لطالما كان الذهب الأسود هو المحرك الرئيسي للحضارة الحديثة، إلا أن فهم التقلبات المستمرة في أسعار النفط يتطلب الغوص في أعماق التاريخ والسياسة. وفي صدارة هذه المنظومة، يبرز مزيج برنت كمعيار ذهبي يحدد نبض التجارة الدولية، حيث تعتمد عليه معظم الدول لتسعير صادراتها، مما يجعله بوصلة المستثمرين وصناع القرار على حد سواء في عالم لا يتوقف عن التغير.

 

العوامل الجوهرية المؤثرة في قيمة البرميل

لا تتحرك الأسواق من فراغ، بل هي نتاج معادلة معقدة تتداخل فيها الأرقام مع الأحداث الميدانية. يمكن حصر المحركات الأساسية في عدة نقاط محورية:

قانون العرض والطلب: هو القاعدة الذهبية؛ فزيادة الإنتاج من دول خارج منظمة أوبك أو تباطؤ النمو الصناعي يؤدي حتماً إلى هبوط الأسعار، بينما الانتعاش الاقتصادي يرفع الطلب.القوة الشرائية للدولار: بما أن النفط يسعر بالعملة الأمريكية، فإن هناك علاقة عكسية غالباً؛ فارتفاع الدولار يجعل النفط أغلى بالنسبة للدول التي تستخدم عملات أخرى، مما قد يقلل الطلب.قرارات منظمة أوبك وحلفائها: تلعب الحصص الإنتاجية التي تقرها الدول المصدرة دوراً حاسماً في موازنة السوق ومنع الانهيارات السعرية.

 

نظرة تاريخية: كيف شكلت الأزمات وجه السوق؟

عبر العقود الماضية، لم تكن تحركات الأسعار مجرد رسوم بيانية، بل كانت صدى لأحداث غيرت مجرى التاريخ.

صدمات السبعينات والثمانينات

كانت أزمة عام 1973 نقطة تحول كبرى عندما ارتفعت الأسعار بشكل جنوني نتيجة الحظر النفطي، مما نبه العالم لأول مرة إلى خطورة الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة. تلتها الثورة الإيرانية في 1979 التي تسببت في موجة ثانية من الارتفاعات الحادة، قبل أن تشهد الثمانينات فائضاً أدى إلى انهيار الأسعار وتغير موازين القوى الاقتصادية.

الألفية الجديدة والأزمات المالية

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، قاد النمو الصيني الهائل الأسعار إلى مستويات قياسية اقتربت من 150 دولاراً في صيف 2008، قبل أن تأتي الأزمة المالية العالمية لتهوي بالأسعار تحت مستوى 40 دولاراً في غضون أشهر قليلة. كما لا يمكن نسيان أحداث الربيع العربي في 2011 التي تسببت في توقف الإمدادات من دول مثل ليبيا، مما أبقى الأسعار فوق حاجز الـ 100 دولار لفترة طويلة.

 

مزيج برنت: المعيار العالمي وسر تميزه

يعد خام برنت المزيج النفطي الأكثر شهرة، وهو مستخرج من حقول في بحر الشمال. تكمن أهميته في كونه "خاماً خفيفاً وحلواً"، مما يعني انخفاض محتواه من الكبريت وسهولة تكريره لتحويله إلى بنزين ووقود طائرات.

لماذا نراقب برنت تحديداً؟مرجع التسعير: يستخدم برنت لتسعير نحو ثلثي إنتاج النفط العالمي المتداول دولياً.سهولة النقل: كونه يستخرج من مناطق بحرية، فإن تكاليف شحنه عبر الناقلات أقل مقارنة بالخامات المستخرجة من وسط اليابسة مثل خام غرب تكساس.الحساسية الجيوسياسية: يتأثر برنت بشكل مباشر بالاضطرابات في الشرق الأوسط وأوروبا، مما يجعله مرآة دقيقة للاستقرار العالمي.

 

التكنولوجيا والطاقة البديلة: اللاعبون الجدد

لم تعد السياسة وحدها هي الحاكم؛ فدخول النفط الصخري الأمريكي بفضل تقنيات الحفر الحديثة غير قواعد اللعبة، حيث حول الولايات المتحدة من مستورد رئيسي إلى منتج منافس، مما خلق ضغوطاً مستمرة على الأسعار. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوجه العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة بدأ يرسم ملامح "ذروة الطلب"، وهي اللحظة التي سيبدأ فيها استهلاك النفط بالانخفاض التدريجي.

دور المضاربات في تسعير المستقبل

لا تعتمد الأسعار اليوم على البراميل الملموسة فقط، بل على "العقود الآجلة" في بورصات لندن ونيويورك. المضاربون وصناديق الاستثمار يشترون ويبيعون بناءً على توقعاتهم لأحداث قد تقع بعد أشهر، مثل عاصفة مدارية في خليج المكسيك أو قرار سياسي في إحدى العواصم الكبرى. هذا الجانب يجعل السوق شديد الحساسية للأنباء، حتى قبل أن تترجم إلى واقع مادي في مستويات العرض.

 

وفي الختام

يبقى النفط السلعة الأكثر تقلباً وإثارة في العالم، حيث يتقاطع فيه الاقتصاد مع الطموحات السياسية للدول. إن فهمنا للماضي والدروس المستفادة من الأزمات التاريخية هو السبيل الوحيد لتوقع ما قد يحمله المستقبل. ومع استمرار التحولات نحو الطاقة الخضراء، سيظل الصراع على تأمين الإمدادات بأسعار عادلة هو التحدي الأكبر للحكومات، وسيبقى المعدن السائل يكتب فصولاً جديدة من قصة التطور البشري، متأثراً بكل نسمة ريح سياسية أو هزة اقتصادية في أي ركن من أركان الكوكب.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !

جاءت الحرب أولا، ثم جاء الحصار، والآن يأتي نقص الإمدادات؛ فالناقلات المملوءة بالسلع الأساسية كالنفط والغاز الطبيعي المسال واليوريا والمنتجات البترولية المكررة والهيدروجين والهليوم وغير ذلك لم تبحر عبر مضيق هرمز منذ نهاية فبراير. وتلك التي غادرت قبل الإغلاق وصلت في معظمها إلى مقاصدها.

من الآن فصاعدا ستتزايد الحاجة إلى الشحنات التي لم تغادر. ومع السحب من المخزونات كذلك سننتقل إلى مرحلة نقص مادِّي في السلع.

قبل الآن كان نقص هذه السلع متخيَّلا في معظمه، لكنه سيصبح حقيقيا الآن، وستجب إدارته في نهاية المطاف بكبح الطلب. وسيتطلب هذا الأخير بدوره نوعا من الاقتران بين الترشيد والركود. ويمكن أن يحققهما كليهما مزيج من ارتفاع الأسعار وتشديد السياسة النقدية. وكلما طال إغلاق المضيق وازداد الضرر المادي طال النقص وتفاقم أثره.

هذا باختصار ما جادل بشأنه نك بتلر نائب الرئيس السابق للاستراتيجية وتطوير السياسات بمجموعة برتيش بتروليوم والباحث بجامعة كينجز كوليدج لندن في تدوينة على منصة سابستاك بعنوان «نهاية البداية». أدناه إذن بعض العناصر الرئيسية لهذه الحكاية المثيرة للقلق.

أولا: المشكلات التي يواجهها العالم ليست نتيجة للإغلاق الفعلي للمضيق فقط . فاستهداف البنية التحتية بواسطة إيران أساسا والذي كان متوقعا، كما الإغلاق نفسه، تسبب في ضرر كبير. حسب بتلر «خرجت على الأقل ثماني مصافي خليجية رئيسية عن الخدمة جزئيا أو كليا. وأيضا منشأة رأس لفان في قطر». وليس معلوما حتى الآن المدة التي سيستغرقها إصلاح الدمار.

ثانيا: وكما توضح نشرة «كراك ذِ ماركت» على منصة سابستاك يجب عدم اعتبار النقص مقتصرا على النفط الخام وحده؛ فهو سيؤثر بشكل متفاوت على توافر منتجات نفطية محددة؛ لأن المصافي مصممة للتعامل مع أنواع معينة من الخام.

لا تقتصر منطقة الخليج على إنتاج أنواع محددة من النفط؛ فهي أيضا وكما جاء في النشرة المذكورة «كانت تصدر 3.3 مليون برميل في اليوم من المنتجات المكررة و1.5 مليون برميل في اليوم من الغاز البترولي السائل. هذه أنواع وقود جاهز للاستهلاك كالديزل ووقود الطائرات والنافتا والبنزين، وكانت تنساب مباشرة في سلاسل توريد المستهلكين الآسيويين والأوروبيين».خسارة صادرات أنواع معينة من النفط والمنتجات المكررة يعني أن استبدالها ليس يسيرا. وكما ذكر بتلر في تدوينته النقص الرئيسي يتركز الآن في وقود الطائرات والديزل. وبالنظر إلى هذه الحقائق المرتبطة بالمنتجات المحددة لا تبدو الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا في النفط. نعم هي مصدِّر صافٍ له، لكنها -كما يجادل خبير السوق شارلي جارسيا- مستورد كبير للنفط أيضا؛ فمصافيها تحتاج إلى أنواع الخام التي تستطيع تكريرها.

ثالثا: يقلل السحبُ السريع من المخزونات النفطية تأثيرَ ذلك حتى الآن، لكنها بالضرورة قابلة للنفاد. ومن الصعب التوسع في الإنتاج خارج الخليج أو تغيير مسار نقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز حتى في الأجل المتوسط.

وهكذا فإن معظم السعة الاحتياطية لإنتاج النفط في العالم توجد في منطقة الخليج نفسه. وتأتي روسيا في المرتبة التالية، لكن بخلاف المصاعب السياسية الواضحة؛ قدرة روسيا الإنتاجية محدودة. أيضا سعة خطوط الأنابيب السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر والعمانية إلى رأس مركز محدودة، ويحتاج توسيعها إلى وقت طويل. أيضا سيستغرق إحلال طاقة التكرير المفقودة وقتا ويكلف الكثير؛ ففي أوروبا تدهورت طاقة التكرير على مدى سنوات. ولا يمكن تغيير ذلك بسرعة؛ فمثل هذه الاستثمارات ستكون باهظة التكلفة ومخاطرها مرتفعة.

أخيرا: لا يقتصر النقص على الطاقة؛ فإمدادات الهليوم والنافتا والميثانول والفوسفات واليوريا والأمونيا والكبريت متأثرة أيضا، ويُلحق انخفاض إمدادات الهليوم ضررا بإنتاج الرقائق الدقيقة. كما سيقلل الانخفاض في إمدادات السلع الضرورية لإنتاج المخصبات الصناعية الإنتاجَ العالمي للغذاء.

هنالك أيضا أثر سلبي على الشحن البحري في العالم؛ لأن الممرات البحرية الأطول أكثر تكلفة. إلى ذلك يوجد أكثر من 20 ألف بحار عالق في الخليج.

ويبدو أن الأسواق أقنعت نفسها بأن هذا الواقع سيقود قريبا وليس لاحقا إلى وقف مستقر لإطلاق النار وإعادة فتح المضيق. قد يحدث ذلك، لكن ليس من الصعب تصور لماذا قد لا يحدث؛ فدونالد ترامب يصر على أنه لا يبالي بالوضع المالي للأمريكيين، بل حسبما يقول: «الشيء الوحيد المهم عندما أتحدث عن إيران هو أنها لا يمكنها الحصول على سلاح نووي».

هل تقبل إيران بذلك ولو حتى من حيث المبدأ؟ لماذا تثق بأن ترامب سَيَفِي بما يلزمه في أي اتفاق؟ وكيف يمكن مراقبة مثل هذا الاتفاق وتنفيذه؟ ولماذا تتخلى إيران عن السيطرة على حركة السفن في الخليج بعد فرضها؟ ألا يتمسك قادتها على الأقل بحقهم في فرض رسوم عبور؟ وهل سيكون ترامب على استعداد للقبول بمثل هذا الإذلال؟

نعم؛ تشير أسواق العقود الآجلة للنفط إلى أن الأسعار ستهبط؛ وبالتالي سيكون كل شيء على ما يرام، لكن منحنى عقود النفط الآجلة ليس «كرة بلورية» كما ذكر زميلاي جوناثان فينسنت ومالكولم مور. (يمثل هذا المنحنى أسعار التداول الحالية لعقود تسليم النفط في المستقبل، ولا يتنبأ بمستوى الأسعار في تواريخ تسليمها اللاحقة – المترجم.)

في الواقع التوقعات كثيرا ما تخيب. أنا لا أجد سببا وجيها في ألا تكون تلك هي الحال. وإذا حدث الأسوأ سيلزم أن ترتفع الأسعار بما يكفي لموازنة العرض المقيَّد مع الطلب. وبما أن هذه سلعٌ ضرورية تواجه طلبا غير مرن إزاء الأسعار يمكن أن ترتفع تكلفة المنتجات والنفط بشدة.

إلى ذلك من المرجح أن يتحقق جزء من هذا التوازن عبر توقعات ارتفاع التضخم (والتي يترتب عنها تقليل الاستهلاك)، وارتفاع معدلات الفائدة (بقرار من البنك المركزي للحد من التضخم)؛ وبالتالي عبر أثر ركودي قوي على اقتصاد العالم.

حذر فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أننا ندخل في أزمة الطاقة الأكبر في التاريخ. وإذا لم تتغير الأمور قريبا فسيتضح أن هذا التحذير صحيح كما لن تكون مثل هذه النتيجة مفاجئة.

لقد أطلقت الولايات المتحدة على حربها اسم «عملية الغضب الملحمي»، لكن «عملية الحماقة الملحمية» سيكون اسما أكثر واقعية.

مقالات مشابهة

  • حرية الملاحة في مضيق هرمز شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة
  • ارتفاع أسعار النفط.. خام برنت يسجل 97.05 دولار للبرميل
  • قفزة جديدة في أسعار النفط العالمي
  • الطاقة الدولية: مخزونات النفط قد تصل لمستويات حرجة قبل ذروة الصيف
  • وزارة الاقتصاد تطلق حزمة تنظيمية جديدة لاستيراد الحبوب والأعلاف
  • أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !
  • صادرات النفط الأمريكية تسجل مستوى قياسيًا مع ارتفاع الطلب الأوروبي والآسيوي
  • أزمة نفط محتملة قبل الصيف.. وكالة الطاقة الدولية تحذر من سحب مستمر للمخزونات
  • وكالة الطاقة: مخزونات النفط قد تصل لمستويات حرجة قبل ذروة الصيف
  • العقود الآجلة لخام برنت تنهي تعاملات مايو على هبوط بنسبة 17%