استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026: تحول القوة من الهيمنة العالمية إلى إدارة النفوذ
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
مع صدور استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة في إدارة قوتها العالمية، مرحلة لا تقوم على الانسحاب الصريح ولا على الاستمرار في الهيمنة التقليدية، بل على إعادة تعريف الدور الأمريكي بوصفه قوة تُدير التوازنات الدولية بأقل كلفة ممكنة. الوثيقة تعكس إدراكا متزايدا داخل المؤسسة الحاكمة في واشنطن بأن النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بات في طور التفكك، وأن محاولة إعادة إنتاجه لم تعد ممكنة أو مجدية.
التحول المركزي في الاستراتيجية يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات، حيث يتقدم الدفاع عن الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي على حساب الانخراط العسكري العميق في مناطق بعيدة. هذا التوجه يعكس قناعة بأن التهديدات لم تعد تأتي فقط من جيوش ودول، بل من شبكات عابرة للحدود، واختراقات سيبرانية، واضطرابات داخلية مرتبطة بالاقتصاد والهجرة والأمن المجتمعي، ما يفرض تركيزا متزايدا على الداخل الأمريكي.
وفي هذا الإطار، تُصنَّف الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي طويل الأمد، القادر على منافسة الولايات المتحدة في موازين القوة الشاملة، بينما تُعامل روسيا وإيران وكوريا الشمالية كتهديدات يمكن احتواؤها وإدارتها دون الانزلاق إلى صدامات كبرى. هذه المقاربة تؤشر إلى انتقال واشنطن من منطق المواجهة الشاملة إلى منطق الانتقاء الصارم للمعارك التي تخوضها.
عالميا، توجّه الاستراتيجية رسالة حاسمة إلى الحلفاء مفادها أن الاعتماد على الحماية الأمريكية لم يعد مضمونا كما في السابق. فالحلفاء مطالَبون بتحمّل أعباء أكبر في الدفاع عن أمنهم، سواء عبر زيادة الإنفاق العسكري أو تطوير قدراتهم الذاتية، فيما تكتفي الولايات المتحدة بدور الداعم والموازن عند الضرورة. هذا التحول يفتح الباب أمام إعادة تشكّل التحالفات الدولية، ويُسرّع من صعود قوى إقليمية تسعى إلى ملء الفراغ أو التكيف مع واقع دولي أكثر هشاشة.
في الشرق الأوسط، يتجلى هذا التحول بوضوح. فالمنطقة لم تعد محورا رئيسيا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، بل تحولت إلى ملف إدارة أزمات، تُفضَّل فيه الحلول الإقليمية والتفاهمات غير المباشرة على التدخل العسكري المباشر. تراجع أهمية النفط في معادلات القوة العالمية، إلى جانب إرهاق الولايات المتحدة من حروب طويلة ومكلفة، جعلا واشنطن أقل استعدادا للاستثمار السياسي والعسكري العميق في أزمات المنطقة.
ليبيا في قلب الفراغ الاستراتيجي
بالنسبة لليبيا، تحمل استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026 دلالات بالغة الخطورة. فالوثيقة تضع النزاعات الليبية، ومعها أزمات دول مثل سوريا واليمن، في خانة الصراعات منخفضة الأولوية، التي لا تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي. هذا التصنيف يعني عمليا أن واشنطن لن تكون لاعبا حاسما في رسم مستقبل ليبيا، بل ستكتفي بدور محدود يقتصر على دعم المسارات الأممية أو احتواء تداعيات الفوضى عند الضرورة.
غياب الانخراط الأمريكي الجاد يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لتعميق نفوذها داخل الساحة الليبية، سواء عبر الدعم العسكري غير المباشر، أو من خلال الاستثمار السياسي والاقتصادي في مناطق النفوذ المتنازع عليها. وفي ظل هذا الواقع، تتحول ليبيا من ملف دولي إلى ساحة تنافس إقليمي، تُدار أزمتها وفق ميزان القوى المحلي والإقليمي، لا وفق إرادة دولية موحّدة.
الأخطر من ذلك أن تراجع الاهتمام الأمريكي يقلّل من فرص فرض تسوية سياسية شاملة، ويُبقي الصراع الليبي في حالة "اللا حل"، حيث تستمر الهياكل الهشة، وتتعزز اقتصاديات الصراع، وتتكرّس الانقسامات الجغرافية والمؤسسية. وفي عالم تُدار فيه الأزمات بمنطق تقليل الكلفة، تصبح ليبيا نموذجا كلاسيكيا لدولة تُترك لتوازنات الداخل والخارج دون مظلة دولية فعّالة.
في المحصلة، تكشف استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026 أن ليبيا، مثلها مثل كثير من دول الشرق الأوسط، لم تعد ضمن دوائر الاهتمام الاستراتيجي الأولى لواشنطن. وهذا يفرض على الفاعلين الليبيين، قبل غيرهم، إدراك أن الرهان على الخارج لم يعد خيارا واقعيا، وأن مستقبل الدولة سيُحسم بقدر ما تستطيع القوى الداخلية التوافق أو الصدام، لا بقدر ما تنتظره من تدخل دولي. في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية، تصبح المسؤولية الوطنية أثقل، لكن تجاهلها أكثر كلفة من أي وقت مضى.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء استراتيجية الدفاع ليبيا الشرق الأوسط ليبيا الشرق الأوسط امريكا دفاع استراتيجية قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة لم تعد
إقرأ أيضاً:
إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
يمر الصراع الإيراني الأمريكي بمنعطف هو الأخطر منذ سنوات؛ حيث انتقل المشهد من المناوشات المحدودة إلى الحشود الإستراتيجية، إلى جانب ترقب إيراني لإنزال أمريكي محتمل في 4 جزر في مضيق هرمز وهم أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة خارك، وفق مراقبين.
وفي هذا السياق أشار مراسل الجزيرة في طهران نور الدين الدغير إلى وجود تقديرات وتحركات عسكرية إيرانية ترتبط باحتمالية دخول بري عسكري أمريكي إلى جزر إيرانية خلال المرحلة القادمة.
وهو الأمر الذي دفع الجانب الإيراني لإعادة انتشار القوات في تلك المناطق التي يتوقع أن يكون الجانب الأمريكي قد حددها كأهداف للاقتحام البري.
لكن من وجهة نظر عسكرية فإن هذا الخيار مستبعد، بحسب الخبير العسكري العقيد نضال أبو زيد، الذي أكد أن طبيعة التضاريس الجبلية في إيران تصعب من العملية البرية، مشبها إيران بـ "القلعة الطبيعية"، كما أن "اتساع مساحة الحدود بمختلف تضاريسها لن تصب في مصلحة أي قوة مهاجمة" بحسب تصريحات الخبير العسكري لقناة الجزيرة .
وتابع أبو زيد أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن "التوغل في العمق" سيعني مواجهة مباشرة مع بيئة جغرافية معادية وقوات برية إيرانية (الجيش والبسيج) التي "أعدت نفسها لعقود لمثل هذا اليوم".
لذا، فإن الإنزال البري الكلاسيكي بآلاف الجنود والدبابات يظل خيارا مستبعدا في المطبخ العسكري الأمريكي.
السيناريو البديلويطرح العقيد نضال أبو زيد السيناريو الأكثر ترجيحا وهو "الخيار البري المحدود والمرافق" بمعنى الخيار البري الذي يدعم الحركات الانفصالية، معتبرا أن هذا الخيار يهدف إلى:
فتح ممرات برية: لا سيما في الزاوية الجنوبية الغربية القريبة من الحدود الباكستانية. دعم الحركات الانفصالية: مثل "جيش العدل" في منطقة سيستان وبلوشستان. تكتيك "الوكيل المحلي": بدلا من أن يقاتل الجندي الأمريكي في الجبال، تقوم واشنطن بتقديم الإسناد الناري (عبر قاذفات بي-1 لانسر والمدمرات) والإسناد الاستخباري لجماعات معارضة مسلحة تتولى المهمة البرية تحت غطاء جوي أمريكي كثيف.ولفهم المشهد وفق التقديرات العسكرية وتصريحات واشنطن وطهران، فيتضح أن المشهد الحالي يدار بعقيدتين متصادمتين:
إعلان واشنطن (عقيدة الكتلة النارية): والتي تعتمد على حشد "كمي" هائل للطائرات والمدمرات جوا وبحرا ولوجستيا وذلك بعد تقدم المدمرة آرلي بيرك في مسرح العمليات والمدمرة تايسون وحاملات الطائرات، بهدف خلق حالة من الشلل التام للقدرات الإيرانية عبر قصف إستراتيجي يمهد لتلك "الممرات البرية المحدودة" وهو ما يحدث منذ عودة التصعيد مرة أخرى، وفق الخبير العسكري.ولفت إلى أن أبرز ما يعكس التحول الإستراتيجي العسكري الأمريكي هو إقحام القاذفة بي-1 لانسر وهي قاذفة بعيدة المدى متعددة المهام في معادلة المواجهة.
ويصف أبو زيد هذه القاذفة بأنها "كتلة نارية" هائلة تتجاوز سرعتها سرعة الصوت، وتمتلك قدرة تدميرية استثنائية بحمولة تصل إلى 34 ألف طن من المتفجرات، تشمل قذائف جدام وقنابل جي بي يو الخارقة للتحصينات وصواريخ كروز.
ويؤكد الخبير العسكري أن دخول هذه الطائرة تحديدا (بي-1 لانسر) يعني أن الأهداف الأمريكية لم تعد تكتيكية أو محدودة، بل انتقلت إلى مرحلة استهداف "الأصول الإستراتيجية الكبرى لإيران"، مما يعكس رغبة واشنطن في إحداث تهشيم واسع للقدرات الإيرانية الحيوية في حال اندلاع الصدام الشامل.
طهران (عقيدة الرد المتماثل): أما إيران فتكرر اعتمادها إستراتيجية الرد بـ "منشأة مقابل منشأة". فإذا فكرت واشنطن في إنزال بجزيرة خارك، فإن طهران ستضرب سلاسل إنتاج الطاقة في المنطقة برمتها، محولةً الصراع إلى "حرب طاقة عالمية" تدفع بالنفط فوق حاجز الـ 100 دولار، وفق ما ذكره مراسل الجزيرة الدغير. إسرائيل في خط المواجهةفيما يخص الدور الإسرائيلي، يرى العقيد نضال أبو زيد أن إسرائيل تحولت بالكامل إلى "قاعدة حشد" عسكرية متقدمة ومحصنة في المنطقة، حيث تم تغطيتها بمظلة دفاعية جوية هي الأكثر تعقيدا، تشمل منظومات حيتس ومقلاع داود والقبة الحديدية، بالإضافة إلى منظومة "ثاد" الأمريكية في النقب.
ويشير أبو زيد إلى أن "المطبخ العسكري" الأمريكي، رغم استخدامه التهديد بدخول إسرائيل كأداة ضغط سياسي لدفع طهران نحو المفاوضات، إلا أنه يبدي تحفظا تجاه انخراطها المباشر؛ وذلك بسبب العقيدة القتالية الإسرائيلية التي تؤمن بأن "ما لا يأتي بالقوة، يأتي بمزيد من القوة"، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف هائل للذخائر ورعونة في القرار العسكري تخرج الصراع عن السيطرة.
ومع ذلك، يؤكد أبو زيد أن الجانب الإسرائيلي أتمّ كافة استعداداته، وبات دخوله في خط المواجهة أمرا حتميا ينتظر فقط "الضوء الأخضر" السياسي من واشنطن، في ظل ما وصفه بـ "الخطأ الإيراني" المتمثل في عدم التدخل لتعطيل تلك التحضيرات داخل الأراضي المحتلة.