طالب عمران: الخيال العلمي العربي شبه مغيّب بسبب النقّاد وأسياد الثقافة الاستهلاكية
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
استطاع الدكتور طالب عمران المتخصص في كتابة أدب الخيال العلمي منذ بواكير كتاباته أن يقدم أدباً فيه الكثير من الجدية والعمق، وجمع بين الثقافة العلمية، الفلسفة، والسرد الروائي الممتع. أعماله التي تجاوزت السبعين كتابا وقصة ورواية، لم تتوقف عند حدود الواقع العربي، بل امتدت لتطرح تساؤلات عن المستقبل العالمي، الإنسان، والزمن نفسه.
ـــــــــــــــــ
كيف تطوّر الخيال ليصبح خيالاً علميّاً؟
فُطِرَ الإنسان على الخيال، يصبح هذا الخيال مرتبطاً بالعلم. الخيال أداة العقل، وهو سر المعرفة البشرية، وكل هذه المعرفة التي أعطاها الله للإنسان والتي بدأ بها الإنسان يستشرف الآفاق المعرفية الأخرى أتت من الخيال. كان الخيال منفتحاً في الحضارات الإنسانية الأولى. كان الإنسان يتخيَّل كل شيء دون ضوابط. من ذلك الخيال نمت الملاحم القديمة، مثل "جلجامش" في الأدب السوري، والإلياذة والأوديسة في الأدب الإغريقي، والرامايانا والمهاباراتا في الأدب الهندي. كلها كانت ملاحم منفتحة كان الخيال فيها يوجِّه الأبطال في أزمنة وأمكنة وأدوات مختلفة. إن إبداعات عصر النهضة الأوربية ترتكز ارتكازاً كاملاً على إبداعات الحضارة العربية الإسلامية التي امتدت في أوجها بين القرنين الثامن والرابع عشر الميلادي. لقد كان خيال العرب أغنى بكثير من خيال الأوربيين، إن خيال العرب كان منفتحاً إلى حدٍ ما، لكنه انضبط بعد ذلك من خلال العلماء الذي كانوا يتعاملون مع العقل.
ويمكننا أن نرى الخيال العلمي واضحاً في خيالات لوقيانوس السوري السميساطي (من مدينة سميساط السوريّة على نهر الفرات وهي حاليّاً مع تركيا) المشهور بحوارياته ومغامراته المدهشة المفتوحة، لقد كان بداية لخيال علمي، فقد تحدث عن الكواكب المسكونة، والرحلات إلى القمر، ورحلات في جوف الأرض. يمكننا أن نعتبر لوقيانوس السوري الرائد الأول للخيال العلمي في التاريخ الذي نعرفه على الأقل.
وقصّة "حي ابن يقظان" التي كتبها ابن طُفيل كان نوعاً من الخيال العلمي، وكذلك رسالة الغفران للمعري، ومدينة الفارابي الفاضلة. وفي ألف ليلة وليلة، كان هناك خيال تحدّث عن المرآة السحرية، هذا الخيال ربّما ترجمه العلم باختراع التلفاز، والبساط السحري وراء اختراع الطائرة، وطيران الإنسان بجناحين الآن كانت بدايته مع عباس بن فرناس، بعد تلك المرحلة بدأ الخيال العلمي يتأطر بحيث أصبح جزءاً من الأدب وهو بنفس الوقت مقرون بالعلم، فيمكن أن نعرَّفه بأنه خيال مجنَّح مرتبط بالمنطق العلمي.
ـــــــــــــــــ
كنتَ من أوائل من راهنوا على الخيال العلمي عربياً في وقتٍ كان يُنظر إليه كأدب هامشي. هل كنت تكتب بدافع الإيمان بالمستقبل، أم بدافع القلق منه؟
بدأت مع الخيال العلمي في نشر بعض المقالات العلميّة والزوايا التي تتحدّث عن مستقبل العلم وإنجازاته وأرسلت قصة (النبضة) إلى مجلّة الشرطة التي كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير محمد الماغوط وكنت في الثالثة والعشرين من عمري قال لي عندها:"أنت كتبت هذه القصّة، أنت صغير السنّ انا أتابع ما تكتبه في الصحف اليوميّة، من قصص قصيرة من الخيال العلمي عدا عن مقالاتك العلميّة التي تطرح أفكاراً مهمّة. اعتقد أنّ مستقبلاً ينتظرك وأنت تحلّق لوحدك في سرب ليس فيه غيرك عندنا".
شجعني هذا اللقاء كثيرا ونشطت في كتابة الخيال العلمي، وقد تنازل الدكتور رزق الله هيلان عن الصفحة العلميّة الاسبوعيّة في جريدة البعث لأشرف عليها وكنت غالباً ما أنشر في كل عدد قصّة خيال علمي.
وتقدمت بمجموعة قصص من الخيال العلمي للأطفال باسم (كوكب الأحلام) قال لي الكاتب الكبير زكريّا تامر: ""أنت بدأت تختطّ طريقاً لم يسلكه غيرك عندنا حتّى في الوطن العربي"
بالتأكيد كان الخيال العلمي هو هاجسي الأوّل وتفرغت للكتابة فيه. ومع الأسف لم أكن متفائلاً بالمستقيل. كنت أرى الحروب القادمة واضطهاد الإنسان وبؤسه. وهذا بالتأكيد ما في غالبيّة ما أكتبه.
وبكل ثقة أكدت حضوري بين القرّاء لأنّني كنت أكتب قصصاً شيقة مختلفة عمّا يكتبه الآخرون، وخاصّة أنّني دخلت في الدراما الإذاعية في برنامج ظواهر مدهشة الذي أصبح محور اهتمام الناس فهو يحكي عن خفايا الحياة وجوانبها الإنسانية الأخرى.
ـــــــــــــــــ
في عدد من أعمالك، يظهر المستقبل كامتداد مأزوم للحاضر، حيث يقود التقدّم العلمي إلى اختلالات إنسانية وأخلاقية. هل كنتَ تكتب هذه العوالم بوصفها تحذيرا مبكرا، أم كنت ترى فيها مسارا يكاد يكون حتميا؟
أدب الخيال العلمي إذن هو أدب المستقبل، يحلم باللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على عوامل ضعفه في الكون المحيط به، يحلم بالانتصار على الشيخوخة والمرض والتعب ويكتشف الأعماق المجهولة في المحيطات ويلتقي مع كائنات العوالم الأخرى، ويهبط على الكواكب البعيدة، ويحذر الإنسان من الانجراف نحو عدم الاكتراث بسلبيات استخدام العلم لمنفعته الذاتية وما تخلق تلك السلبيات من دمار لحضارته الحديثة، كالتلوث بكافة أشكاله والنفايات والاحتراق الصناعي وطبقة الأوزون المخربة وتكديس السلاح المدمر.
إنه يحاول أن يفسر حياة الإنسان والألغاز المحيطة به، ويقدم حلولاً لمشاكله المتواترة المستعصية وهو أدب الخيال العلمي الجاد، وهذا ما أحاول التعبير عنه في كتاباتي. وقلقي على سكان هذا الكوكب البائس، أما نوع الأدب الآخر الذي يؤكد على الخرافة دون مضمون علمي حقيقي فينتشر في المجتمعات الاستهلاكية كأدب يسلي قارئه في حافلة، في سيارة، في طائرة، ثم يلقى كتابه وينسى كل أحداثه غير المنطقية.
ـــــــــــــــــ
كونك رائد في أدب الخيال العلمي، كيف ترى وضعه في العالم العربي اليوم؟ هل أخذ حقه من النشر والترويج، أم أنه ما زال يكافح ليجد مكانه الطبيعي لدى القراء والمؤسسات الثقافية؟
ظهر الخيال العلمي في الوطن العربي بشكل هامشي لأول مرة عام 1958 في مسرحية توفيق الحكيم (رحلة إلى الغد). وفي الستينات كتب (د. مصطفى محمود) رواية العنكبوت عام 1964 وفي عام 1967 نشر رواية (رجل تحت الصفر). أما الكاتب الذي التزم هذا الخط وحافظ عليه وتفوق فيه فهو (نهاد شريف) ويعد الرائد الأول للخيال العلمي في الوطن العربي حين تعرفت على أدبه وأدهشني بمجموعته القصصية (رقم 4 يأمركم) لقد جذبني إلى أسلوبه السردي المتمكّن..
ويمكننا أن نتذكر (محمد الحديدي) ورؤوف وصفي ك والمترجم المعروف وحسين قدري وصبري موسى ود. صلاح معاطي، ود.عطيات أبو العينين الناشطة في كتابة الخيال العلمي وعمر كامل ود. علي حسن وإيهاب الأزهري من مصر ومحمد عزيز الحبابي وعبد السلام البقالي وأحمد فزان (والثلاثة من المغرب) وطيبة ابراهيم من الكوي. وقاسم قاسم من لبنان وهناك أدباء نشروا قصصاً قصيرة لمرة واحدة وفي سورية هناك محاولة لـ (دياب عيد) وعبدو محمد، إضافة لكتابات لينا كيلاني ولها قصصاً وروايات عديدة أيضاً من الخيال العلمي..
لقد بدأ هذا النوع من الأدب يأخذ مكانه في عالمنا العربي ولكن حتّى الآن ما زال كتّابه على قلّتهم لا يأخذون المساحة المطلوبة في هذا الجنس الأدبي الذي يشغله المستقبل بأخطاره على البشريّة وسط تكديس الأسلحة المدمّرة، التي قد تنهي سكان الكوكب في حرب نوويّة مدمّرة لا تبقي سوى القليل من البشر وسط مأساة مرعبة لا يمكن وصفها.
ـــــــــــــــــ
رغم عالمية الخيال العلمي، هل يمكن القول إنك قدمت أدبا يمكن أن يطلق عليه أدب خاص بالعرب دون أن يذوب في النموذج الغربي؟
بالتأكيد اعترف القراء بهذا الأدب وتابعوه، ولكنّ الخيال العلمي العربي شبه مغيّب في الفضاء الثقافي العربي، والسبب النقّاد، وأسياد الثقافة الاستهلاكية، الذين عدّ بعضهم أدب الخيال العلمي نوعاً من الهرطقة والتدليس.
أنا كأديب خيال علمي معروف في الدائرة الثقافية العربية رغم كل أنواع الحصار والتغييب، وفي السنوات الأخيرة بدأت أشعر بأني أخرج من الدائرة العربيّة إلى العالم، أدين كامبل الناقد البريطاني المعروف قدّمنّي، ككاتب إنساني يهتم بمستقبل الإنسان وهمومه ومتاعبه، وانتقد بعض من قال عنّي أنّني أكتب الفانتازيا، واستعرض العديد من المؤلفات كرواية (خلف حاجز الزمن) التي نشرت عام 1985 كرواية صوفيّة وأنّها خيال علمي جادّ. وانتقد بعض النقّاد العرب بتأكيده أنّني أكتب أدباً جادّاً له علاقة مباشرة ببؤس الإنسان وشقائه في السنوات القادمة. فرواية الأزمان المظلمة تنبّأت بالكثير من الأحداث التي حدثت فعلاً بعد الحادي عشر من سبتمبر-أيلول وما حدث في المنطقة العربيّة من تغييرات في بعض الدول.
وأنا أشعر أنّ كتاباتي متابعة ومقروءة والدليل هو كثرة طبعات كتب وروايات الخيال العلمي التي أنشرها. "الأزمان المظلمة" رواية تستشرف المستقبل كتبت قبل نحو ربع قرن من الخراب الذي حدث عندنا.
ـــــــــــــــــ
دوماً يرى أبطالك أحلاماً غير عاديّة تصل سيطرة الأحلام على البطل حدّاً تبدو فيه وكأنّها كوابيس أمّا في الأزمان المظلمة فترشده إلى متاعب مرعبة وهي بعض ممّا ينتظره أتراها رؤيتك الواقعيّة أم توقّعاتك متسعة الخيال؟ ثمّ ما هو الموقع الذي تضع فيه كتاباتك؟
الخيال العلمي يتخذ من المستقبل محوراً أساسيّاً في كل إرهاصاته تقريباً، يناقش طموحات الإنسان ومشاكله وهمومه في السنوات أو العقود أو حتّى القرون القادمة.
إنّه أدب له علاقة مباشرة بالعلم وآفاقه المستقبليّة. وكتّابه ينقسمون إلى فئتين متباينتين:
- فئة تركّز على الفانتازيا ووحوش الفضاء والغزاة من العوالم الأخرى ومغامرات أشبه بشطحات خرافيّة تستخدم العلم لنسج مبالغات مضللّة ليست لها علاقة بالإنسان وهموم مستقبله المتراكمة. وفئة تهتمّ باستراتيجيات التطور العلمي وآفاقه وعلاقاتها المباشرة بحياة الناس وهواجسهم وأحلامهم، بل وحتّى الأمراض والكوارث. كان الهمّ الإنساني هو المحور الأساسي لكلّ الكتابات التي اكتبها
كما في رواية "الزمن الصعب" ورواية "في كوكب شبيه بالأرض" و"الفتية الأغرار وأسفار الكشف"
وغيرها مما كتبت، ولكنّ الرواية المستقبليّة بشكلها العقلاني المشحون بهموم البشريّة كانت شديدة الوضوح في روايتي "الأزمان المظلمة" فيها عرض لما يحدث في العالم الآن وما يمكن أن يحدث خلال السنوات القادمة حتّى العام 2040 من الحروب المدمّرة حتّى الجمعيّات الماسونيّة المتحكّمة بالعالم ثمّ إلى غوانتانامو حيث التجارب على المساجين والاستنساخ وزرع الفيروسات واستئصال الأعضاء البشريّة وزرعها في أجساد أخرى.
ـــــــــــــــــ
اخترتَ سلطنة عُمان فضاء لرواية ممتدة بجزأين، وهو اختيار لافت في الخيال العلمي العربي. ما الذي جذبك إلى عُمان تحديدا؟ وماذا أتاح لك هذا المكان "ثقافيا وإنسانيا" أن تقدّمه سرديا ولم يكن متاحا لك في فضاءات أخرى؟ وهل تعاملت معه بوصفه جغرافيا روائية، أم بوصفه حاضنا ثقافيا وإنسانيا لفكرتك المستقبلية؟
همومي الإنسانية الكبيرة تطغى على كل أعمالي، حتى في رواية "مزون" الملحميّة طغى على بعض أحداثها طابع الاستشراف المستقبلي، الذي أعطى للهمّ الإنساني عمقاً واضحاً.
مزون هي الجدّة الني قابلها بطل الرواية الشامي الذي عرّفته على عُمان وأصالتها وتنوّع تضاريسها وكهوفها المذهلة التي لا يوجد مثيل لها في العالم. حتّى بنباتاتها وأشجارها الخاصّة وغزلانها وأحيائها البحريّة المتنوّعة العجيبة.
كانت إقامتي في عُمان ليس فقط للتدريس وإنّما للكتابة والاستكشاف ويمكنك بقراءة مزون أن ترى الملحمة الروائيّة المتكاملة. أحداثها شخصيّاتها الأمكنة التي تدور فيها الأحداث. وبالتأكيد كتبت الخيال العلمي فيها فمزون الجدّة الحكيمة، تقفز فوق الزمن وتحلم بما يمكن أن يحدث، وهي رواية أعتبرها بجزئيها ملحمة روائيّة عصريّة مختلفة.
كنت مدعوّاً لإلقاء محاضرة في معرض الكتاب، وبدأت أوقّع كتبي في دار الفكر حتّى نفذت.
وفي اليوم الثاني أتت إحدى الفتيات العمانيات وهي طالبة جامعيّة تسأل عن الجزء الثاني من رواية مزون سألتها:
- قرأت الجزء الأوّل قالت ببراءة: ""خمس مرّات"
وكانت الرواية قد نفذت، كما ذكرت، وكنت قد طلبت من مشرف الدار نسخة من الجزئين، احتفظ لي بها، فأشرت له ليحضر الجزء الثاني، فسألتها عن اسمها وكتبت لها إهداءً، ففوجئت فقلت لها:
- ستقرئين هذا الجزء أكثر من مرّة أيضاً.
- نحن العرب عشنا على مدى ثمانية قرون عصراً إبداعيا متميزاً، قدم فيه علماؤنا إبداعاتهم في الفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والصيدلة والطب والهندسة والاجتماع والفلسفة والموسيقا والفن والأدب وكل فروع المعرفة.
وكانت عُمان أحد الأماكن التي شهدت إبداعات وقبل هذه القرون، قدمت الحضارات القديمة في بلادنا أبجديتها وعمارتها وإبداعها للعالم، من السومريين إلى الأكاديين والكلدانيين والبابليين والآشوريين والكنعانيين الفينيقيين، وفينيقيو قرطاجة ثم مروراً إلى الإغريق والعصر الهيلينستي الذي مهّد للحضارة العربية الاسلامية. لماذا نحن محاصرون؟ حتى الغرب يشارك في حصارنا، بتكبير الصورة المشوّهة للعرب.
عُمان أنجبت الخليل بن أحمد الفراهيدي اللغوي المشهور. ومنها خرج أعظم بحّار عرفته البحار في زمنه هو أحمد بن ماجد، وراشد بن عميرة في الطب والصيدلة، ونور الدين السالمي في الفقه، وابن الذهبي في الطبّ والفيزياء، وأبو محمّد عبد الله بن محمّد الأزدي والمؤرخ الشاعر أيضاً حميد بن محمد بن زريق وغيرهم كثير.
ـــــــــــــــــ
هل يمكن القول إن التجربة العُمانية في هذه الرواية سمحت لك بتجريب شكل مختلف من الخيال العلمي العربي، خيال ينطلق من الهدوء التاريخي والعمق الحضاري لا من الصدام أو الكارثة، كما هو شائع في هذا النوع؟
لاشكّ أنّ في الرواية بجزئيها خيالاً علميّاً واضحاً، فمزون الجدّة تخترق الزمن عن طريق الدخول في أنفاقه بالطريقة التي تعلّمتها من زوجها الذي كان خبيراً وعالماً في الفيزياء والفلك، وهناك قصّة ابنة البحر وأولادها أشباه البشر الذين يعيشون في الماء ككائنات بحريّة ذكيّة، الكثير من الأحداث قي هذه الرواية هي خيال علمي، وأعتبر عُمان محطّة بارزة في حياتي، كتبت فيها روايات أخرى لها علاقة بالبحر والمغامرة فيه. كنّا نذهب للصيد في الليل أنا وبعض الأصدقاء وأفادتني تلك الرحلات في تمتين علاقتي بالبحر. أنا نشأت في بيئة بحريّة وكنت مولعاً بالبحر وكتبت عنه العديد من القصص والروايات ألا أنّ البحر في عُمان كان مختلفاً له ميزة غير متوفّرة في البحر المتوسّط حيث عشت طفولتي. فالحياة البحريّة غنيّة بأنواعها على شواطئ عمان، وامتداداتها زاخرة بالأنواع الفريدة حتّ بالصخور والخلجان والأشجار المتناثرة قرب الشواطئ.
ـــــــــــــــــ
أيّ نص كتبته تشعر اليوم أنه كان سابقا لزمنه ولم يُقرأ كما يجب؟
رواية الأزمان المظلمة رغم أنّ الكتّاب الغربيين قد كتبوا عنها وعن توقّعاتها المستقبليّة الني حصلت حتّى أنّني بعد عشرين عام من تأليفها قرأتها بشكل حيادي فذهلت للأحداث التي وقعت فعلاً بطريقة وصفتها الرواية بدقّة.
وأضيف شيئاً مهمّاً هنا، هو أنّني أكتب الرواية أو القصّة القصيرة ولا أستطيع قراءتها من جديد، فعندما أكتب أغوص في عالم ما أكتب متخليّاً تماماً عن الواقع وبعد ان انهي العمل الذي كتبته أدفعه للطباعة دون مراجعة فعندما أكتب أكون دقيقاُ في اللغة وتركيب الأحداث، وبعد دفعه للطباعة أنساه تماماً. هكذا أنا وفد أختلف في ذلك عن الكثير من الكتّاب.
ـــــــــــــــــ
في أعمالك، لا يبدو الخيال العلمي هروبا من الواقع، بل أداة لكشفه. هل كنت ترى العلم وسيلة للتنبؤ، أم مرآة نقدية للحاضر؟
العلم مرآة للتنبؤ وليس مرآة نقديّة للحاضر. وكما ذكرت الخيال العلمي عندي أداة للكشف وليس هروباً من الواقع. أنا أدخل في عمق الشخصيّة وأحكي عن فعلها في المستقبل ضمن الرواية كتنبّؤ بما يمكن أن تفعله.
ـــــــــــــــــ
العلم في نصوصك ليس محايدا؛ غالبا ما يكون محمّلا بأسئلة أخلاقية. هل تخوّفت يوما من أن يتقدّم العلم أسرع من إنسانية الإنسان؟
كما ذكرت قبل قليل نحن مقبلون على انهيار في السلوك الإنساني نتيجة سيطرة الآليين المقبلة علينا في السنوات القادمة، إذا لم ننته بحرب نوويّة يخفي الطغاة أسرار زمان وقوعها ومكانه في بلدان الكوكب البائس.
ـــــــــــــــــ
أعمالك في الخيال العلمي لم تقتصر على طرح الأسئلة العربية أو المحلية فقط، بل تحمل رؤية إنسانية واسعة. كيف كان الصدى عالميا؟ وهل لاقت كتبك الترويج الكافي خارجيا؟
باحثة بريطانيّة تناولت أعمالي في رسالة الدكتوراه كأيقونة الخيال العلمي العربي
وباحثة تونسيّة كانت رسالة الدكتوراه التي نالتها من فرنسا عن بعض رواياتي وخاصّة الازمان المظلمة. وباحثة إندونيسية كانت رسالة الماجستير حول البعد النفسي لبطل روايتي أحزان السندباد. وهذه الرواية كانت مصدراً للعديد من الرسائل الجامعيّة قي بعض أقسام اللغات في جامعات غير عربيّة.
ـــــــــــــــــ
قدمت من خلال سيرتك الأدبية الطويلة أعمالا كثيرة لليافعين والشباب، هل تشعر أنهم الأكثر انفتاحا على هذا العالم الخيالي، وهل تختلف التجربة عند مخاطبة هؤلاء عن الكبار؟
بالتأكيد، الأطفال هم أكثر انفتاحاً على الخيال من الكبار. لأنّ هموم الصغار بسيطة نسبيّاً بينما الكبار تشغلهم مشاكل الحياة ومشاكل أسرهم بمختلف أفرادها.
ـــــــــــــــــ
لو حاولت أن تتخيل الكون بعد قرن أو أكثر، ما الذي تتوقعه للبشرية: هل سيصبح العلم والسيطرة على الطبيعة حليفا للإنسان أم تهديدا لها؟ وهل سيظهر بيننا كائنات فضائية أو حضارات أخرى كما تخيلت في نصوصك، أم أن المستقبل سيكون أكثر غرابة مما نتخيله؟
في كتاباتي أركّز على أنّ الكائنات العاقلة من كواكب أخرى قد تزورنا إذا حصل شيء خطير في الكوكب كحرب نوويّة، أو كارثة كونيّة كاصطدام مذنّب ضخم بالأرض أو يمكن أن تأتي للاستكشاف ولا يمكن لأبناء حضارة أن يأتوا لاستعمارنا فتفوقّهم في الذكاء يجعلهم بعيدين عن العدوان. كلا كما تروّج لهم شركات الأفلام الغربيّة أنّهم قادمون للسيطرة والاستباحة بكلّ المقاييس. هذا رأيي وأنا مقتنع به.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أدب الخیال العلمی من الخیال العلمی فی السنوات خیال علمی العلمی فی ما أکتب یمکن أن علمی فی علمی ا ة التی ة کانت
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026