيّاهم إلى تجسّد الألم والألم في الطبيعة البشريّة، وهو على المسافتين متفرّد بوحدته.

يأتي الاعتراف جليّا في نصّه (التائه):

زورقا في ثقوب رأسي تائهٌ / أتلظّى، وما دنوتُ لمائه. / أنتشي كلّما تجلّى حبيبي / وطواني إليه تحت ردائه. / وأنا الشاعر الذي يعيى بالقوافي.. / عييتُ في أثنائه! / نسيتْ رجليَ البدايةَ / فانكسر الرّقص فيها / وسافرتْ في غنائه!

الذات الشاعرة في هذا المكان ـ حيث تنظر إلى التمازج البشريّ ـ تقف على تجلٍّ يعكس التماهي مع الأدوات الفنيّة في استيعابها المواقف والعلاقات، وهذه في حدّها معاناة تعود لدى العلماء إلى فكرة فيها شيء من القسوة الفنيّة لو قرأنها من هذه الناحية، وهي عصابيّة الفنان كما يطرحها عزالدين إسماعيل في تفسيره النفسي للأدب؛ حيث العلاقة السببيّة بين عصاب الفنان وقدرته على الإبداع، حيث لا يتحقق ذلك إلا بالمعاناة.

نقرأ ذلك في الموقف بين ما يكونه الفنان أمام ذاته وما يكونه بالآخر أمامها كذلك، أو بين ما يكون عليه في الآخر أمام ذاته وما يكونه في الآخر أمام الآخر، وهذا في خطاب الشعر تحققه الأدوات الفنيّة التي تستعرض كل هذه العلاقات في التركيب المميز في الشعر. يقول مثلا في صوت المتقارب العروضيّ:

أنا المنزوي/ في عيون النساء. / أسائل عن مقلتيكِ الجهات!

فالشاعر يلجأ إلى التقسيم الشعري بهذا الشّكل ارتباطا بالمعنى الذي يحقّق ذاته في الآخر لكونه فيه وعنه بعيد، فالكلّ مكانٌ ضروريّ لكنه ليس نهائيّ؛ إذ رؤية التّفرد ليس وحدها العبء الذي تحمله الذات هنا، إنه الإيمان بالشتات الذي لا ينتهي.

أخطُّ وأمحو.. / وأمحو أخطُّ / فلا ليَ مرسى، ولا لي شطُّ / ... / خذيني إلى أبعد الممكنات/ إلى مقلة في الجمال تغطّ

لم يكن الشاعر ليقرر موعدا مع ذاته، ملتصقا بشكل ثابت في هذه العلاقات متعددة الأوجه، وهو في تجربته يفصح عن تمزّق سامٍ يقيمه في تجربته بتنوع أدواته الفنيّة، وعلى الرغم من أنه كما يقول: وأنا الشاعر الذي يعيى بالقوافي.. / عييتُ في أثنائه!»؛ وهذا اعترافٌ لا يشكّل استسلاما بل صيرورة نامية تعبأ بالذوات.

محمود حمد شاعر وكاتب عماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه العلاقات بین الذات الفنی ة

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • رفع 4 أطنان نفايات من سد الملك طلال
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟