الروائي السويسري التشادي نيتونون نويل نجيكيري هو أحد أبرز الأصوات الأدبية الأفريقية المعاصرة. وتعيد أعماله فتح ملفات العبودية والاستعمار والعنف الموروث، انطلاقا من تشاد ومحيطها الأفريقي، بالكتابة من المنفى السويسري باللغة الفرنسية.

وتعد روايته "لا قوس قزح في الجنة" من أشهر أعماله، إذ تعود بالقارئ إلى ما يقارب قرنين من تاريخ العبودية في تشاد والبلدان المجاورة، كاشفة عن استمرار أنماط العنف بأشكال جديدة.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2رواية "غليف" تقتفي أثر الحرب في غزة وتشرح "رأسمالية المراقبة" عبر عيون الأطفالlist 2 of 2فوضى السرد: انتحار روائي أم صورة لعالم جديد؟end of list

وحازت الرواية عدة جوائز أدبية مرموقة، منها جائزة "خارج المنافسة" (2022)، والجائزة الكبرى لأدب أفريقيا جنوب الصحراء (2022)، وجائزة "رسائل الحدود" (2023).

وقد صدرت ترجمتها العربية عن دار الريس بترجمة الروائي والمترجم السوداني المقيم في تشاد عاطف الحاج، لتكون أول عمل لنجيكيري يُترجم إلى العربية.

إلى نص الحوار:

صدرت أخيرا الترجمة العربية لروايتك "لا قوس قزح في الجنة" التي تناولت فيها قرنين من العبودية في تشاد والبلاد المجاورة، وهي أول ترجمة لأعمالك إلى العربية. كيف تنظر إلى هذه الخطوة، وماذا يعني لك القارئ العربي؟

هذه بالفعل أول ترجمة لي إلى اللغة العربية، وأشعر حيالها بتأثر واعتزاز كبيرين، خاصة أن العربية إحدى اللغات الرسمية في بلدي تشاد. إنها محطة مفصلية في مسيرتي الأدبية، لأنها تتيح لقاعدة واسعة من القراء العرب الاطلاع على رواية ليست عادية، بل رواية يحتل فيها العالم العربي الإسلامي مكانة بالغة الأهمية.

قدم المترجم عاطف الحاج ترجمة أنيقة للرواية، فهو روائي أيضا. كيف تنظر إلى الترجمة الأدبية حين تأتي من كاتب مبدع؟ وهل تعتقد أن المترجم الكاتب أقدر على نقل النص؟

لم أمارس الترجمة الأدبية بنفسي لافتقاري إلى أدواتها التقنية، لكنني أؤمن بأنها تقوم أساسا على تملك النص ثم إعادة بعثه في لغة أخرى. الترجمة، بهذا المعنى، تشبه بناء بيت جديد بلون مختلف، اعتمادا على مخططات بيت قائم.

من هذا المنظور، تصبح الترجمة فعلا إبداعيا بحد ذاته. وأعتقد أن المترجمين القادمين من خلفية الكتابة الإبداعية، بحكم قدرتهم على الولوج إلى ما سماه شاعر السنغال ليوبولد سيدار سنغور "الوجد الشعري"، يكونون أقدر على استيعاب المخيال العميق للنص مقارنة بغيرهم.

غلاف الترجمة العربية لرواية "لا قوس قزح في الجنة" (الجزيرة)ما لم ينسه الأجداد إعلان في "لا قوس قزح في الجنة" تعود إلى نحو قرنين من تاريخ العبودية. كيف وُلدت فكرة الرواية، وكيف تحولت إلى مشروع استغرق سنوات؟

كانت هذه الرواية ثمرة عمل طويل النفس، وكان يفترض أن تكون روايتي الأولى. شرارتها الأولى تعود إلى طفولتي، فقد كان والدي أحد "الرماة السنغاليين" في تشاد، ونشأت في ثكنة عسكرية فرنسية، ما أتاح لي التعليم الغربي مبكرا.

في المقابل، وبما أن والديّ لم يحظيا بتعليم مدرسي، كنت أغوص في الثقافة الأفريقية داخل العائلة، حيث تعلمت، خلال السهرات حول النار، كيف فتكت تجارة الرقيق العابرة للصحراء بأسلافنا على مدى قرون. غير أن التعليم الرسمي كان يقتصر على تجارة العبيد عبر الأطلسي، متجاهلا الاتجار بالبشر نحو شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

عندما كنت أستغرب من هذا أمام أساتذتي، كانوا يجيبون بأنهم ملزمون بالمناهج الرسمية. هذا الصمت، المفروض باسم "الحفاظ على الوحدة الوطنية"، أثار فضولي منذ الصغر، فبدأت البحث في الموضوع منذ المرحلة الثانوية، بالاعتماد على المصادر الشفوية والمكتوبة.

لاحقا، طفت المتاحف، ونقبت في الأرشيفات الاستعمارية، وحضرت كل الندوات التي تناولت هذه الإشكالية، لكن أن تجمع مادة وافرة لم يكن كافيا بحد ذاته؛ إذ كان لا بد من العثور على زاوية نظر أنطلق منها في بناء الحكاية وشد خيوطها.

كان لا بد من زاوية سردية. ولم تتكشف لي هذه الزاوية إلا في خريف 2015، خلال إقامة للكتابة في "ليديغ هاوس (Ledig House)" في أومي بالولايات المتحدة. كنت أضع اللمسات الأخيرة على مخطوط روايتي "في الأدغال حيثما اتفق"، وفي إحدى الأمسيات، وأثناء متابعتي لقناة "سي إن إن"، علمت بتفجيرات نفذتها جماعة "بوكو حرام" في "باغا سولا" بتشاد، فاشتعلت شرارة الرواية.

استغرقني الأمر ست سنوات كاملة لأضع النقطة الأخيرة في هذا المشروع، وكان ناشري، منذ القراءة الأولى، متحمسا للنص إلى أبعد حد، وبعد أقل من عام، حظيت بتلك الدهشة التي لا توصف، وأنا أتصفح النسخة الأولى المطبوعة من "لا قوس قزح في الجنة".

غلاف رواية (لا قوس قزح في الجنة) "النسخة الأصلية بالفرنسية" (الجزيرة)ترمب وتمزيق دفاتر التاريخ في ضوء محاولات طمس تاريخ العبودية، مثل القرار الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإزالة رموزها من الفضاء العام، كيف ترى أثر هذه السياسات على الوعي الإنساني؟

التاريخ هو أثر الماضي وبصمته. يمنحنا بوصلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ويعلمنا ما ينبغي الاقتداء به وما يجب رفضه.

في "لا قوس قزح في الجنة" تحضر فكرة التكرار التاريخي بوضوح: تبدأ الرواية بتاجر الرقيق رابح فضل الله في أواخر القرن التاسع عشر، وتنتهي بأبي بكر شيخو، زعيم بوكو حرام، الذي اختطف طالبات شيبوك عام 2014 وباع بعضهن بثمن بخس لمقاتليه "الأكثر استحقاقا".

ما الذي يربط بين الاثنين؟ تاريخ الأول إما دُرس بصورة مشوهة أو طمس بالكامل. بعد الاستقلال، احتاج قادة الدول الأفريقية الجديدة إلى رموز تمنحهم شرعية، فاستعادوا أمراء حرب من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بحجة مقاومتهم الاستعمار، متناسين أنهم كانوا نخاسين يدافعون عن مصالحهم التجارية.

راحوا يمجدون أمراء حرب مثل عثمان دان فوديو، وساموري توري، والحاج عمر تال، ورابح فضل الله، بحجة أنهم قاوموا الغزو الغربي. والحقيقة أن هؤلاء النخاسين لم يقاتلوا إلا دفاعا عن "مصالحهم الشخصية"، أي عن التجارة المربحة بأشقائهم السود، التي كانت التدخلات الخارجية تهددها.

إعلان

صحيح أن القوى الأوروبية التي هزمتهم سارعت بدورها إلى فرض نظام جديد من الاستعباد لمصلحتها الخاصة، لكن هل يبرر ذلك تبرئة هؤلاء القادة من ماضيهم الإجرامي؟ في هذا السياق، يبدو قرار ترمب تصرفا طفوليا، كمن يكنس الأوساخ تحت السجادة ليمنح البيت وهم النظافة، لكن القاذورات تعود دائما.

الشعوب، مثل الأفراد، عرضة للعُصاب. ومحو التاريخ بجرة قلم يعرض المجتمعات لانفجارات مؤجلة، قد تكون اضطرابات نفسية جماعية أو حتى حروبا أهلية. تنقية التاريخ مما يزعجنا تشبه إزالة كل إشارات "ممنوع المرور" في مدينة ما بزعم تحسين حركة السير؛ لا معنى لذلك، إلا إذا كنت تمتهن إصلاح هياكل السيارات.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی تشاد

إقرأ أيضاً:

المستنسخات الأثرية في المملكة تستحضر عمق التاريخ في “كتاب كوالالمبور 2026”

عرضت هيئة التراث ضمن جناح المملكة بمعرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026 مجموعة من المستنسخات الأثرية النادرة، لتُقدّم للزوار تجربة معرفية تستحضر عمق التاريخ السعودي وتنوّع الحضارات التي ازدهرت على أرض الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.
وتمثل المستنسخات نماذج مختارة من القطع التاريخية المكتشفة في عدد من مناطق المملكة، من بينها نقوش وكتابات حجرية وقطع منحوتة تعود إلى فترات زمنية مختلفة قبل الميلاد، تُجسد ما شهدته شبه الجزيرة العربية من حراك حضاري وثقافي وتجاري تاريخي.
وتأخذ المستنسخات الزوار في رحلة عبر محطات تاريخية متعددة، تشمل نماذج لكتابات ونقوش أثرية من مناطق المدينة المنورة وتبوك والحدود الشمالية، إلى جانب قطع حجرية مزخرفة تجسد الفنون والنقوش القديمة التي عُرفت بها الحضارات العربية المبكرة، مما يُبرز مكانة المملكة بوصفها ملتقىً للحضارات ومركزًا للطرق التجارية القديمة.
ويشمل الركن عرض فيلم وثائقي عن مدينة الفاو الأثرية يسلط الضوء على تاريخها ومكانتها الحضارية، إلى جانب شاشة رقمية تفاعلية تستعرض مواقع أثرية من مختلف مناطق المملكة.

 

ويحظى العرض بإقبال واسع من المهتمين بالتاريخ والتراث، في إطار الحضور السعودي الثقافي المكثف الذي تقوده هيئة الأدب والنشر والترجمة خلال أيام المعرض المتواصلة حتى السابع من يونيو الجاري.

مقالات مشابهة

  • “تريندز جلوبال» ومجلس شباب تريندز ينظّمان حلقة نقاشية شبابية
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر يناقش "بقية المبشرين بالجنة من الصحابة"
  • "الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
  • فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
  • «مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • أبوظبي تضبط بوصلة سوق العقارات.. ما دلالات قرار تجميد الإيجارات؟
  • المستنسخات الأثرية في المملكة تستحضر عمق التاريخ في “كتاب كوالالمبور 2026”
  • عروسة الجنة.. وفاة وداد بأزمة صحية يوم كتب كتابها