أوروبا بين الشراكة والسيادة.. قراءة جيو-استراتيجية في وجهات النظر الأوروبية تجاه الولايات المتحدة
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
في أجواء دولية متوترة، تتكشف ملامح التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة على نحو أكثر وضوحاً مما اعتدنا عليه خلال عقود من الشراكات والتفاهمات داخل حلف شمال الأطلسي.
تصريحات رئيس الوزراء البلجيكي «بارت دي ويفر» في منتدى دافوس، ونبرة الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» النقدية تجاه السياسات الأمريكية، تكشف عن تصاعد رغبة أوروبا في إعادة تعريف علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، بعيداً عن منطق التبعية والتهديد، ومستمرة في البحث عن توازن بين السيادة السياسية والانفتاح على الشراكات الاقتصادية العالمية.
قال دي ويفر، خلال كلمته أمام البرلمان البلجيكي، إن رسالته في «دافوس» كانت واضحة: الولايات المتحدة تبقى القوة الأهم داخل حلف الأطلسي، لكن هذا الموقع لا يمنحها الحق في تهديد حلفائها أو فرض إملاءات عليهم. وأضاف: "نرفض أي خطاب يقوم على الضغط أو الابتزاز، فالعلاقات داخل "الناتو" يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل لا على منطق القوة". هذا التصريح يعكس إرادة أوروبية متنامية لتأكيد السيادة الجماعية للدول الأوروبية، وإعادة النظر في صياغة قواعد الشراكة الاستراتيجية مع القوة العظمى التقليدية.
وفي سياق مشابه، وصف «ماكرون» النظام الدولي بأنه "يتحول نحو عالم بلا قواعد، تُنتهك فيه مبادئ القانون الدولي ويُختزل كل شيء في منطق القوة"، مشيراً إلى عودة الطموحات الإمبريالية وتراجع الحوكمة الجماعية لصالح منافسة شرسة تُقوّض المصالح الأوروبية. وحرص الرئيس الفرنسي على التأكيد أن التحالف مع "واشنطن" لا يعني التبعية، بل شراكة قائمة على السيادة والكرامة السياسية. من هنا، يمكننا رؤية أوروبا وهي تبحث عن "معادلة كرامة" داخل التوازنات الغربية، حيث الثقة والاستقلالية هما حجر الزاوية لأي تعاون مستقبلي مع الولايات المتحدة.
الواقع السياسي والاقتصادي يعكس أبعاداً (جيو-استراتيجية دقيقة: بعد إعلان «ترامب» عن نية فرض رسوم جمركية متزايدة على الحلفاء الأوروبيين ما لم تسمح واشنطن بشراء "جرينلاند" برزت الحاجة الأوروبية لإعادة التفكير في أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لمواجهة الإكراه الأمريكي. وفي هذا الإطار، اقترح ماكرون الانفتاح على شراكات متوازنة، بما في ذلك الاستثمار الصيني في القطاعات الاستراتيجية، كوسيلة لتعزيز النمو الأوروبي ومواجهة الضغوط التجارية، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بالتنافسية الصينية.
في قلب هذا الجدل الأوروبي - الأمريكي، تقف «ألمانيا في موقع بالغ الحساسية» برلين، بحكم ثقلها الاقتصادي وموقعها الجغرافي داخل العمق الأوروبي، تدرك أن أي تصعيد مع واشنطن لن يكون بلا كلفة، لكنها في الوقت ذاته تتحرك بحذر شديد إزاء الانجرار إلى منطق الإكراه. الموقف الألماني يتسم بالبراجماتية الباردة: التمسك بالحلف الأطلسي كإطار أمني لا غنى عنه، مقابل رفض تحويل أوروبا إلى ذراع تنفيذية للسياسات الأمريكية، خصوصًا في الملفات التي تهدد الاستقرار الإقليمي والطاقة العالمية. ألمانيا لا ترفع نبرة التحدي كما تفعل فرنسا، لكنها تمارس مقاومة هادئة عبر التعطيل المؤسسي، والتمسك بالقانون الدولي، ورفض أي استخدام للأراضي أو القواعد الألمانية خارج تفويض أممي واضح.
أما بالنسبة لسؤال إمكانية إرغام أوروبا على تقديم دعم لوجستي لأي ضربة محتملة ضد إيران، فالتحليل الجيو-استراتيجي يشير إلى الواقع المعقد: نعم، يمكن ممارسة ضغط أمريكي قوي، لكن لا يمكن إكراه أوروبا جماعيًا، ولا ألمانيا تحديدًا، على المشاركة اللوجستية في ضربة ضد إيران دون غطاء دولي. من الناحية القانونية، أي دعم لوجستي دون تفويض من مجلس الأمن يعرض أوروبا لأزمة قانونية وسياسية كبيرة. من الناحية السياسية، الانقسام الأوروبي واضح: فرنسا تميل للاستقلال الاستراتيجي، ألمانيا توازن بين الضغط الأمريكي والرأي العام الداخلي، ودول شرق أوروبا تميل للدعم الأمريكي خوفًا من روسيا. من الناحية الاقتصادية، أي ضربة لإيران تعني اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ثمن لا تستطيع أوروبا تحمله في لحظة ركود عالمي.
السيناريو الأكثر احتمالًا أن الولايات المتحدة قد تطلب تسهيلات لوجستية أو صمتًا سياسيًا بدل المشاركة المباشرة، وهو ما يضع أوروبا في موقف رمادي، بين الحفاظ على الشراكة الأمنية مع أمريكا، وبين حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.
من منظور فلسفي وسياسي، يمكن قراءة هذه التحولات في ضوء نظرية «التعددية الاستراتيجية»: حيث تصبح السيادة الوطنية والمصالح الاقتصادية والقدرة على اتخاذ القرار المستقل أدوات جوهرية للحفاظ على الهوية الأوروبية، في ظل عالم يتسم بالعولمة الاقتصادية المتسارعة وعودة العقل الإمبريالي إلى المشهد الدولي. أوروبا ليست مجرد تابع جغرافي لأمريكا، بل كيان سياسي يسعى لفرض قواعد لعبه الخاصة ضمن أفق متعدد الأقطاب وصراع مصالح مركب.
في النهاية، ما تقدمه أوروبا اليوم ليس مجرد خطاب احتجاجي، بل رؤية متكاملة لإعادة صياغة مكانتها في النظام العالمي الجديد، من خلال مزيج من الشراكات الاقتصادية المتوازنة، والحفاظ على استقلال القرار السياسي، وبناء آليات داخلية لمواجهة أي إكراه خارجي، مهما كان مصدره. هذا الواقع يشير إلى تحول عميق في الفلسفة السياسية الأوروبية، من الانصياع لمنطق القوة إلى استعادة السيادة والكرامة، وهي خطوة تعكس نضجًا استراتيجيًا ونظرة بعيدة المدى لمستقبل القارة.
هذه قراءة مستندة إلى وقائع عالمية وأحداث منتدى دافوس 2026، وتعكس الواقع الأوروبي الحالي في مواجهة الإكراه الأمريكي، مع التأكيد على أن أوروبا تبحث عن ذاتها في عالم متعدد الأقطاب، ولن تكون «عبداً بائساً» لأي قوة، وأن الشراكة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الابتزاز والتهديد!!
كاتب وباحث في الجيوسياسة والصراعات الدولية!!
اقرأ أيضاًفي ظل «جنون الذهب».. بيع أم شراء؟
أهلا ياكتاب
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: أوروبا الرئيس الفرنسي السياسات الأمريكية الشراكات الاقتصادية العالمية الولايات المتحدة شمال الأطلسي الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟
اتخذ الاتحاد الإيراني لكرة القدم قرارًا لافتًا قبل انطلاق كأس العالم 2026 باختيار مدينة تيخوانا المكسيكية مقرًا لإقامة المنتخب طوال فترة البطولة، رغم أن جميع مباريات الفريق في دور المجموعات ستقام داخل الولايات المتحدة.
ويأتي القرار في ظل ظروف سياسية واستثنائية فرضت نفسها على استعدادات المنتخب الإيراني قبل المشاركة في البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بشكل مشترك.
ووفقًا لتصريحات رئيس الاتحاد الإيراني مهدي تاج، فإن المنتخب سيتوجه أولًا إلى إسبانيا قبل الانتقال مباشرة إلى مدينة تيخوانا الواقعة شمال المكسيك بالقرب من الحدود الأميركية، حيث سيقيم معسكره الرئيسي خلال البطولة.
ويمثل هذا الاختيار حلًا لوجستيًا يتيح للمنتخب البقاء خارج الأراضي الأميركية بشكل دائم، مع الاكتفاء بالسفر إلى المدن التي تستضيف مبارياته الرسمية ثم العودة إلى مقر الإقامة في المكسيك.
وتعد تيخوانا من المدن الحدودية المهمة في المكسيك، وتتميز بقربها الجغرافي الشديد من ولاية كاليفورنيا الأميركية، ما يسهل حركة التنقل إلى عدد من المدن التي تستضيف مباريات كأس العالم.
وأشارت تقارير دولية إلى أن اختيار المدينة لم يكن مرتبطًا فقط بالعوامل الرياضية، بل جاء أيضًا نتيجة حسابات سياسية وأمنية بعد التطورات التي شهدتها العلاقات بين إيران والولايات المتحدة خلال الفترة الماضية.
ويواجه المنتخب الإيراني في دور المجموعات ثلاثة منافسين هم نيوزيلندا وبلجيكا والمنتخب الوطنى، وستقام هذه المباريات في مدن أميركية مختلفة، ما يتطلب ترتيبات سفر دقيقة بين المكسيك والولايات المتحدة طوال فترة المنافسات.
وتسعى الأجهزة الإدارية والفنية داخل المنتخب إلى توفير أكبر قدر من الاستقرار للاعبين خلال البطولة، إذ يُنظر إلى مقر الإقامة باعتباره عنصرًا مهمًا في نجاح المنتخبات المشاركة، خصوصًا في البطولات طويلة المدى.
كما أن وجود المنتخب في مدينة واحدة طوال فترة الدور الأول يمنح اللاعبين فرصة أفضل للحفاظ على الروتين اليومي والتركيز على التدريبات والاستشفاء بعيدًا عن التنقل المستمر بين عدة مقرات.
ويخوض المنتخب الإيراني مونديال 2026 بطموحات كبيرة، خاصة أنه أصبح أحد أبرز ممثلي القارة الآسيوية في السنوات الأخيرة، ويأمل في كتابة صفحة جديدة من تاريخه عبر التأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى.
ومع اقتراب موعد انطلاق البطولة، يبقى اختيار تيخوانا أحد أبرز القرارات التنظيمية التي اتخذها الاتحاد الإيراني، في محاولة للجمع بين الاعتبارات الرياضية والظروف السياسية المحيطة بمشاركته في كأس العالم، وسط ترقب لمعرفة مدى تأثير هذا القرار على أداء المنتخب خلال المنافسات.