ليست المرة الأولى التي تمدّ فيها الدوحة يدها إلى لبنان، لكنّ اللافت هذه المرّة هو شكل العودة ومضمونها. فبدل الاكتفاء بعنوان عريض عن "مساعدات"، جاءت الحزمة القطرية الأخيرة بصيغة أقرب إلى "سلّة" متكاملة: كهرباء، مشاريع مرتبطة بالطاقة، دعم مباشر للجيش، مبادرات اجتماعية وتعليمية، ومشروع منظّم للعودة الطوعية للنازحين السوريين، بالتوازي مع لغة سياسية تربط الاستقرار اللبناني باستقرار المنطقة.


 
صحيح أنّ قطر قد تكون من بين دول قليلة لم تسحب يدها عن لبنان حتى في مرحلة "الانكفاء" العربي والخليجي عنه، إلا أنّ مبادرة الدوحة المتجدّدة، التي تأتي عشيّة مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوات الأمن، تبدو أكثر براغماتية، وقد تضمّنت أرقامًا واضحة، وبرامج تنفيذية، وآليات شفّافة، مع تأكيد المسؤولين القطريين أن ما أُعلن حاز الموافقات الرسمية المطلوبة، وسيُترجم إلى تنسيق مباشر مع الجهات المعنية.
 
لكن، في بلدٍ اعتاد أن تتحوّل المساعدات فيه إلى مادة سجال داخلي أو إلى "منّة" تُستهلك إعلاميًا، لا يكفي أن تكون المبادرة إيجابية كي تُنتج نتائج تلقائية، حتى لو اقترنت بآليات تنفيذية شفّافة. فالحزمة نفسها تكشف بوضوح عن "شرط غير معلن" لأي دعم خارجي، قوامه وجود دولة قادرة على الاستيعاب والتنفيذ، وإلا تحوّلت الفرصة إلى محطة جديدة في سجل الهدر أو التعطيل أو تسييس المشاريع، وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
 
من الكهرباء إلى الجيش
 
 
في زيارته الأخيرة، تحدّث وزير الدولة في الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي عن مساعدات جديدة للبنان، من بينها منحة بقيمة 40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، بالتوازي مع مشروع اقتصادي لدعم القطاع نفسه بقيمة 360 مليون دولار يستفيد منه نحو مليون ونصف مشترك. هذه الأرقام وحدها تشرح لماذا وُضع ملف الكهرباء في صدارة "سلّة" الدعم، فهو عنوان يومي يمسّ حياة الناس مباشرة، فضلاً عن كونه بوابة إصلاح تُقاس عبرها جدّية الدولة.
 
القيمة السياسية هنا لا تقلّ عن القيمة المالية. فحين تُخصَّص كتلة الدعم الأكبر لقطاع طالما ابتلع الوعود والتمويل من دون نتائج مستدامة، يصبح السؤال الداخلي أهم من السؤال الخارجي: هل تمتلك الحكومة الأدوات الإدارية والرقابية لتوجيه هذه الموارد حيث يجب، بعيدًا عن منطق "الترقيع"؟ وهل تستطيع تحويل الدعم إلى مسار يثبت أن الإصلاح ليس شعارًا موسميًا بل آلية عمل؟
 
وبانتظار تبلور الإجابة التي يفترض أن يُبنى عليها الكثير، لم يكن مستغرَبًا أن يكون الجيش مشمولاً بالمساعدات القطرية، علمًا أنّ الدوحة كانت خلال السنوات الماضية من أبرز الداعمين للمؤسسة العسكرية عبر دعم الرواتب وتأمين المحروقات، وهي الآن تعلن برنامج توريد 162 مركبة لتعزيز القدرات، مع تسليم دفعة أولى من 37 آلية. ولا شكّ أنّ هذا النوع من الدعم يكتسب رمزية إضافية في توقيتٍ تتزايد فيه الأعباء الميدانية واللوجستية على المؤسسة العسكرية، وتتصاعد فيه رهانات الداخل والخارج على دورها كصمام أمان.
 
"فرصة اختبار" للبنان
 
على أهمية الدعم القطري في مختلف القطاعات، تبقى الدلالات السياسية هي الأهمّ، ولا سيما أنّ الدوحة لا تفصل الدعم الأمني عن الإطار السياسي. ففي اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري بالمبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، جرى التشديد على أن استقرار لبنان ركيزة لاستقرار المنطقة، وعلى ضرورة الالتزام بتطبيق القرار 1701 واحترام السيادة اللبنانية وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية، مع تنويه بدور "الخماسية" واستمرار التنسيق مع الشركاء.
 
يقول العارفون إنّ هذا الربط يعني بشكل أساسي أنّ قطر تدعم "الدولة" كفكرة ومؤسسات، لا مجرد قطاع معزول، وهنا تبرز الإشارة إلى تنسيق قطري-سعودي في مقاربة الدعم، بما يعكس محاولة لتجميع مظلة عربية داعمة بدل ترك لبنان يتأرجح بين مبادرات متفرقة. وحتى لو اختلفت الروايات حول طبيعة هذا التنسيق وحدوده، فإن مجرد إدخاله في الصورة يوجّه رسالة سياسية عشية مؤتمر باريس، عنوانها تكامل الدعم العربي لحماية لبنان من التحولات الإقليمية الدراماتيكية.
 
من هنا، يبدو الدعم القطري أقرب إلى "فرصة اختبار" للبنان الرسمي. فمن ناحية، هو دعم يحمل مؤشرات إيجابية، مع قناة تنفيذية عبر صندوق قطر للتنمية، ومن ناحية ثانية، هو اختبار لقدرة الدولة على إدارة ملفات متشابكة، من الكهرباء إلى الجيش مرورًا بالنازحين، وكلّها ملفات حسّاسة. لكنّ أهمّ ما في هذا الدعم أنه يراهن على المؤسسات لا على الانقسامات، وهذا وحده يستحق مقاربة إيجابية، ولكن أيضًا تلقفًا للمسؤولية من الطرف الآخر.
 
في المحصّلة، ليس مبالَغًا به القول إنّ قطر التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان، تقدّم له الدعم اليوم من بوابة أخرى، وبمنطق "الاستثمار في الاستقرار"، عبر دعم الجيش باعتباره مؤسسة جامعة، ودفع قطاع الكهرباء باعتباره العصب الأكثر إلحاحًا، وغير ذلك. لكن القيمة النهائية لهذه المقاربة ستتحدد في بيروت لا في الدوحة، وعنوان ذلك الردّ على سؤال بسيط، ولكن إشكاليّ: هل تُحسن الدولة التقاط الفرصة وتحوّلها إلى مسار عمل قابل للقياس، أم يُترك الدعم في مهب الحسابات الضيقة فيتبخر مفعوله؟ المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة فعاليات "Pitch" تعود إلى بيروت لتعزيز ريادة الأعمال وربطها بالاغتراب Lebanon 24 فعاليات "Pitch" تعود إلى بيروت لتعزيز ريادة الأعمال وربطها بالاغتراب 29/01/2026 21:55:46 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 أردوغان: الجيش السوري أدار معركته ضد الأكراد بـ "حكمة" وتجاوز الاختبار Lebanon 24 أردوغان: الجيش السوري أدار معركته ضد الأكراد بـ "حكمة" وتجاوز الاختبار 29/01/2026 21:55:46 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 "فيتش" تعدل النظرة المستقبلية لتركيا إلى "إيجابية" Lebanon 24 "فيتش" تعدل النظرة المستقبلية لتركيا إلى "إيجابية" 29/01/2026 21:55:46 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 بوتين: العلاقات بين روسيا وإيران "تتطور بشكل إيجابي للغاية" Lebanon 24 بوتين: العلاقات بين روسيا وإيران "تتطور بشكل إيجابي للغاية" 29/01/2026 21:55:46 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 لبنان مقالات لبنان24 قد يعجبك أيضاً بأكثريّة 59 صوتاً... مجلس النواب صادق على موازنة العام 2026 Lebanon 24 بأكثريّة 59 صوتاً... مجلس النواب صادق على موازنة العام 2026 14:46 | 2026-01-29 29/01/2026 02:46:25 Lebanon 24 Lebanon 24 لقاء اعلامي تنسيقي بين حركة"أمل" و"حزب الله" Lebanon 24 لقاء اعلامي تنسيقي بين حركة"أمل" و"حزب الله" 14:35 | 2026-01-29 29/01/2026 02:35:36 Lebanon 24 Lebanon 24 مقدمات نشرات الاخبار المسائية ليوم الخميس 29/1/2026 Lebanon 24 مقدمات نشرات الاخبار المسائية ليوم الخميس 29/1/2026 14:21 | 2026-01-29 29/01/2026 02:21:31 Lebanon 24 Lebanon 24 هذه آخر أجواء جلسة مناقشة الموازنة Lebanon 24 هذه آخر أجواء جلسة مناقشة الموازنة 14:12 | 2026-01-29 29/01/2026 02:12:26 Lebanon 24 Lebanon 24 كرامي أدانت وقوع صدامات بين الأساتذة المعتصمين والقوى الأمنية Lebanon 24 كرامي أدانت وقوع صدامات بين الأساتذة المعتصمين والقوى الأمنية 14:05 | 2026-01-29 29/01/2026 02:05:53 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة إسرائيل تتحدث عن وفيق صفا.. ماذا قال تقريرٌ عنه؟ Lebanon 24 إسرائيل تتحدث عن وفيق صفا.. ماذا قال تقريرٌ عنه؟ 15:51 | 2026-01-28 28/01/2026 03:51:49 Lebanon 24 Lebanon 24 العثور على نجمة باب الحارة هدى الشعراوي مقتولة داخل منزلها Lebanon 24 العثور على نجمة باب الحارة هدى الشعراوي مقتولة داخل منزلها 08:15 | 2026-01-29 29/01/2026 08:15:34 Lebanon 24 Lebanon 24 مُفاجأة "فلكية" عن خامنئي.. إليكم ما توقعه تقرير إسرائيلي Lebanon 24 مُفاجأة "فلكية" عن خامنئي.. إليكم ما توقعه تقرير إسرائيلي 15:15 | 2026-01-28 28/01/2026 03:15:10 Lebanon 24 Lebanon 24 لماذا ألغى العسكريون المتقاعدون التظاهرة الكبرى اليوم؟ مصدر عسكري يكشف Lebanon 24 لماذا ألغى العسكريون المتقاعدون التظاهرة الكبرى اليوم؟ مصدر عسكري يكشف 05:30 | 2026-01-29 29/01/2026 05:30:03 Lebanon 24 Lebanon 24 رفع سن التقاعد إلى 66 Lebanon 24 رفع سن التقاعد إلى 66 01:15 | 2026-01-29 29/01/2026 01:15:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك عن الكاتب حسين خليفة - Houssein Khalifa أيضاً في لبنان 14:46 | 2026-01-29 بأكثريّة 59 صوتاً... مجلس النواب صادق على موازنة العام 2026 14:35 | 2026-01-29 لقاء اعلامي تنسيقي بين حركة"أمل" و"حزب الله" 14:21 | 2026-01-29 مقدمات نشرات الاخبار المسائية ليوم الخميس 29/1/2026 14:12 | 2026-01-29 هذه آخر أجواء جلسة مناقشة الموازنة 14:05 | 2026-01-29 كرامي أدانت وقوع صدامات بين الأساتذة المعتصمين والقوى الأمنية 13:59 | 2026-01-29 شيف يُحذّر: أزمة أميركية قادمة… والدولار في قلب العاصفة فيديو مسلسل رمضاني يُثير الجدل قبل عرضه.. يتضمن ألفاظا غير مناسبة! (فيديو) Lebanon 24 مسلسل رمضاني يُثير الجدل قبل عرضه.. يتضمن ألفاظا غير مناسبة! (فيديو) 04:41 | 2026-01-29 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 ابتلع المركبات وحطم الأحياء.. فيديو مُخيف لانهيار جليدي في هذه الدولة Lebanon 24 ابتلع المركبات وحطم الأحياء.. فيديو مُخيف لانهيار جليدي في هذه الدولة 23:47 | 2026-01-28 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 حاسب لوحي جديد من هواوي.. هذه مواصفاته (فيديو) Lebanon 24 حاسب لوحي جديد من هواوي.. هذه مواصفاته (فيديو) 01:00 | 2026-01-28 29/01/2026 21:55:46 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

المصدر

المصدر: لبنان ٢٤

كلمات دلالية: Lebanon 24 م

إقرأ أيضاً:

5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟

يستعرض موقع صدي البلد تفاصيل تعظيم الإيرادات الضريبية لدعم الخزانة العامة وفقا لمشروع قانون مقدم من الحكومة للنواب ووافقت  لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب ، خلال اجتماعها اليوم برئاسة الدكتور محمد سليمان علي مشروع قانون "أيلولة نسبة من الأرباح الصافية للشركات المملوكة للدولة للخزانة العامة المقدم من الحكومة بحضور وزير المالية أحمد كجوك فيما يلي:

و ينص مشروع القانون على فرض التزاماً ضريبياً  على الشركات المملوكة للدولة،  و أيلولة نسبة من صافي الأرباح  للشركات المستهدفة إلى الخزانة العامة للدولة.

 تعظيم الإيرادات الضريبية لدعم الخزانة العامة

و أدخلت اللجنة تعديلا هاما على نص القانون، حيث عدلت نسبة الشركات التي تساهم فيها الدولة بنسبة تزيد عن 30%، فعدلت اللجنة هذه النسبة لتصبح “تزيد عن 50%”.

ويهدف مشروع القانون، إلى تعظيم الإيرادات الضريبية لدعم الخزانة العامة في مواجهة النفقات المتزايدة، والتصدي لممارسات بعض الكيانات التي تسعى إلى تجنب الالتزامات الضريبية، وذلك في ظل التداعيات الاقتصادية العالمية الناجمة عن التوترات السياسية والحروب والعقوبات الاقتصادية.

وينص مشروع القانون – الذي جاء في مادة واحدة بالإضافة إلى مادة النشر – على التزام مجالس إدارات الشركات التي يكون رأسمالها مملوكاً بالكامل للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة، وكذلك الشركات التي تساهم فيها الدولة أو هذه الأشخاص بنسبة تزيد عن تزيد عن 50٪ بأداء هذه النسبة من الأرباح الصافية للخزانة العامة.

كما نص على التزام مجالس إدارات الشركات التي يكون رأسمالها مملوك بالكامل  للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة، وذلك أيا كان النظام القانوني الذي تخضع له هذه الشركات، بتجنيب نسبة (5%) من صافي الربح .

وذلك بعد تغطية الخسائر المرحلة وقبل تجنيب أية احتياطات، ما لم يكن من شأن تجنيب هذه النسبة منع الشركة من أداء التزاماتها النقدية في مواعيدها، وتعد هذه النسبة إيرادات ضريبية وتؤول حصيلتها خلال أربعة أشهر من تاريخ إقفال السنة المالية إلى الخزانة العامة للدولة لدعم مواردها.

و جاءت الفقرة الأخيرة من هذه المادة لتنص على جواز استثناء بعض الشركات من أحكام هذا القانون، وذلك بموجب قرار من مجلس الوزراء بناء على طلب السلطة المختصة وبعد عرض وزير المالية لمدة محددة 

واستثنت المادة الأولى من المشروع الشركات المنشأة تنفيذاً لاتفاقيات دولية، مع عدم الإخلال بأحكام تلك الاتفاقيات.


ويأتي المشروع في إطار سعي وزارة المالية لمواجهة تحديات الاقتصاد المصري في ظل الأزمات العالمية المتعاقبة، مستندة إلى العلاقة الوثيقة بين السياسة والاقتصاد، حيث تنعكس أي تغيرات سياسية بشكل مباشر أو غير مباشر على الأسواق المالية وحركة التجارة الدولية ومستويات الاستثمار والإنتاج.

طباعة شارك لجنة الخطة والموازنة الإيرادات الضريبية الأرباح الصافية

مقالات مشابهة

  • لودريان في بيروت: حضور بلا حلول
  • هل تدخلت قطر لوقف النار ومنع ضرب بيروت؟
  • مفاوضات القاهرة المرتقبة.. حماس تحمل مقترحات جديدة وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»
  • عن استهداف بيروت... إليكم ما قاله وزير الخارجية الأميركيّة
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • الجميّل بعد لقائه بلاسخارت: سلاح حزب الله يعرقل مسار الدولة ومفاوضاتها
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • ماذا ستحصل الخزانة العامة من أرباح الشركات الحكومية؟
  • كيف أجهض ترامب خطة اجتياح بيروت؟
  • رئيس لجنة الخارجية النائب فادي علامة استقبل وفداً نيابياً بولندياً في بيروت