بطولات لا تنسى.. وفضل ليلة النصف من شعبان.. موضوع خطبة الجمعة اليوم
تاريخ النشر: 30th, January 2026 GMT
يلقي الأئمة اليوم 11 من شعبان 1447هـ، خطبة الجمعة فى المساجد تحت عنوان: "بطولات لا تنسى"، والهدف منها بيان البطولات والتضحيات التى تبذل فى الدفاع عن الوطن لبنائه ورفعته.
كما جاء موضوع الخطبة الثانية عن فضل ليلة النصف من شعبان .
. اعرف كيف تؤديها وماذا تقرأ فيها وآخر موعد لها
بطولات لا تُنسى
الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتمُّ الصالحاتُ، وبفضلِهِ تتنزَّلُ الرحماتُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ حبَّ الأوطانِ من كمالِ الإيمانِ، وعمارةَ الأرضِ أمانةً في أعناقِ الإنسانِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الذي علَّمَنا أنَّ الوفاءَ للديارِ عبادةٌ، وأنَّ البذلَ في سبيلِ رفعتِها شرفٌ وسيادةٌ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ، وبعدُ:
فإنّ مَنْ أمَّنَ الناسَ أمَّنَه اللهُ، هذه بشارةٌ لمن جعلَ من صدرِه درعًا يحمي البلادَ، ومن سهرِه حارسًا للطمأنينةِ في قلوبِ العبادِ، وتتجلَّى ذروةُ تلكَ البشرى فيما نراهُ من حُماةِ الأوطانِ، وحراسِ الأمنِ والأمانِ، فهم التجسيدُ الحيُّ لمعنى البطولةِ الإنسانيَّةِ، تلك القيمة التي تجعلُ البطلَ منهم ينكرُ ذاتَه في سبيلِ بقاءِ بنيانِ الوطنِ، ويؤْثرُ أمنَ بلادِه على سلامةِ نفسِه، فهؤلاءِ الأبطالُ يقفون سدًّا منيعًا يحمي أركانَ الوجودِ، والممتلكاتِ العامةِ، وحرماتِ العبادِ، ويؤكِّدون أنَّ الجنديَّ الذي يبيتُ وعينُه تترقَّبُ العدوَّ، أو رجلَ الأمنِ الذي يصِلُ ليلَه بنهارِه ليؤمِّنَ روعَةَ الآمنينَ، هما في امتثالٍ مباشرٍ للأمرِ الإلهيِّ باليقظةِ والحذرِ، انطلاقًا منْ قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وإنَّ هذا البذلَ يتجاوزُ حدودَ المادةِ ليكونَ سموًّا أخلاقيًّا يبتغي به صاحبُه وجهَ اللهِ، اقتداءً بصحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ الذين نذروا حياتَهم لحفظِ مجتمعِهم، مستلهمينَ بشارةَ المصطفى ﷺ للمرابطينَ حيثُ يقولُ ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ».
إنّ حبَّ الوطنِ فطرةٌ إنسانيةٌ، وعقيدةٌ إيمانيَّةٌ، تجسِّدها تلك الجهودُ المخلصةُ، والتضحياتُ الجسورةُ، والبطولاتُ التي لا تُنسى، والتي يقدِّمها أبناءُ وطنِنا في كلِّ ميدانٍ، فالوطنُ هو المآلُ والملاذُ، والمستقرُّ الذي نَبتتْ فيه الأجسادُ، وزَكتْ فيه الأرواحُ، مما يجعلُ الحفاظَ عليه وحمايتَه واجبًا يتقرَّبُ به العبدُ إلى مولاهُ؛ إذ يتجلَّى صدقُ هذا التقرُّبِ في أسمى صورِه من خلالِ مفهومِ المرابطةِ الذي يتَّسعُ في دينِنا ليشملَ كلَّ جهدٍ مخلصٍ يصونُ كيانَ الدولةِ ويحفظُ مقدَّراتِها، فالعينُ التي تسهرُ على الحدودِ تحرسُ أمنَنا، واليدُ التي تزرعُ في الحقلِ تؤمِّنُ قوتَنا، والعقلُ الذي يبدعُ في معاملِ العلمِ يشيدُ نهضتَنا، حيث يصبحُ العرقُ المبذولُ في طلبِ الرزقِ أو حمايةِ الثغورِ إلى نورٍ في الصحائفِ، وبركةٍ في العمرِ، ورفعةٍ في الدرجاتِ.
سادتي الكرامُ: إنَّ تضحياتِ حماةِ الأوطانِ هي الصكُّ الضامنُ للنجاةِ، وهي الوفاءُ الذي يثمرُ أمنًا في المساجدِ والبيوتِ والأسواقِ، وإنَّ أعظمَ ما يُتوَّجُ به هذا البذلُ، هو ذلك المقامُ السامي الذي خصَّه النبيُّ ﷺ لمن سهرتْ عيونُهم تحرسُ الأعراضَ والأموالَ والدماءَ، فجعلَهم في مأمنٍ من الفزعِ الأكبرِ يومَ القيامةِ، حيث ختمَ ﷺ بوعدِه الحقِّ قائلًا: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ».
يا أبناءَ مصرَ الكرامَ، يا ورثةَ الحضارةِ وحراسَ التاريخِ، إنَّ وطنَكم يناديكم لمواصلةِ الجهودِ والتضحياتِ بصدقٍ وإخلاصٍ، فمصرُ لا يشتدُّ بنيانُها إلا بسواعدِ أبنائها المتكاتفين حولَ غايةٍ واحدةٍ هي عزتُها ورفعتُها، وإننا إذ نستنهضُ الهممَ، نستحضرُ في ذاكرةِ الوطنِ بطولاتٍ لا تُنسى، سطّرَها المصريون بدمائِهم في سجلِّ الخلودِ، فنتذكرُ بوفاءٍ أولئكَ الأبطالَ منْ رجالِ أمنِ بلادِنا الذينَ ضحُّوا بأرواحِهِم في مواجهةِ خفافيشِ الظلامِ وغدرِ الإرهابِ، ليؤكِّدوا أنَّ الفداءَ ليس مجردَ شعارٍ، بل هو بذلُ الروحِ لتظلَّ مصرُ آمنةً مطمئنةً.
كما نتذكرُ ذلكَ البطلَ الذي اندفعَ بقلبٍ جسورٍ ليصدَّ لهبَ الدمارِ عن الناسِ في محطةِ الوقودِ، فصارَ بجسدِه سدًّا يحمي الأرواحَ، ثمَّ رحلَ شهيدًا مباركًا، كما نبصرُ في أرجاءِ مصرَ ذاك النبلَ الإنسانيَّ فيمن سخّر عطاءاتِ اللهِ لهُ؛ لتكونَ مأوىً وسكنًا لمرضى السرطانِ، يطعمُهم بيدِه ويضمدُ جراحَ قلوبِهم، في تجسيدٍ حيٍّ لمعنى الرحمةِ المهداةِ، هذه النماذجُ هي جوهرُ عقيدةِ حماةِ الوطنِ وحراسِ أمنِها.
فيا أيها الكادحُون في ميدانِ البناءِ، ويا أيها المرابطُون على ثغورِ الفداءِ، استمروا في عطائِكم، فإنَّ إتقانَ العملِ هو العبادةُ الباقيةُ، والوفاءُ الحقيقيُّ لدماءِ الشهداءِ، وهو الغرسُ الذي ستجني ثمارَه الأجيالُ القادمةُ أمنًا ورخاءً، فكونوا على قلبِ رجلٍ واحدٍ، واثقين في نصرِ ربِّكم، مخلصين لوطنِكم الذي يبقى بعهدِ اللهِ عزيزًا منيعًا بتضحياتِكم، مستلهمين معيةَ الحقِّ سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾.
********
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلينَ، سيدِنا محمدٍ ﷺ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، وبعدُ:
فإنَّ ليلةَ النصفِ من شعبانَ هي ميقاتُ التجلي الأعظمِ، حيث ينظرُ الحقُّ سبحانه وتعالى إلى عبادِه بعينِ الحنانِ والإحسانِ، فاتحًا أبوابَ السماءِ لاستقبالِ هديرِ الأرواحِ بالدعاءِ، وقد نصَّ أكابرُ العلماءِ وعارفو الأمةِ على أنَّ هذه الليلةَ هي إحدى الليالي التي لا يُردُّ فيها سائلٌ، ولا يخيبُ فيها مؤمِّلٌ، فهي ليلةُ الإجابةِ التي يسكبُ فيها العبدُ انكسارَ قلبِه بينَ يدي ربِّه، فيُقابَلُ الانكسارُ بالجبرِ، والاضطرارُ بالاستجابةِ، فأقبلوا على مولاكم بصدقِ الافتقارِ، واعلموا أنَّ اللهَ هو مقصودُ الكلِّ، إليه تتجهُ القلوبُ في كلِّ حالٍ، وعندَ عتباتِ جودِه تُلقِي الأرواحُ رحالَها، فهو المحيطُ بالجهاتِ، الواسعُ العطاءِ، الذي يفيضُ بنورِه على من أقبلَ عليه، تصديقًا لقولِه سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
عبادَ اللهِ: أحيوا تلك الليلةَ الميمونةَ باستنهاضِ الهممِ لمناجاةِ الخالقِ، وعمِّروا أوقاتَكم بالذكرِ والتلاوةِ والقيامِ، مع استحضارِ هيبةِ التجلي الإلهيِّ في كلِّ سجدةٍ ونَفسٍ، اجعلوا هذه الأوقاتَ الفاضلةَ محرابًا لصفاءِ السريرةِ، وصِلوا فيها ما انقطعَ مع اللهِ ومع الخلقِ، لعلكم تظفرون بنظرةِ رضا ترفعُكم من ظلمةِ الغفلةِ إلى ضياءِ الحضورِ، واجمعوا شتاتَ قلوبِكم موجهين أرواحَكم لربِّكم في ليلةٍ عظيمةِ الشأنِ، جليلةِ القدرِ، مستبشرينَ بما جاءَ عن الجنابِ المعظَّمِ والنبيِّ الأفخمِ ﷺ حين قالَ: «يَطَّلعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النصفِ من شعبانَ، فيغفرُ لجميعِ خلقِه إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ»، فطهِّروا قلوبَكم من الشقاقِ، ونفوسَكم من الأحقادِ، لعلكم تكونون من الفائزين بعفوِه في هذه الليلةِ المباركةِ.
فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ طَابَ الذِّكْرُ وَالدُّعَا... وَفَاضَ نُورُ الرِّضَا فِي كُلِّ مَنْ رَكَعَا
يَـا رَبِّ حَوِّلْ إِلَيْكَ القَلْبَ مُتَّجِهًـا... وَاجْبُرْ فُؤَادًا بِنَيْلِ القَصْدِ قَدْ طَمـعَا
وإننا إذ نستقبلُ أنوارَ ليلةِ النصفِ من شعبانَ، ليلةِ التجلي الأعظمِ وتحويلِ القبلةِ، لندعوكم أن تجعلوا من إخلاصِكم في بناءِ وطنِكم، ومن سهرِ حماةِ وطنِكم القُربةَ الأسمى التي ترجون بها نظرَ اللهِ إليكم بالرحمةِ والقبولِ، فكما تحولتْ وجهةُ المصطفى ﷺ في هذه الليلةِ نحوَ الكعبةِ المشرفةِ، فلتتحولْ وجهةُ قلوبِكم نحوَ صونِ مقدراتِكم، وليكنْ كدُّكم وعرقُكم قربةَ القبولِ وبساطَ الوصولِ لمغفرةِ الودودِ سبحانه، والتي تنزلُ في هذه الليلةِ على المخلصينَ الذين عمَّروا الأرضَ بحبٍّ، وحرسوا الأمةَ بيقظةٍ، سائلين المولى أن يجعلَها فاتحةَ جبرٍ لمصرَنا، ونورًا لقلوبِنا، وقوةً لبنيانِنا، وتثبيتًا لأقدامِ حراسِ أمننا الأوفياءِ.
حفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء، وحولنا إليه تحولًا يرضى به عنا
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: شعبان الجمعة بطولات لا تنسى الدفاع عن الوطن فضل ليلة النصف من شعبان بطولات لا ت هذه اللیلة من شعبان
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.