واشنطن- قبل 10 أيام من انتهاء عام 2025، وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر (الكابينت) على إقامة 19 مستوطنة جديدة في أراضي بالضفة الغربية المحتلة. وقبل يومين من انتهاء نفس العام، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عدم التوافق مع إسرائيل حول ما يحدث في الضفة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، صرّح ترمب بأن إسرائيل لن تتحرك في اتجاه الضم الرسمي للضفة الغربية، واضعا هذا الموقف في سياق "الوفاء بالتزاماته تجاه الدول العربية"، وحذّر من أن إسرائيل ستفقد دعم الولايات المتحدة إذا مضت في سياسة الضم.

وعلى الرغم من خلاف ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في النظر لمستقبل الضفة الغربية، لم تتخذ الإدارة الأمريكية، أي إجراءات عملية تعكس رغبتها في وقف أو تغيير السياسة التوسعية غير الشرعية والمخالفة للقانون الدولي في مدن وقرى الضفة المحتلة.

وتشهد الضفة تصاعدا في البناء والتوسع الاستيطاني بدأ منذ عقود ولكنه تسارع بشكل غير مسبوق في العامين الأخيرين، وترافق ذلك زيادة في عنف المستوطنين وقوات الجيش والشرطة الإسرائيلية.

وزادت معدلات الانتهاكات بصورة خطيرة منذ تشكيل أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل عقب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والتي أفضت إلى تحالف حزب نتنياهو الليكودي مع أحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرفة.

وتشير تقديرات إلى بناء ما يقرب من 50 ألف وحدة سكنية استيطانية في 49 مستوطنة جديدة، وضم 26 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، إضافة لتبنيها سياسات أضعفت السلطة الفلسطينية وحرمتها من مواردها المالية، ولم تتخذ أي إدارة ديمقراطية أو جمهورية أمريكية إجراءات ضد الممارسات الإسرائيلية.

على حساب الفلسطينيين

في الوقت ذاته، يخشى البيت الأبيض أن يؤدي التصعيد العسكري في الضفة الغربية لتقويض الجهود المبذولة لتنفيذ اتفاق وقف النار في قطاع غزة، ويمنع توسيع اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام) بين إسرائيل والدول العربية قبل نهاية فترة ترمب.

إعلان

ومع ما تراه واشنطن تقدما كبيرا في مسار تحقيق خطة ترمب لإنهاء الحرب في قطاع غزة ببدء الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، تتجاهل الإدارة الأمريكية الانتهاكات وعمليات الضم الممنهج وبناء بؤر استيطانية غير شرعية تزيد التضييق على فلسطينيي الضفة.

وردا على سؤال للجزيرة نت حول صمت إدارة ترمب على الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة، يقول خبير العلاقات الدولية ومسؤول الملف الفلسطيني الإسرائيلي بمنظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن" آدم شابيرو "أعتقد أننا يجب أن نفهم أن إدارة ترمب لا تهدف لتحقيق السلام".

ويضيف شابيرو "من الواضح أن الإبادة الجماعية المستمرة مع القتل والتدمير بالوتيرة التي تسير بها في قطاع غزة، أمر لا يريد ترمب استمراره، ولكن الانتهاكات بالضفة التي لطالما بقيت بعيدة عن الصفحات الأولى ولا تثير اهتمام الإعلام أو تتسبب في احتجاجات عامة، أمر مقبول بالنسبة لإدارته".

بل يقول الخبير "لا أعتقد أن العنف في الضفة الغربية وتوسع المستوطنات كانا حتى على رادار الإدارة". أما بالنسبة للقانون الدولي، "فهذا مصطلح لا معنى له بالنسبة لإدارة ترمب".

مع كل ما قيل، يضيف "يجب أن نتذكر أن الإدارات السابقة رغم ادعائها السعي للسلام واحترام القانون الدولي، فإنها حاولت تقييد مستوى التطرف الإسرائيلي، وتقليل كمية القتل والتدمير، وكان ذلك في الغالب بدافع القلق من التداعيات الإقليمية الأوسع".

لماذا تصمت واشنطن؟

لفهم لماذا تصمت واشنطن رغم نفوذها الكبير على إسرائيل وعدم ردعها لتوسع المستوطنات والأنشطة العسكرية في الضفة الغربية بشكل فعال، تقول المسؤولة السابقة بوزارة الخارجية الأمريكية، أنيل شلاين، إن الولايات المتحدة لم تكن أبدا وسيطا نزيها من أجل "السلام في الشرق الأوسط" منذ سنوات عديدة.

واعتبرت شلاين، وهي الخبيرة حاليا بمعهد كوينسي بواشنطن، أن فشل أمريكا في محاسبة إسرائيل على رفضها تنفيذ جوانب رئيسية من اتفاقيات أوسلو، مثل التخلي عن السيطرة على أراضٍ محددة، عكس أولوية واشنطن بدعم السياسات الإسرائيلية على حساب أي جهد حقيقي لحل دائم للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وفي حديث للجزيرة نت، أرجعت شلاين موقف واشنطن إلى التأثير الكبير للوبي الإسرائيلي على السياسيين الأمريكيين جعل من غير المرجح جدا أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لإنهاء توسع المستوطنات.

ومع إطلاق يد استغلال التبرعات في الحملات الانتخابية عقب صدور قرار المحكمة العليا عام 2010، تقول شلاين "أصبح تأثير المصالح الخاصة على السياسة الأمريكية أقوى بشكل كبير، مما زاد من ثقل جماعات الضغط ولا سيما الإسرائيلية".

وتُعد القاعدة الشعبية الإنجيلية المؤيدة للرئيس ترمب من أهم وسائل الضغط لاستمرار الصمت الأمريكي على أنشطة الاستيطان الإسرائيلي غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي.

وعلى رأس هذا التيار يأتي القس مايك هاكابي، سفير ترمب لدى إسرائيل، الذي لا يتوقف عن كشف دعمه لما يراه "حقّا إسرائيليا" في إنشاء مستوطنات (يصفها بالتجمعات السكانية). والأهم من ذلك، أنه يدعم ضم إسرائيل للضفة باعتباره "أمرا ربانيا".

فلسطيني يتفقد مجمعا للسيارات حرقه المستوطنون في هجمات على بلدة حوارة شمال الضفة الغربية (الجزيرة)تشتيت الانتباه

يقول ديفيد ماك، السفير الأمريكي، والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، والخبير حاليا بالمجلس الأطلسي، إن "ترمب أتقن طرقا عديدة لتحويل انتباه شركائنا العرب والمسلمين حتى نستمر في انتهاك وعودنا الرئيسية فيما يتعلق بغزة، والضفة الغربية، وآمال حل الدولتين، من خلال تغيير القضية الرئيسية في الأخبار إلى قضايا أقل أهمية لهم مثل غرينلاند أو فنزويلا".

إعلان

وأشار السفير ماك، في حديث للجزيرة نت، إلى أن دائرة ترمب الضيقة أقل اهتماما بقضايا الضفة الغربية مقارنة بما يسهم في تحقيق أهدافهم التجارية والسياسية. "وللأسف، لم يتمكن الفلسطينيون في الضفة الغربية من تعبئة مؤيدين في الولايات المتحدة لهم تأثير مماثل على إدارة ترمب".

الضم واقع بالفعل!

وفي ندوة افتراضية عقدها معهد الشرق الأوسط بواشنطن، وحضرتها الجزيرة نت، أشارت مسؤولة أمريكية رفيعة سابقة في وزارة الخارجية، إلى أن "الإدارات الأمريكية السابقة تعاملت مع قضية المستوطنات في الضفة الغربية بطريقة غير فعالة، وربما أبطأت الاستيطان في أحسن الأحوال".

وأشارت إلى عدة محاولات على مر السنين لتجميد الاستيطان، و"رأينا جهود خارطة الطريق تحت قيادة الرئيس جورج بوش، وتحت إدارة أوباما، مع المبعوث جورج ميتشل، ولم يستمر أي منها فعليا أو انتهى به الأمر إلى تجميد حقيقي".

ومع عدم إشارة المسؤولة إلى أن إحجام واشنطن حاليا عن اتخاذ أي مواقف صارمة أو عقابية لمنع الانتهاكات الإسرائيلية، فإنها عبّرت عن تقديرها لموقف ترمب الرافض لضم الضفة رغم حماس الكثير من الأحزاب الإسرائيلية لاستغلال هجوم 7 أكتوبر، وبدء تنفيذ الضم رسميا.

وأجمع عدد من الخبراء في الندوة، على أن الضم الفعلي وغير القانوني قد وقع فعلا في الضفة الغربية، "ويبدو أن الإسرائيليين لم يتأثروا بخطاب ترمب الحاد ضد الضم".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة فی الضفة الغربیة إدارة ترمب

إقرأ أيضاً:

لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس

تعيش العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر مراحلها توتراً في السنوات الأخيرة، وفق ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية في تقرير موسع أشار إلى أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليعكس صراعاً معقداً بين الاعتبارات الانتخابية الأمريكية والحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية بذلت جهوداً واضحة لنفي فكرة أن نتنياهو هو من يوجه السياسات الأمريكية تجاه الملف الإيراني أو العمليات العسكرية في لبنان، مؤكدة على لسان وزير الدفاع أن “لا أحد يمسك بزمام الأمور سوى ترامب”، في إشارة إلى محاولة احتواء الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.

لكن خلف هذا النفي الرسمي، تتحدث مصادر سياسية وإعلامية عن تصعيد غير مسبوق بين الجانبين، بدأ يتبلور نتيجة ضغوط متعددة، تشمل تزايد التوتر في لبنان، والقلق الأمريكي من انهيار مسار التفاوض مع إيران، إضافة إلى اعتبارات داخلية مرتبطة بصورة ترامب أمام قاعدته السياسية، خاصة المسيحية منها.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصل

ويشير التقرير إلى أن الأزمة أخذت بعداً شخصياً حين نقل عن ترامب غضبه الشديد من نتنياهو، وقيامه بتوجيه عبارة حادة مفادها: “لولا وجودي لكنت في السجن”، في تعبير يعكس مستوى التوتر غير المسبوق بين الشخصين. 

ويفسر هذا التصعيد بأنه لا يرتبط بلحظة آنية فقط، بل بتراكمات استراتيجية تتصل بطريقة إدارة العمليات الإسرائيلية في لبنان وتأثيرها على السياسة الأمريكية.

على المستوى التكتيكي، يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”أزمة مسيحية في لبنان”، حيث أشارت تقارير متداولة إلى حوادث اعتداء طالت رموزاً دينية مسيحية خلال العمليات العسكرية، بينها صور لجنود إسرائيليين في ممارسات وصفت بأنها مسيئة للرموز الدينية. وقد ساهم انتشار هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجة انتقادات داخل أوساط اليمين الأمريكي، خصوصاً بين الشخصيات الإعلامية المؤثرة التي تخاطب القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل تقليدياً.

واشنطن تربط الإفراج عن أصول إيران المجمدة بحجم تنازلاتها في المفاوضاتروبيو: لا رفع للعقوبات عن إيران مقابل فتح هرمز.. والملف النووي هو الفيصلتوقف مفاجئ للمحادثات غير المباشرة .. إيران تكشف آخر رسالة وجهتها إلى واشنطنالمستشار العسكري للمرشد: مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران ونرفض استمرار الحصار

وتذهب التحليلات إلى أن هذا البعد الديني بات يشكل ضغطاً سياسياً مباشراً على ترامب، الذي سبق أن تعهد بحماية المسيحيين حول العالم، وهو ما يجعله أكثر حساسية تجاه أي صور أو تقارير قد تضعف هذا الخطاب أمام ناخبيه.

أما على المستوى الاستراتيجي، فتتمثل الأزمة – وفق التقرير – في تباين الرؤى بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران. إذ ترى الإدارة الأمريكية أن التصعيد في لبنان قد يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق أو تهدئة مع طهران، في حين تتهم بعض الدوائر الأمريكية إسرائيل بأنها تدفع باتجاه توسيع نطاق المواجهة الإقليمية.

وتشير تسريبات إعلامية إلى أن ترامب أبدى قلقاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في لبنان، ومن أسلوب إدارة العمليات العسكرية في بيروت، ما دفعه بحسب التقرير ، إلى استخدام أوصاف حادة بحق نتنياهو، بينها وصفه بـ”المجنون”، في سياق انتقاد سياسة التصعيد.

في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية إعادة ضبط الإيقاع السياسي، مؤكدة أن القرارات العسكرية والسياسية في المنطقة تبقى تحت قيادة واشنطن، وليس أي طرف آخر. كما يحرص ترامب في تصريحاته العلنية على التأكيد أن نتنياهو “يتصرف بشكل جيد”، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع تفاقمه إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.

ويأتي هذا التوتر في وقت حساس بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستعد لسلسلة مناسبات وطنية كبرى، ما يجعل أي اضطراب خارجي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد السياسي الداخلي.

وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو، حتى وإن لم يعلن رسمياً كأزمة دبلوماسية، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث لم تعد قائمة فقط على التحالف التقليدي، بل باتت تخضع لتقاطعات السياسة الداخلية الأمريكية وحسابات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

طباعة شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنيامين نتنياهو الانتخابية الأمريكية الحسابات الأمنية الإسرائيلية لبنان إيران التوتر في لبنان

مقالات مشابهة

  • انتهاء محادثات اليوم الأول بين إسرائيل ولبنان في واشنطن واستئنافها الأربعاء
  • وزير الخارجية الأمريكي: ترامب يعارض تغيير الوضع في الضفة الغربية
  • بدء الجولة الرابعة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • العدو الإسرائيلي يصدر ويجدد أوامر اعتقال إداري لـ62 فلسطينياً من الضفة
  • على وقع نيران الجنوب.. إسرائيل تفاوض لبنان في واشنطن
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • الخارجية الإيرانية: إسرائيل تواصل جرائمها في لبنان وفلسطين بسبب إفلاتها المستمر من العقاب
  • الاحتلال يتجه لبناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية