NYT: الهجوم على إلهان عمر جاء بعد سنوات من شيطنة ترامب لها ونزع الإنسانية عنها
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا قالت فيه إن الهجوم على النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، إلهان عمر جاء نتيجة سنوات من استهداف ترامب لها، فقد أمضى الرئيس سنوات في تشويه صورة الديمقراطية الصومالية الأصل وتجريدها من إنسانيتها، ما أدى إلى تصاعد التهديدات ضدها.
وبينما كان الرئيس ترامب يثير حماسة حشد في تجمعٍ انتخابي مساء الثلاثاء، واصفا المهاجرين بأنهم عازمون على إيذاء وقتل الأمريكيين، خص بالذكر شخصا واحدا كمثال على هذا السلوك السيئ.
وقال لجمهوره في ولاية أيوا: "على الأجانب القادمين إلى الولايات المتحدة أن يثبتوا حبهم لبلدنا وأن يكونوا فخورين به، لا مثل إلهان عمر".
???????? Trump about the attack on Congresswoman, Ilhan Omar that allegedly was staged (many X users think):
"She probably had herself sprayed"
He also said that she came from the country where "pirates rule": https://t.co/39ighz0EcM pic.twitter.com/W5Pgr9KKoe — Lord Bebo (@MyLordBebo) January 28, 2026
وقد استهجن الحشد، لقد عرفوا اسم عضوة الكونغرس الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، التي شيطنها الرئيس وجردها من إنسانيتها لسنواتٍ طويلة بهجمات عنصرية وكراهية للأجانب، مطالبا إياها بالعودة إلى بلدها، واصفا إياها بـ"القمامة" وساخرا من حجابها واصفا إياه بـ"العمامة الصغيرة".
بعد ذلك بوقتٍ قصير، وفي فعالية خاصة بها في شمال مينيابوليس، تعرضت عمر لهجومٍ من رجلٍ اقتحم المنصة التي كانت تلقي عليها كلمتها، ورشها بسائل ذي رائحة نفاذة.
BREAKING: After being targeted by trump nonstop with his negative attacks, Rep. Ilhan Omar has been physically attacked with a liquid substance.
Every Republican must condemn this attack, or keep their mouths shut when it happens to them. pic.twitter.com/kdpmSx5fNw — BrooklynDad_Defiant!☮️ (@mmpadellan) January 28, 2026
وكان المشهد، الذي تزامن مع دعوة عمر لاستقالة كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي التي نفذت حملة ترامب على الهجرة، صادما ولكنه لم يكن مفاجئا.
فقد كان هذا كما تقول الصحيفة وبالتحديد نوع الموقف الذي دفع العديد من المشرعين إلى إلغاء لقاءاتهم الجماهيرية، في عصر تصاعدت فيه التهديدات بالعنف ضد المسؤولين الحكوميين بشكل كبير، حتى باتت جزءا روتينيا ومخيفا من عملهم.
ومع ذلك تظل عمر حالة خاصة نوعا ما، فهي امرأة مسلمة من أصل صومالي انتخبت لعضوية الكونغرس في عصر اتسم بهجمات ترامب المتعصبة ضد المهاجرين. وتعتبر التهديدات التي وجهت إليها بالقتل الأعلى من بين المشرعين الأمريكيين.
تخصيص حماية أمنية على مدار الساعة لعمر
وتضيف الصحيفة أنه عندما تصاعدت تلك التهديدات بعد أن استهدفها ترامب بالاسم، تم تخصيص حماية أمنية على مدار الساعة لعمر من قبل شرطة الكابيتول. هذه الحماية الإضافية متاحة وفقا لتقدير رئيس مجلس النواب.
لكنها أشارت في مقابلة أجريت معها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي إلى أن رئيس المجلس الجمهوري عن ولاية لويزيانا، مايك جونسون، لم يعرض عليها هذه الحماية طوال العام الماضي. وبعد الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء، قدمت عمر طلبا رسميا لتوفير حماية إضافية من شرطة الكابيتول، ووافق جونسون، وفقا لشخصين مطلعين على الأمر.
كما أطلقت عمر حملة نداء لجمع التبرعات لمساعدتها في تحمل تكاليف الحماية الأمنية الخاصة التي غالبا ما ترافقها عند ظهورها في الأماكن العامة، كما كان الحال يوم الثلاثاء، وقد كانت تدرك احتمال اندلاع أعمال عنف عندما دخلت قاعة المدينة، مستعدة لمخاطبة مجتمع متوتر بعد مقتل الممرض أليكس بريتي على يد عملاء الهجرة الفدراليين.
وعندما تعرضت للهجوم، ردت عمر بتحد، لم تختبئ خلف المنصة وانقضت غريزيا على الرجل الذي هاجمها وأصرت على إكمال كلمتها رغم محاولات حراسها وموظفيها إقناعها بالتراجع. كما ولم تلغِ فعالياتها الأخرى لهذا الأسبوع، وعقدت مؤتمرا صحافيا في مركز كارمل التجاري بمدينة مينيابوليس يوم الأربعاء. وباختصار، لم تبد عمر أي ردة فعل تذكر.
كشفت عن شخصية عمر كـ"مقاتلة شرسة"
وقالت بهدوء وهي تغادر قاعة الاجتماعات في رابطة المدن التوأم الحضرية بعد انتهاء فعاليتها: "هذه هي طبيعتي"، مذكرة مراسل "سي أن ان" بأنها ناجية من الحرب"، وتعلق الصحيفة أن ردة فعلها على الحادثة كشفت عن شخصية عمر كمقاتلة شرسة، إذ أن صمودها في وجه سنوات من الهجمات التي صورتها كمخربة سياسية خطيرة لم يزد السيد ترامب إلا جرأة.
فقد شن هجوما لاذعا عليها مستخدما لغة عنيفة من شأنها أن تحفز المتطرفين وتستفز اعتداءات كتلك التي وقعت يوم الثلاثاء. وقال النائب الديمقراطي عن ولاية تكساس، غريغ كاسار في مقابلة يوم الأربعاء: "إن صلابة إلهان في مواجهة المتنمرين والتهديدات هي ما يثير غضب أشخاص مثل دونالد ترامب".
وتقول "نيويورك تايمز" كان رد فعل إلهان عمر متماسكا لدرجة أن خصومها السياسيين على الإنترنت استغلوه لدعم نظرية المؤامرة التي تزعم أن الهجوم كان مدبرا، وهو اتهام سارع ترامب إلى تبنيه بنفسه. وقال لشبكة "أي بي سي نيوز": "ربما تكون السيدة عمر قد تعرضت للرش بنفسها، فأنا أعرفها جيدا".
ومع ذلك كان من الصعب فصل الهجوم عن سنوات من الإهانات والشتائم التي وجهها ترامب لعمر، والتي جعلتها هدفا له لسنوات، وفي اجتماع لحكومته، وصف الرئيس عمر بـ"القمامة". وفي تجمع انتخابي في بنسلفانيا، اشتكى من أن عمر "لا تفعل شيئًا سوى التذمر"، وأضاف: "لماذا لا نقبل إلا الناس من الدول البائسة؟".
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن ترامب على موقع "تروث سوشيال" أن وزارة العدل تحقق مع عمر التي زعم أنها "غادرت الصومال معدمة، ويقال إن ثروتها الآن تتجاوز 44 مليون دولارا".
وتظهر إفصاحات عمر المالية أن زوجها، وهو مستثمر مالي يحقق ملايين الدولارات من الدخل، لكن لم يتضح كيف توصل الرئيس إلى رقم 44 مليون دولارا. ويبدو أن التحقيق في الشؤون المالية عمر، الذي بدأ في عهد إدارة بايدن، قد توقف لعدم كفاية الأدلة.
وفي الوقت نفسه، استهدف ترامب الصوماليين بشكل عام، قائلا: "لا أريدهم في بلادنا"، وهو شعار بدأ استخدامه خلال ولايته الأولى عندما كان يحث الحشود في تجمعاته الانتخابية على الهتاف والتشجيع للمطالبة بعودة عمر إلى بلدها الأصلي.
ساهم ترامب في نشر نظرية المؤامرة
ولسنوات، ساهم ترامب أيضا في نشر نظرية المؤامرة التي لا أساس لها من الصحة، والتي تزعم أنها كانت متزوجة من شقيقها وتقيم في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني.
وقال ترامب في تجمع انتخابي له في بنسلفانيا في كانون الأول/ديسمبر: "يجب أن تغادر فورا! اطردوها! إنها لا تفعل شيئًا سوى التذمر". ورد الحشد بالهتاف: "أعيدوها! أعيدوها!".
ومن المثير أنه بعد محاولات الاغتيال التي استهدفت ترامب خلال حملة عام 2024 واغتيال تشارلي كيرك، الشخصية اليمينية المؤثرة، ألقى الجمهوريون باللوم على الخطاب الحاد الذي استخدمه الديمقراطيون ضد الرئيس وأتباعه السياسيين في اندلاع العنف، إلا أن هذا لم يمنع ترامب من مواصلة حملته لتأجيج الصراع ضد خصومه السياسيين.
وقد كانت عمر في الثامنة من عمرها عندما فرت عائلتها من الصومال بسبب الحرب الأهلية. وعاشت في مخيم للاجئين في كينيا لمدة أربع سنوات قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة وتحصل على الجنسية الأمريكية.
وانتخبت عام 2018 كواحدة من أول امرأتين مسلمتين تنتخبان للكونغرس، وتزامن ظهورها الإعلامي على المستوى الوطني مع كونها هدفا دائما لترامب، وقد كثفت عمر دفاعها ردا على ترامب، وفي إحدى المرات، نشرت تسلسلا زمنيا لتاريخ زواجها وطلاقها، في محاولة لدحض الشائعة التي لا أساس لها من الصحة حول زواجها من شقيقها.
وعلقت نينا يانكوفيتش، وهي متخصصة بارزة في مجال التضليل الإلكتروني، والتي درست الهجمات ضد عمر، قائلة إنها كانت من أكثر المشرعين تعرضا للهجوم لسنوات، حيث عملت تحت وطأة سيل متواصل من الاتهامات بسوء السلوك والفساد، فضلا عن كونها موضوعا دائما للشائعات ذات الطابع الجنسي.
وأضافت جانكوفيتش، التي ترأست لفترة وجيزة مجلسا حكوميا في إدارة بايدن أُنشئ لمكافحة التضليل الإعلامي، مشيرة إلى "الفرقة" وهي مجموعة الشابات التقدميات في الكونغرس: "لقد أثبتت عمر وبقية أعضاء "الفريق" أنهن لا يتأثرن بالهجمات الشنيعة العديدة التي تعرضن لها على مر السنين"
وأضافت: "المرء يكتسب مناعة ضد هذه الهجمات، ولكنه يصبح أيضا متشائما بعض الشيء، وهو ما قد يكون خطيرا"، وبعد الهجوم الذي وقع ليلة الثلاثاء، حمل حلفاء عمر ترامب المسؤولية، مشيرين إلى أنه قد أشعل فتيل العنف من خلال خطابه العنصري.
وقالت النائبة الديمقراطية عن ولاية نيويورك، ألكسندر أوكاسيو- كورتيز بمنشور على الإنترنت: "ليس من قبيل المصادفة أن تتعرض النائبة عمر للاعتداء في اجتماعها الجماهيري بعد أيام من شن الرئيس ترامب ونائبه فانس هجمات علنية تشهيرية عليها. إذا كانوا يريدون من القادة كبح جماح هذه التصرفات، فعليهم أن يراجعوا أنفسهم".
التحريض ضدها بسبب تصريحاتها المعادية لـ"إسرائيل"
وقالت الصحيفة إن عمر تعرضت للهجوم بسبب تصريحاتها المعادية لإسرائيل والتي وصفت بمعاداة السامية. وفي عام 2019 انتقدها الجمهوريون والديمقراطيون لما أوحت به من أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل لا يهمها سوى المال.
وفي عام 2023 صوت مجلس النواب، وفقا لانتماءات أعضائه الحزبية، على إقالة عمر من لجنة الشؤون الخارجية بسبب تصريحاتها السابقة حول إسرائيل. وردّت السيدة عمر بتحد معهود.
وقالت عمر في مجلس النواب حينذاك: "صوّتوا أو لا، أنا باقية هنا. أنا مسلمة ومهاجرة ومن المثير للاهتمام أنني من أفريقيا. هل يفاجأ أحد باستهدافي؟ هل يفاجأ أحد بأنني أُعتبر غير جديرة بالحديث عن السياسة الخارجية الأمريكية؟".
ومع ذلك، بدا أن هجوم ليلة الثلاثاء قد تجاوز الخطوط الحمراء حتى بالنسبة للجمهوريين أنفسهم الذين انتقدوا السيدة عمر في الماضي. وفي هذه الأيام، قالت عمر إنها تفترض أن الجالية الصومالية في مينيسوتا قد استُهدفت جزئيًا لأنها أصبحت هاجسًا شخصيًا للرئيس.
ومع ذلك، قالت إنها تعتقد أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع المتنمر هي الاستمرار في مواجهته. وبعد هجوم ليلة الثلاثاء، كتبت على الإنترنت: "أنا بخير" و "أنا ناجية، ولن يرهبني هذا المحرض الصغير عن أداء عملي، لن أدع المتنمرين ينتصرون".
وردت عمر على إعلان وزارة العدل عن تحقيقٍ بالتحدي نفسه قائلة: "معذرة يا ترامب، شعبيتك تتراجع وأنت في حالة ذعر".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية إلهان عمر ترامب امريكا ترامب إلهان عمر الهجرة الأمريكية الصوماليون صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إلهان عمر عن ولایة سنوات من ومع ذلک
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026