غزة - خاص صفا

لا تظهر غزة في خطاب مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر بوصفها أرضًا محتلة، بل منطقة "متعثّرة اقتصاديًا"، تحتاج إلى إدارة جديدة ورأس مال جريء، هكذا تُختزل واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العالم إلى معادلة استثمارية باردة، تُسوَّق تحت شعار الإعمار، بينما تُخفى خلفها محاولة منظمة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية خارج سياقها السياسي والحقوقي.

وتعتمد مقاربة كوشنر على نزع الطابع التحرري عن غزة، وتحويلها من رمز للصمود والمقاومة إلى “مشروع تنموي”، في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الدمار الناتج عن الحروب والحصار كجريمة احتلال، بل كفرصة لإعادة البناء وفق شروط جديدة، تُفرض من الخارج، وتخدم مصالح سياسية إقليمية ودولية.

هذا التحول الخطير وفق كتاب ومحللون سياسيون، يعني عمليًا نقل الصراع من كونه صراعًا على الأرض والحقوق، إلى نقاش حول الجدوى الاقتصادية والعوائد الاستثمارية.

طرح قديم

الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أكد أن مقترح كوشنير طرحٌ غير جديد بالنسبة للفلسطينيين، فهذا الطرح يعيد إنتاج النمط الذي طُرح في منتصف تسعينيات القرن الماضي تحت مسمّى "سنغافورة الشرق الأوسط" و"ريفيرا"، والقائم على تسويق مشاريع أبراج وفنادق ومنتزهات بمعزل عن جوهر القضية.

وقال القرا في حديثه لوكالة "صفا"، إن "هذا الطرح مرتبط بمؤتمر دافوس، حيث يختزل قطاع غزة في بُعد اقتصادي بحت، وكأنه منطقة تعاني الفقر فقط، متجاهلًا وبشكل متعمد حقيقة أن ما دمّر غزة هو الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف أن هذه المقترحات الاقتصادية تُجرَّد بالكامل من بُعدها الجغرافي والسياسي، ما يعكس بوضوح تطابق الموقف الأمريكي مع الرؤية الإسرائيلية، دون أي تحول حقيقي في المقاربة.

وتابع القرا أن هذه المحاولات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية–أمريكية مستمرة، تنبع من رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تتعامل مع القضايا الدولية بمنطق اقتصادي بحت، كما يحدث في ملفات أخرى حول العالم، معتبرًا أن تطبيق هذا المنطق على غزة يتجاهل بعدها السياسي والإنساني والمجتمعي.

وشدد على أن فشل هذه الخطط متوقع، لأسبابٍ منها طبيعة قطاع غزة الجغرافية والديموغرافية، وغياب أي حلٍ سياسي فعلي، فضلا عن رفض الشعب الفلسطيني أي مشاريع تُفرض عليه وتُنفذ على حساب حقوقه الوطنية.

وأشار المحلل السياسي إلى خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث يتشبث الغزّي بأرضه ووطنه رغم المجاعة والإبادة، ولا يمكن أن يقبل حلولًا بديلة تنتقص من حقه.

واعتبر القرا أن المدخل الصحيح لأي معالجة يبدأ أولًا بالاعتراف بأن ما يجري في غزة هو قضية سياسية أساسها الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا بأن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تُنفذ بأيدٍ فلسطينية قادرة على النهوض بالقطاع.

وأوضح أن غزة تحتاج إلى إعادة إعمار حقيقية لا إلى مشاريع اقتصادية ضخمة وأحلام استثمارية يصعب تطبيقها في ظل الواقع القائم.

نوايا خفية

بدوره، أكد الكاتب والباحث السياسي محمد القيق أن الحديث الأمريكي–الإسرائيلي المتكرر عن إعمار غزة واليوم التالي لا يعكس نية حقيقية لإعادة الإعمار، بل يخفي خلفه ترتيبات مالية وسياسية تخدم الإدارة الأمريكية ومصالحها.

وقال القيق لوكالة "صفا"، إن ما يُسمّى بـ مشروع مجلس السلام لا يستهدف إعادة إعمار القطاع بقدر ما يسعى إلى تفكيك التواصل الجغرافي والسياسي للمنطقة العربية.

وأضاف أن الأخطر في هذا المجلس هو طابعه المالي الإقصائي، إذ تُقدَّر عضويته بمليار دولار، ومن أراد المشاركة في الإعمار عليه أن يدفع، في مشهد يعكس فتح حسابات مالية جديدة على حساب الفلسطينيين، تحت غطاء إنساني ودولي زائف.

وشدد على أن هذا المسار يعزز الهيمنة الأمريكية، ويعمل على إبعاد المؤسسات الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، عن واجهة المشهد، إذ إن التبرعات ستُدار عبر القنوات الأمريكية حصراً، ما يشكّل تهميشًا مباشرًا للشرعية الدولية.

المصدر

المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية

كلمات دلالية: جاريد كوشنر أمريكا إعمار غزة إعادة إعمار غزة غزة

إقرأ أيضاً:

دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة

غزة - صفا

خلصت دراسة تحليلية إلى أن المواطنين في قطاع غزة نجحوا في تطوير أشكال من الحوكمة المجتمعية غير الرسمية أسهمت في إدارة الموارد المحدودة وتوفير الغذاء والإيواء والتعليم والرعاية الاجتماعية، مستندين إلى مخزون متراكم من الرأسمال الاجتماعي والمرونة المجتمعية التي تشكلت عبر عقود من الحصار والحروب والأزمات المتعاقبة.

جاء ذلك في دراسة  تحليلية اجتماعية جديدة أصدرها المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، يوم الثلاثاء بعنوان "إعادة إنتاج المجتمع تحت النار: دراسة تحليلية في تحولات التضامن الاجتماعي بقطاع غزة".

وتناولت الدراسة الكيفية التي تمكن بها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة من إعادة تنظيم شبكاته الاجتماعية وآليات التكافل المجتمعي في ظل الحرب والتدمير واسع النطاق الذي طال مختلف مناحي الحياة.

وبحثت الدراسة في التحولات التي شهدتها أنماط التضامن الاجتماعي خلال الحرب، ودور العائلة الممتدة والمبادرات المجتمعية والمطابخ الجماعية والنساء والشباب في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك المجتمعي واستمرارية الحياة اليومية رغم الانهيار الواسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وناقشت الدراسة حدود هذه الشبكات ومخاطر استنزافها مع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، مؤكدة أن جهود التعافي وإعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء البنية المادية، بل يجب أن تشمل أيضًا تعزيز البنية الاجتماعية التي شكلت أحد أهم عوامل الصمود الفلسطيني خلال الحرب.

مقالات مشابهة

  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • إسرائيل ترسم «منطقة عازلة» في جنوب سوريا
  • القضية الفلسطينية تتصدر لقاء السيسي ووفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية (فيديو)
  • بعد حجازي والفرج.. رباعي جديد يرحل عن نيوم
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي
  • فريق طبي بمستشفى بنها الجامعي ينجح في استخراج قطعة خشبية من وجه مريض وإنقاذ العصب السابع
  • مهارة تُنقذ حياة.. قلب جامعة قناة السويس ينجح في تدخل قسطري بالغ الدقة لإنقاذ مسنة