صوفيا- أثارت مشاركة بلغاريا في تأسيس "مجلس السلام" لغزة الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال منتدى دافوس ردود فعل واسعة في البلاد. وفاجأ ظهور رئيس الوزراء روسن جيليازكوف الرأي العام والمعارضة وشركاء بلغاريا في الاتحاد الأوروبي.

وجاء القرار عن حكومة مستقيلة من دون نقاش في الجمعية الوطنية (البرلمان)، وفي خضم أزمة سياسية عميقة، ما طرح تساؤلات حول شرعيته الديمقراطية داخليا وتداعياته الدولية المحتملة.

في ديسمبر/كانون الأول 2025، قدّم الائتلاف الحكومي المشكّل من 3 أحزاب، والذي يقوده حزب "غيرب" اليميني الوسطي، استقالته عقب احتجاجات جماهيرية واسعة وُصفت بأنها الأكبر منذ عام 1989.

وكانت شخصية النائب ديليان بيفسكي الشرارة الأساسية لتفجّر الغضب الشعبي؛ إذ يخضع لعقوبات بموجب قانون "ماغنيتسكي" الأمريكي على خلفية اتهامات بالفساد.

ويترأس بيفسكي رابع أكبر قوة سياسية في البرلمان؛ "حركة الحقوق والحريات- بداية جديدة". ورغم أنه داعم للحكومة من غير أن يشارك، فإن نفوذه فيها واسع ومؤثر. وفي 19 يناير/كانون الثاني الجاري، قدّم الرئيس رومن راديف بدوره استقالته، تمهيدا للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

من اليسار وزير الخارجية غيورغ غيورغييف والسياسي نيكولاي ملادينوف ورئيس الوزراء روسن جيليازكوف (مجلس الوزراء)غضب شعبي

في اليوم الذي سبق تأسيس "مجلس السلام"، أفادت رئاسة الجمهورية البلغارية بأن الرئيس كان قد اعتذر عن تلبية دعوة للمشاركة وجهها إليه ترمب، مرجعا قراره إلى الاستقالات المقدَّمة، وللمرة الأولى طُرح هذا الملف علنا، ما أعقبه رد فعلٍ حاد ومفاجئ من رئيس الوزراء ووزير الخارجية غورغ غورغييف.

وعقب انتهاء المراسم الرسمية، أعلن رئيس الوزراء جيليازكوف -من دافوس- عزمه إحالة الوثيقة إلى البرلمان للتصديق عليها، ما فجّر ردود فعل فورية غاضبة.

إعلان

وهددت المعارضة باللجوء إلى المحكمة الدستورية، فيما أصدر أساتذة في القانون الدولي من جامعة صوفيا بيانا شديد اللهجة يُدين الخطوة.

وبادر مواطنون إلى جمع التواقيع في عريضة احتجاجية ضد مشاركة بلادهم، جاء في نصها "إن مشاركة بلغاريا التي أعلنها روسن جيليازكوف في ما يُسمى بمجلس السلام تفتقر إلى الشرعية الديمقراطية اللازمة، وتمثّل فعلا خطيرا من التلاعب المؤسسي. وتحت غطاء أهداف إنسانية، مثل إعادة إعمار غزة وفق قرار مجلس الأمن رقم 2803، تُقحم حكومة مستقيلة البلاد في وثيقة ترمي إلى إنشاء بنية مناهضة للديمقراطية، تُقدَّم بوصفها بديلا عن الأمم المتحدة".

وزاد الغموض المحيط بكيفية اتخاذ القرار بالانضمام للمجلس من تعقيد المشهد. فبحسب وزير الخارجية، جرى اتخاذه خلال اجتماع حكومي اعتيادي صباح 21 يناير/كانون الثاني الجاري.

غير أن مصدرا طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد للجزيرة نت أنه اتُّخذ لاحقا خارج إطار الاجتماع الرسمي، وبطريقة غير حضورية عبر جمع التواقيع، من دون إبلاغ وزراء الحزب الاشتراكي البلغاري المشاركين في الحكومة، حيث إن وزراء حزبي "غيرب" و"هناك مثل هذا الشعب"، يمتلكون الأغلبية اللازمة لتمرير القرار.

وأصدر أكاديميون في القانون الدولي من جامعة صوفيا، من بينهم الأستاذ خريستو خريستيف، بيانا دعوا فيه البرلمان إلى "عدم التصديق على الاتفاقية الدولية الموقعة، لأنها تنتهك أحكاما من الدستور، فضلا عن إخلالها بالالتزامات التي تتحملها البلاد في إطار الأمم المتحدة وبصفتها دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي".

وفي تصريح للجزيرة نت، أوضح خريستيف أن منطق الدستور البلغاري يقوم على أن السياسة الخارجية تصاغ من قبل الجمعية الوطنية، فيما تتولى الحكومة تنفيذها. وعلى مدى السنوات الـ35 الماضية، جرى دائما نقاش واعتماد جميع الالتزامات الخارجية الجوهرية مسبقا داخل البرلمان. أما في حالة "مجلس السلام"، فقد تم "انتهاكُ هذا النموذج الأساسي بشكل فاضح".

وأشار إلى أن هذا الاتفاق يُنشئ منظمة دولية تتمتع بصلاحيات اعتماد قراراتها الخاصة، وهو ما يستدعي رقابة برلمانية مسبقة أكثر صرامة. وشدد على أن ميثاق المجلس، وفق ما نُشر في وسائل إعلام دولية، يتضمن نصوصا تسمح بالتطبيق المسبق للاتفاق قبل التصديق البرلماني. واعتبر ذلك "انتهاكا صريحا للدستور".

مواطنون بلغاريون جمعوا تواقيع تحت عريضة احتجاجية ضد مشاركة صوفيا في مجلس السلام (الجزيرة)مأزق دولي

من جانبه، قال رئيس الوزراء الأسبق وأحد قادة المعارضة، نيكولاي دينكوف، في مقابلة على التلفزيون الوطني البلغاري إن ما يجري "يُعد مثالا صارخا على الكيفية التي تُدخل بها أوامر ديليان بيفسكي بلغاريا في مأزق دولي خطير".

واضطر وزير الخارجية غيورغ غيورغييف إلى نفي أي صلة محتملة بين العقوبات المفروضة بموجب قانون "ماغنيتسكي" والقرار المفاجئ بالانضمام إلى "مجلس السلام" لغزة.

وأعلن أن الحكومة ستترك مسألة التصديق على الوثيقة لخليفتها المقبلة، مما دفع ديليان بيفسكي إلى التلويح بتقديم مشروع قرار إلى البرلمان يُلزم الحكومة بالمضي قدما في إجراءات التصديق.

إعلان

تعليقا على ذلك، قال أستاذ القانون الدولي خريستو خريستيف إنه لا يرى أسبابا منطقية تفسر تصرفات رئيس الوزراء. وأضاف "للأسف، لا يمكننا استبعاد الافتراضات التي تشير إلى أن هذا النهج وطريقة الانضمام إلى مجلس السلام قد تكون مرتبطة بمحاولات إخراج مواطنين بلغاريين مُدرجين على قائمة عقوبات ماغنيتسكي".

وفي محاولة لاحتواء التوتر، رد غيورغييف على الانتقادات عبر سلسلة من المقابلات مع وسائل إعلام محلية. وأكد أنه لا توجد أي مخالفة دستورية أو التزام مالي، مشيرا إلى أن المبادرة تفتح آفاقا أمام قطاع البناء البلغاري للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار في غزة.

كما تطرق إلى ملفات أساسية مرتقبة في العلاقات مع الولايات المتحدة، من بينها تجديد العمل بالإعفاء المتعلق لشركة "لوك أويل" في بلغاريا في أبريل/نيسان المقبل، وتحديث الجيش البلغاري، إضافة إلى مشروع بناء المفاعلين السابع والثامن في محطة "كوزلودوي" النووية، وتنويع مصادر الوقود النووي بالتعاون مع شركة "ويستنغهاوس".

سفيتلا ترنين: احتجاجنا يأتي ردا على انضمام بلغاريا غير الشرعي إلى مجلس السلام (الصحافة البلغارية)مصالح سياسية

وشهد أمس الأول الثلاثاء تنظيم احتجاج أمام مبنى البرلمان ومجلس الوزراء. وقالت سفيتلا ترنين، وهي منتجة سينمائية وأحد منظمي الاحتجاج، للجزيرة نت إن التظاهرة جاءت "ردا على الانضمام غير الشرعي على الإطلاق لبلغاريا إلى مجلس السلام الذي أطلقه ترمب. وحتى تسميته بحد ذاتها عبثية، إذ لا تستند إلى أي أساس في القانون أو الشرعية الدولية".

وترى أن صوفيا عززت -خلال سنوات حرب الإبادة في غزة- علاقاتها مع إسرائيل، موضحة أن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدعم بحماسة ما يُسمى "مجلس السلام. وهذا يُعد دليلا إضافيا على مدى عمق تجذر المصالح الإسرائيلية في حياتنا السياسية في الوقت الراهن".

وبخصوص دوافع الحكومة، قالت ترنين إن هناك فرضيتين أساسيتين:

الأولى: هي أن الأمر لا يعدو كونه استعراضا سياسيا، ومحاولة إيحاء صورة التقارب مع ترمب. الثانية: احتمال وجود محاولة لعقد صفقة سياسية مرتبطة بعقوبات "ماغنيتسكي".

ووفقا لاستطلاع للرأي أجراه التلفزيون الوطني، يرى 44% من البلغاريين أن بلادهم لا ينبغي أن تشارك في "مجلس السلام"، في حين يؤيد 36% هذه الخطوة، بينما 20% غير قادرين على تكوين رأي.

وتتفاقم هذه الأزمة عشية الانتخابات البرلمانية المبكرة الثامنة على التوالي منذ عام 2021، والتي من المتوقع أن تُجرى في أبريل/نيسان المقبل.

ويُرجّح أن تعيد رسم موازين القوى في البلاد بسبب توقعات بفوز الرئيس السابق رومن راديف، الذي يُنظر إليه على أنه الخصم الأبرز لرئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب "غيرب" بويكو بوريسوف، ولديليان بيفسكي، اللذين تجمعهما شراكة سياسية ممتدة منذ سنوات ونفوذ واسع في مؤسسات الدولة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رئیس الوزراء مجلس السلام بلغاریا فی

إقرأ أيضاً:

هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

علق معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة الأسبق، على أطروحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستبدال نظام الأمم المتحدة، سواء الجمعية العامة أو مجلس الأمن، بمجلس السلام الذي أنشأه، قائلا إن "الاتحاد من أجل السلام" تم تفعيله بالفعل في سياق طوفان غزة والمجازر الإسرائيلية في غزة، وصدرت قرارات من الجمعية العامة في هذا الشأن.

أضاف خلال مداخلة مع الإعلامية فيروز مكي، في برنامج "مطروح للنقاش"، المذاع على قناة القاهرة الإخبارية، أن المشكلة أن حتى قرارات مجلس الأمن، التي تصدر أحيانًا، كما حدث في القرار 2735 بشأن وقف العدوان على غزة وإدخال المساعدات، لا يتم تنفيذها، والمشكلة الأساسية في تنفيذ قرارات مجلس الأمن أو الجمعية العامة، سواء في إطار "الاتحاد من أجل السلام" أو غيره، هي الإرادة السياسية للدول، وليس أكثر من ذلك.

وواصل: "أما بالنسبة لمجلس السلام، الذي أطلقه الرئيس ترامب، فهو في تقديري فكرة غير قابلة للاستمرار، بل هي فكرة ولدت ميتة كما يبدو، فهو لم يحقق أي نتائج فعلية حتى الآن فيما يتعلق بغزة، وإنما هو في الأساس مجموعة من التحركات التي تهدف إلى اختبار مدى قدرة ترامب على التأثير، لكن الواقع أن الرئيس ترامب اتخذ موقفه وانحاز إلى إسرائيل، ويحاول دعمها في صراعها مع الجانب الفلسطيني".

واستكمل: "بعض الدول العربية وافقت على خطته فقط بهدف وقف المجازر، وليس أكثر من ذلك، وهذا هو ما تم تحقيقه فعليًا، أما ما عدا ذلك فلم يتحقق شيء، وحتى محاولات توسيع عمل مجلس السلام لتشمل ملفات أخرى، مثل أوكرانيا، كما ظهر في مسودة ميثاقه، والتي تضمنت خططًا تخص نحو 20 دولة، فقد قوبلت برفض أوروبي واضح، ما أدى إلى تراجع ترامب عن بعض هذه الطروحات".

https://www.youtube.com/shorts/vzDjQQ48AUU

مقالات مشابهة

  • مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية يجتمع مع مسؤول ألماني
  • نواب البرلمان : إحياء قلب القاهرة مشروع وطني يعزز السياحة ويدعم الاقتصاد
  • الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية الآثمة
  • العراق يرفع صادرات النفط إلى 770 ألف برميل يوميا عبر الأنابيب ويوقع اتفاقا مع سوريا
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع يلتقي وزير الدفاع الإندونيسي
  • رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية يستقبل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية يتلقى اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الكويتي
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم