"إذا أردت أن تفهم الكائن البشري، فعليك أولا أن تفهم ‘اللعب'"؛ بهذه العبارة تستهل الكاتبة "كيزا ماكدونالد" كتابها الجديد "سوبر نينتندو" (Super Nintendo)، مستندة إلى أطروحة يوهان هويزينغا الكلاسيكية حول "الإنسان اللاعب".

وتضيف: "وإذا أردت أن تفهم اللعب وتجلياته في عالمنا المعاصر، فعليك أن تفهم ألعاب الفيديو.

. أما إذا أردت فهم ألعاب الفيديو حقا، فلا وجهة لك سوى ‘نينتندو'".

بصفتها محررة ألعاب الفيديو في صحيفة "الغارديان" (The Guardian) البريطانية، ومن منطلق شغفها المبكر بهذه الشركة اليابانية العملاقة، تقدم ماكدونالد دليلا ثريا وشاملا. فهي لا تكتفي بكونها واحدة من أبرز الصحافيات في هذا المجال، بل تمتلك معرفة موسوعية بصناعة الألعاب وصُنّاعها.

ما نراه هنا هو نص ينساب بسلاسة، محمل بفيض من المعلومات الموثقة، ولا يخلو من حماسة "المعجبة" الوفية، وإن كان يتأرجح أحيانا في منطقة وسطى مرتبكة بين "التأريخ المؤسساتي" و"النقد الثقافي".

سر الابتكار: الفن أولا

تتبع الفصول تسلسلا زمنيا مرنا، حيث يتناول كل فصل لعبة أو "سلسلة" بعينها مثل سوبر ماريو، وزيلدا، وبوكيمون، مستعرضاً ظروف نشأتها، والمؤثرات التي شكلتها، وبصمتها في هذه الصناعة، وما مثّلته وجدانيا لمن لعبوها.

وتقرّ ماكدونالد بأن "نينتندو" تبدو اليوم استثناء في سوق الألعاب؛ فهي غالباً ما تكون الأقل تفوقاً من حيث "العتاد التقني" (Hardware) مقارنة بمنافسيها، كما أنها تمسكت بجماليات طفولية وفانتازية في وقت تنزع فيه صناعة الألعاب نحو العوالم المظلمة والعنيفة الموجهة للبالغين.

قد تبدو للناقد العابر كأنها شركة هامشية أو "نوستالجيا" (Nostalgia) غارقة في الماضي.

لكن الكاتبة تبرهن ببراعة على أن "الخلطة السرية" لنينتندو تكمن في إعلاء قيمة "أسلوب اللعب" (Gameplay) أو ما نسميه "المتعة الصرفة" فوق كل اعتبار.

إعلان

وترى في إخفاقات الشركة العارضة دليلا على إصرارها على اجتراح أفكار بكر بدلاً من الهرولة خلف "الصرعات السائدة" كما يفعل المصنعون الآخرون.

شخصية بيكاتشو العرض الأول لفيلم "بوكيمون: المحقق بيكاتشو" 2019 (أسوشيتد برس)ثورات صامتة في الذاكرة الجمعية

عندما نجحت ابتكارات نينتندو، غيرت وجه العالم الافتراضي للأبد. فلعبة "دونكي كونغ" (Donkey Kong) كانت هي حجر الأساس لألعاب المنصات (Platformers).

أما سلسلة "زيلدا" فقد كانت الرائدة إعجازيا في نمط "العالم المفتوح" (Open World) تلك المساحات الافتراضية الشاسعة التي تمنحك حرية الاستكشاف بدلاً من السير في مسارات محددة سلفا. كما أعاد جهاز "وي" (Wii) بصمة التواصل الإنساني للألعاب؛ فبدلاً من انعزال الأطفال في غرفهم للعب "فورتنايت" (Fortnite)، عادت الأسرة لتجتمع حول "تنس وي" (Wii) في طقس عائلي جماعي.

تنبض ألعاب نينتندو بالمفاجآت والدهشة؛ مستلهمة من ذكريات الطفولة لمصمميها. وخلافاً للصورة النمطية لـ "اللاعب" ككائن منعزل، فإن أفضل عناوين الشركة تحفز التواصل البشري. فلعبة "بوكيمون" لا تكتمل متعتها منفردا، ولعبة "أنيمل كروسينغ" (Animal Crossing) وفرت فضاءً من المؤانسة والسكينة الجماعية إبان فترات الإغلاق في الجائحة.

صناعة لعبة فيديو تجمع بين كل ما هو صعب في بناء جسر، وكل ما هو شاق في تأليف أوبرا

الجسر بين المهندس والأوبرا

تشير ماكدونالد إلى أن نينتندو لم تفقد قط بوصلتها كشركة "صناعة ألعاب" بالمعنى التقليدي، علماً بأنها بدأت ببيع أوراق اللعب في أواخر القرن التاسع عشر.

وتتميز الشركة بمعدل استبقاء موظفين مرتفع بشكل استثنائي، مما يتيح للمصممين الشباب العمل جنبا إلى جنب مع عمالقة الجيل السابق، أمثال شيغيرو مياموتو (مبتكر ماريو).

شيجيرو مياموتو (Shigeru Miyamoto)"، مصمم لعبة سوبر ماريو وأحد آباء ألعاب الفيديو حول العالم (رويترز)

تدرك الشركة أن تصميم الألعاب هو تفاوض مستمر بين المهندس والبرمجي والمصمم؛ بين القيد التقني والحرية الفنية. وكما يقول "فرانك لانتز" من مركز ألعاب جامعة نيويورك: "صناعة لعبة فيديو تجمع بين كل ما هو صعب في بناء جسر، وكل ما هو شاق في تأليف أوبرا.. الألعاب هي ببساطة أوبرات مصنوعة من جسور".

حقائق وتفاصيل خلف الستار

يغوص الكتاب في تفاصيل مدهشة: هل كنت تعلم أن "زيلدا" سُميت تيمناً بـ "زيلدا فيتزجيرالد"؟ أو أن الفولكلور الياباني يتغلغل في هذه الأساطير الإلكترونية؟ أو أن "ماريو" الذي كان في عام 1990 أكثر شهرة لدى الأطفال الأمريكيين من ميكي ماوس بدأ حياته كنجار تحت اسم "جامب مان" (رجل القفز) قبل أن يصبح السباك الأشهر في العالم؟

رغم أن الكتاب يغرق أحيانا في تفاصيل "تكنو-إدارية" قد تبدو مملة للقارئ غير المتخصص، إلا أن تلك هفوة تغتفر في حضرة شغف الكاتبة. ماكدونالد، كإصداراتها المفضلة، تدرك روعة الضياع في تلك العوالم الافتراضية الزاهية.

هذا كتاب ينضح بالحب؛ انطح رأسك به كما يفعل ماريو بصناديق الحظ وانظر إن كانت ستمطرك منه "عملات ذهبية" من المعرفة والمتعة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ألعاب الفیدیو کل ما هو أن تفهم

إقرأ أيضاً:

في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية

أشاد موظفو الخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني لليمن، بالإنجازات التي قالت الشركة إنها حققتها خلال السنوات الأربع الماضية تحت قيادة رئيس مجلس الإدارة الكابتن ناصر محمود محمد، رغم ما وصفوه بظروف استثنائية وتحديات غير مسبوقة واجهت قطاع الطيران في البلاد.

وقال موظفو الشركة، في رسالة بمناسبة بدء العام الخامس للإدارة الحالية، إن الخطوط الجوية اليمنية واجهت خلال الفترة الماضية تحديات تمثلت في تدمير عدد من طائراتها واحتجاز أموالها والسيطرة على بعض أصولها، إلى جانب ما وصفوه بحملات استهدفت الشركة وموظفيها، فضلاً عن تداعيات الأوضاع الإقليمية التي أثرت على عمليات التشغيل وخطط التطوير.

وأضافت الرسالة "وصلت مأرب برس نسخة منها" أن الشركة تمكنت، رغم تلك التحديات، من الحفاظ على استمرارية خدماتها وتعزيز حضورها التشغيلي، مشيرة إلى إدخال ثلاث طائرات جديدة إلى أسطولها خلال أقل من ثلاث سنوات، وتنفيذ مشاريع لتطوير البنية التحتية في مقر الإدارة العامة بمدينة عدن، شملت ترميم المبنى الرئيسي وإنشاء مبنى إضافي وتوسعة المرافق التشغيلية.

ووفقاً للرسالة، افتتحت الشركة مكاتب جديدة في عدد من المدن، بينها الدوحة وجدة والغيضة، كما اشترت مقراً مملوكاً لها في القاهرة، وأنشأت هنجر صيانة في مطار عدن الدولي، إلى جانب استكمال الإجراءات التمهيدية لمشروع هنجر الصيانة الثقيلة الذي وصفته بالاستراتيجي.

وفي جانب الموارد البشرية، قالت الرسالة إن الشركة نفذت برامج تدريب وتأهيل للطيارين والمهندسين وأطقم الضيافة الجوية وموظفي الإدارات المختلفة، بهدف تطوير الكفاءات الوطنية ورفع جاهزية الكوادر العاملة وفق المعايير المعتمدة في صناعة الطيران.

كما أشارت إلى أن الخطوط الجوية اليمنية أعادت بناء أنظمتها الإدارية والمالية والتشغيلية في عدن بعد توقف منظومات سابقة، وتمكنت من تحويل المدينة إلى مركز رئيسي متكامل لإدارة أعمال الشركة التشغيلية والإدارية والمالية والفنية.

وقالت الرسالة إن الشركة عززت كذلك شراكاتها الدولية، وفي مقدمتها التعاون مع شركة Airbus، ووقعت اتفاقية لشراء طائرات جديدة ضمن خطط تحديث الأسطول وتوسيع قدراته التشغيلية.

وأكد الموظفون أن هذه الإنجازات تمثل جزءاً من أعمال ومشاريع أوسع نُفذت خلال السنوات الأربع الماضية، معتبرين أن نتائج بعض الخطط التطويرية تأثرت بالظروف الاستثنائية التي شهدها قطاع الطيران في اليمن والمنطقة.

وفي ختام الرسالة، عبّر موظفو الخطوط الجوية اليمنية عن تقديرهم للعاملين في الشركة داخل اليمن وخارجها، مشيدين بجهود قيادة الشركة في الحفاظ على استمرارية الناقل الوطني وتعزيز دوره في ربط اليمن بالعالم وتقديم خدمات النقل الجوي للمواطنين.

 

مقالات مشابهة

  • Theos: Cities of Myth تعيد أمجاد ألعاب بناء المدن الكلاسيكية بروح الأساطير اليونانية
  • السجن مدى الحياة لراشد الغنوشي في قضية الجهاز السري لحركة النهضة
  • المستنسخات الأثرية في المملكة تستحضر عمق التاريخ في “كتاب كوالالمبور 2026”
  • تايلور سويفت تعلن عن تقديم أغنية جديدة لفيلم قصة لعبة 5
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية
  • النعماني: انطلاق أعمال أكاديميات جامعة سوهاج الرياضية في 8 ألعاب وبرامج للتأهيل العسكري
  • «رأس الخيمة لأصحاب الهمم» يعتمد مشاركة 14 لاعباً في «الألعاب الإماراتية»
  • تفاصيل مسلسل لعبة الاختطاف قبل عرضه في آسيا
  • AMD تفاجئ اللاعبين بمعالجات Ryzen X3D جديد بأسعار رخيصة
  • جاك جيلينهال: «In The Grey» ليس مجرد فيلم أكشن بل لعبة ذكاء وخداع مستمرة