تعطيل المواريث.. فتنة صامتة
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
أنيسة الهوتية
عندما تموت الضمائر، تموت معها الإنسانية، والإنسان ميت الضمير حتى الموت لا يهزّ في بدنه شعرة؛ بل يكون الموت خبرًا سعيدًا لنيل الميراث، وليس حزنًا على المتوفى.
المصيبة الحقيقية تبدأ حين يتوفى شخص، وتبقى تركته معلّقة سنوات طويلة؛ بل لعقود أحيانًا، دون توزيع عادل بين الورثة. وفي كثير من الحالات، يفرض أحد الأبناء أو أكثر سيطرته على الميراث، بسلطة الأمر الواقع، أو بالترهيب، أو بالمماطلة، أو بحجة الحفاظ على "الأسرة"، بينما تُسلب حقوق بقية الورثة، نساءً كانوا أو رجالًا، كبارًا أو صغارًا.
ومن المنظور الديني، فإن الميراث ليس مسألة اختيارية، ولا خاضعة للأهواء أو الأعراف؛ بل هو فريضة إلهية محكمة. يقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: 11)، ويقول أيضًا بعد ذكر أنصبة الميراث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (النساء: 13)؛ فمن يتجاوز هذه الحدود، أو يعطّلها، أو يمنع حقًا معلومًا، فإنه لا يظلم الناس فحسب، بل يتعدّى على حكم الله نفسه. وقد شدّد النبي ﷺ في التحذير من أكل حقوق الآخرين، فقال: "من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار".
إن البُعد الإنساني في هذه القضية لا يقل خطورة؛ فكم من أرملة عاشت وماتت في فقر ولها ميراث مسلوب، وكم من بنت حُرمت من حقها، وكم من أخٍ قُطعت رحمه، وكم من أرضٍ بقيت بورًا، وكم من مالٍ تجمّد بلا نفع، فقط لأن الميراث تُرك "قضية مفتوحة".
هذه الممارسات لا تصنع استقرارًا أسريًا، بل تنتج خصومات مزمنة، وفتنًا صامتة، وكراهية تتوارثها الأجيال.
من هنا، يصبح التدخل الحكومي ضرورة لا خيارًا؛ إذ إن ترك الميراث دون إطار زمني أو إلزام قانوني أثبت فشله. ومن الواجب أن تتدخل الدولة بشكل مباشر، بحيث لا تُستخرج شهادة وفاة لأي متوفى إلا بعد حصر التركة، وحصر الورثة رسميًا، وفتح ملف إلزامي لتصفية الميراث. كما يجب سنّ تشريع يُلزم الورثة بإنهاء إجراءات توزيع الميراث خلال مدة لا تتجاوز شهرين من تاريخ الوفاة، مع فرض عقوبات واضحة على المماطلة أو التعطيل المتعمد.
القانون، حين يتكئ على الشريعة، ويحمي الضعفاء، لا يكون خصمًا للأسرة، بل حارسًا للعدل. إن تنظيم الميراث ليس تدخّلًا في الخصوصيات؛ بل حماية للحقوق، وصيانة للمجتمع، ومنع لظلمٍ طال أمده.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
ليس الحج رحلةً عابرة يؤدي فيها المسلم طقوساً محددة ثم يعود إلى دياره، بل هو رحلةٌ تهذّب النفس وتوقظ القلب وتعيد للإنسان فطرته النقيّة، التي أثقلتها شواغل الحياة وأدرانها.
فهذه الفريضة العظيمة جامعة لمعاني الإيمان كلها؛ ففيها التوحيد والخضوع والتجرّد والصبر والبذل والتوبة والتوكّل والمحبّة والتضحية والاجتماع، حتى غدا الحج أعظم مؤتمر إيماني وإنساني عرفته البشرية.
ومن أبلغ المعاني التي تتجلّى في الحج أنه إعلانٌ عمليّ لعبودية الإنسان لله وحده، فالحاج يخلع ثياب الترف والزينة، ويلبس لباساً بسيطاً متشابهاً، وكأنه يخلع معه كل مظاهر الدنيا، فتذوب الفوارق، وتتلاشى الألقاب والمناصب وأسباب الكبر والتفاخر. يقف الجميع في صعيدٍ واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين جنسٍ وجنس، أو لونٍ ولون، وكأن البشرية كلها تعود إلى أصلها الأول، عباداً لله سواسية أمام عظمته- عزّ وجلّ.
ثم إن الحج ليس حركةَ جسد فحسب، بل هجرة قلبية كاملة، تبدأ بالتوبة النصوح وتجديد النية ومحاسبة النفس والعزم على إصلاح الظاهر والباطن؛ ولذلك كان الحج ميلاداً روحياً جديداً، يعود بعده المؤمن بقلبٍ أنقى ونفسٍ أصفى وروحٍ أقرب إلى الله تعالى؛ لقول الرسول- عليه الصلاة والسلام “من حجّ ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”. ولعل من أعظم أسرار الحج أنه يربّي النفس على كمال الانقياد لله، حتى فيما قد لا تدرك العقول حكمته تفصيلاً، فالحاج يلبس الإحرام أولاً في مظهر التجرد من الماديات ويطوف، ويسعى ويرمي الجمرات ويقف بعرفة ويبيت بمزدلفة وينتقل إلى منى، تعبّداً لله قبل كل شيء. ولهذا كانت هذه المناسك العظيمة مدرسةً في كسر هوى النفس، وتزكية القلب وتعليم الإنسان معنى الاستسلام المطلق لأمر الله؛ إذ ليست العبودية الحقة أن تعمل ما تهواه النفس، بل أن تنقاد لما أمر الله به؛ حباً وتعظيماً وتسليماً.
ومن هنا قال بعض أهل العلم: إن العبادات التي تخفى بعض أسرارها تكون أبلغ في تحقيق التعبّد الخالص، لأنها تنقل الإنسان من دائرة العادة إلى مقام الامتثال الكامل.
وفي الحج يستلهم المسلم ذكريات الإيمان الكبرى، ففي كل مشعرٍ عبقُ النبوة، وفي كل موطن أثرٌ من آثار أبينا إبراهيم وإسماعيل، وهاجر، ومحمد- عليهم الصلاة والسلام. ويستشعر الحاج أنه يسير في مواضع مشى فيها الأنبياء..يردد كلماتٍ ردّدتها أفواه الموحدين عبر القرون، فتنتقل النفس من حدود الزمن الضيق إلى رحابة التاريخ الإيماني العظيم.
ومن أعظم معاني الحج كذلك، أنه يجسّد وحدة الأمة الإسلامية في أروع صورها، فالملايين تتوافد من مشارق الأرض ومغاربها، على اختلاف لغاتهم وألوانهم وأعراقهم، يجمعهم نداءٌ واحد:”لبيك اللهم لبيك”. في مشهدٌ تختفي فيه الحدود وتسقط العصبيات، وتضمحل الفوارق، فلا يبقى إلا الانتماء العظيم لهذا الدين. ولذلك كان الحج مدرسةً عملية للأخوة الإسلامية، ومظهراً فريداً لوحدة الأمة، ورسالةً حضارية تؤكد أن الإسلام قادر على جمع البشر على قيم الرحمة والسلام والتعارف والتعاون.
كما أن الحج عبر التاريخ لم يكن مجرد عبادة فردية، بل كان جسراً للتواصل الحضاري والمعرفي بين المسلمين، تلتقي فيه الشعوب وتتبادل الخبرات وتتقارب الثقافات وتتهيأ المنافع وتنتقل التجارب، فتتعزز أواصر الأمة في مختلف جوانب الحياة. وهو المعنى الذي ينبغي أن يستحضره المسلمون ـ حكوماتٍ وشعوباً ـ ليكون الحج منطلقاً لتعميق التقارب الإسلامي، وترسيخ التماسك بين أبناء الأمة، وغرس الألفة وتوحيد الصفوف وبناء القوة الحضارية الشاملة في مختلف ميادين الحياة، حتى تبقى الأمة متماسكةً بوحدتها، قويةً بإيمانها، شاهدةً على الناس برسالتها وقيمها العظيمة.