لم تمر مصر خلال السنوات الأخيرة بعاصفة واحدة، بل بسلسلة عواصف متلاحقة اقتصادية وسياسية وأمنية، كان كفيلا أي منها بإرباك دول مستقرة قبل أن تكون نامية، ومع ذلك اختارت الدولة ألا تتعامل مع هذه التحديات بمنطق إدارة الأزمة، بل بمنطق بناء القدرة على الصمود، الفارق هنا جوهري، دول تبحث عن مسكنات سريعة ودولة قررت أن تتحمل الكلفة، لأنها تدرك أن تأجيل القرار أخطر من اتخاذه.
منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية كان واضحا أن الرهان الأساسي هو على البنية التحتية باعتبارها الأساس الصلب لأي نمو حقيقي، الطرق والكباري وشبكات النقل الحديثة، لم تكن مشروعات دعائية بل ضرورة لربط البنية التحتية بالاقتصاد، وتهيئة مناخ قادر على جذب الاستثمار وتقليل كلفة الإنتاج، وخلق فرص عمل حقيقية، وفي ملف الزراعة تحركت الدولة لتعويض سنوات من التعدي والفوضى التي التهمت مساحات واسعة من أجود الأراضي الزراعية بعد 2011 ؛ مشروع الدلتا الجديدة لم يأتِ بين يوم وليلة، بل جاء كاستجابة مباشرة لمعادلة الأمن الغذائي في عالم أصبح فيه الغذاء سلاحا لا يقل خطورة عن السلاح التقليدي، مياه وحياة ومعركة البقاء، بالتوازي دخلت مصر واحدة من أعقد معاركها، معركة المياه، إنشاء محطات المعالجة العملاقة، ومد شرايين الحياة في الصحراء، لم يكن مجرد توسع عمراني، بل استعداد مبكر لواقع إقليمي شديد القسوة، في ظل تهديدات مباشرة للأمن المائي، وعلى رأسها أزمة سد النهضة، هنا لم تنتظر الدولة اكتمال الخطر بل تصرفت بمنطق الدولة التي تحسب الأسوأ.
جاء كل ذلك بينما يتعرض العالم لاختلالات غير مسبوقة؛ تحرير سعر الصرف وتبعاته الاجتماعية ثم جائحة كورونا التي أربكت الاقتصاد العالمي ثم الحرب الروسية الأوكرانية التي فجّرت أزمات الغذاء والطاقة، وصولا إلى حرب غزة وانعكاساتها الإقليمية الخطيرة في هذا السياق، لم تكن مصر بمعزل عن التأثر لكنها لم تفقد توازنها.
وسط هذه الضغوط برزت محاولات واضحة لدفع مصر إلى القبول بسيناريو تهجير الفلسطينيين تحت لافتات إنسانية أو ترتيبات مؤقتة، لكنها في جوهرها كانت تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وإعادة رسم خرائط المنطقة وكان من السهل نظريا أن تختار القاهرة طريق الحلول السريعة مقابل مكاسب اقتصادية عاجلة.
لكن الدولة اختارت المسار الأصعب، الرئيس السيسي حسم الأمر مبكرا وبلا مواربة؛ لا تهجير ولا حلول على حساب الأرض، كان هذا الموقف تعبيرا واضحا عن فهم عميق لتاريخ المنطقة وتجربة قاسية مع حلول تُسوَّق كإنقاذ ثم تتحول إلى ألغام.
هذا الثبات فرض واقعا جديدا على الأطراف الدولية ودفع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب إلى مراجعة مقاربتها والانتقال من منطق الحلول القسرية إلى مسار سياسي أكثر واقعية. وفي هذا الإطار عاد الدور المصري ليتصدر المشهد عبر استضافة مؤتمر السلام في شرم الشيخ، بحضور ترامب وعدد من قادة العالم، في خطوة أنهت الحرب في غزة وفتحت الباب أمام ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، كان لمصر فيها دور محوري بحكم الخبرة والقدرة على إدارة التوازنات.
حفظ الله مصر، حفظ الله الجيش.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: حفظ الله مصر حفظ الله الجيش الرئيس السيسي القضية الفلسطينية الإدارة الأمريكية
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.