الإمارات والكويت: روابط تتجاوز الزمن
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
كتب/ عيسى الكعبي
في العلاقات بين الدول، لا تُقاس قوة الروابط بتكرار اللقاءات أو تبادل البيانات، بل بعمق المودة، وصدق المواقف، والاحترام المستمر الذي يصمد أمام الزمن.
ومن هذا المنظور، تُجدد احتفالات الإمارات بأختها الكويت تأكيد العلاقة الأخوية المتجذرة، القائمة منذ البداية على التعاون الحقيقي، والتضامن في المواقف، والإيمان المشترك بوحدة مصير منطقة الخليج.
عندما تحتفل الإمارات بالكويت، فإنها لا تحيي مناسبة عابرة أو تستجيب لحدث مؤقت، بل تُعبّر عن علاقة عميقة وذات أهمية تاريخية، قائمة على المودة الصادقة، والاحترام المتبادل، والمواقف الأخوية التي لن تُنسى رغم مرور الزمن.
لم تكن العلاقة بين الإمارات والكويت مسألة مجاملات سياسية، بل كانت شراكة إنسانية وأخوية بدأت منذ بدايات التنمية وتقدم المنطقة.
حينها كانت الكويت تتقدم بالأفعال قبل الأقوال، وتمارس الأعمال قبل التصريحات، مقتنعة تمامًا بأن دعم إخوتها هو استثمار في مستقبل مشترك.
لقد ساهمت الكويت بشكل كبير في تطوير قطاعات التعليم والصحة والإعلام في دولة الإمارات.
وكان سخاؤها نابعًا من روح أخوة الخليج الحقيقية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة قصيرة المدى.
هذه الروح لم تُنسَ ولم تُسجَّل فقط في الوثائق؛ بل هي حية في الوعي الجمعي، ويتم نقلها بفخر وامتنان من جيل إلى جيل.
اليوم، بينما تحتفل الإمارات بدولة الكويت، تؤكد أن الولاء قيمة مركزية في أفعالها، وأن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بالزمن، بل بصدق الأفعال.
فالبلدان التي تقف إلى جانب بعضها البعض في أوقات الحاجة تبني روابط أقوى من أي ظرف، وأكثر مرونة من أي تغير.
هذه المودة المتبادلة لا تقتصر على الماضي؛ فهي لا تزال محسوسة حتى اليوم، حيث تواصل دولة الإمارات والكويت تنسيق مواقفهما بشأن القضايا الإقليمية والدولية، استنادًا إلى رؤية مشتركة تعزز الاستقرار، وتحترم السيادة، وتقوي العمل المشترك في الخليج.
لا يمكن مناقشة العلاقات بين الإمارات والكويت دون أخذ أهمية البعد الشعبي لهذه العلاقة، حيث ينعكس روح الأخوة في التبادل الإيجابي بين الشعبين، وفي الترابط الاجتماعي والثقافي الذي عزز الروابط بينهما.
لطالما اعتبر مواطنو الإمارات الكويت وطنًا أخويًا، كما يرى مواطنو الكويت الإمارات امتدادًا طبيعيًا لأنفسهم. هذا القرب ليس حدثًا صدفة، بل هو نتيجة سنوات من الاحترام المتبادل والتفاعل المستمر.
لقد أظهرت التجربة أن العلاقات بين البلدين قادرة على التكيف مع التغييرات دون أن تفقد جوهرها المبني على الثقة والتفاهم، وهكذا فإنهما يمثلان نموذجًا للعلاقات بين الدول الشريكة.
ما يربط بين الإمارات والكويت يتجاوز الجغرافيا والمصالح المشتركة؛ إنه تاريخ من المودة، وطريق مشترك من التعاون، ورؤية مشتركة لمستقبل الخليج تقوم على التضامن والاستقرار والتنمية.
ومن هذا المنظور، فإن الاحتفال بالكويت هو أيضًا احتفال بالأخوة نفسها، وتأكيد على أن روابط المودة بين الشعوب لا تضعف بفعل الزمن ولا تتغير بسبب الظروف، بل على العكس، تتعمق مع الوقت إذا كانت مبنية على الصدق والاحترام المتبادل.
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
كلمات دلالية: الإمارات والکویت
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.