يرتبط الترفيه بحياة المجتمعات باعتباره جزءًا أساسيًا وحاجة متعلِّقة بالبناء الاجتماعي لنسق حياة الناس، لما له من أهمية في التخفيف من أعباء الحياة اليومية وضغوطاتها من ناحية، والترويح عن النفس من ناحية أخرى، إضافة إلى كونه سبيلًا إلى بلوغ السرور والسعادة؛ وبالتالي، فإن أهميته مرتبطة بالحاجات النفسية والاجتماعية؛ إذ يعتبر الترفيه واحدًا من الفضاءات التي تجمع العائلات والأصدقاء، وترسِّخ العلاقات الإيجابية فيما بينهم؛ لذا فإنه مجال خصب لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الصحة النفسية، وتجديد النشاط والطاقة، بالإضافة إلى أهميته من الناحية البدينة بما يتضمنه من ممارسة للرياضات المختلفة، التي تنمي المواهب والقدرات.
تشير الأدبيات المختلفة إلى أهمية الترفيه في تحسين الصحة النفسية من خلال التخلص من الطاقات السلبية والتوتر، بما يُعزِّز الشعور بالرضا، كما أنه يُسهم في تجديد النشاط والطاقة وتحقيق التوازن، بما يوفره من مساحات واسعة للتعلم والممارسة المباشرة للعديد من المهارات الذهنية والثقافية والرياضية وغيرها؛ لذا فإنه يقدِّم لمرتاديه فرصًا عدة لتطوير الشخصية وتنمية الإبداع والتعبير عن الأفكار بطرق مختلفة؛ وبالتالي فإن الترفيه بأساليبه وفضاءاته المتعددة يوفِّر مجالًا واسعًا لممارسة الأنشطة التي تدعم الشعور بالسعادة والسرور.
إن هذا الشعور المرتبط بالترفيه التعليمي أو الثقافي أو الرياضي أو البيئي، يُعزِّز الجوانب الاجتماعية والنفسية خاصة لدى الناشئة والشباب من حيث توفير بيئة آمنة لاستثمار أوقات الفراغ فيما يفيدهم من معارف وثقافة تربطهم بمجتمعهم وترسِّخ لديهم مفاهيم الهُوية الوطنية وقيم المواطنة، بما يقدمونه من أعمال ومشاركات من ناحية، وما ينتجونه من إبداعات وابتكارات وما يمارسونه من مهارات ورياضات تقييهم الأمراض النفسية المختلفة المرتبطة بالحياة اليومية وتحديات الانفتاح المعرفي خاصة على مستوى ما تقدمه التقنيات الحديثة من إشكالات وتحديات.
ولهذا فإن الترفيه يُعد وسيلة مهمة للترويح عن النفس، وقضاء الأوقات الماتعة والمفيدة مع الأهل والأصدقاء، والاستمتاع والممارسة الفاعلة للأنشطة والهوايات، الأمر الذي ينعكس على حياة الأفراد عموما؛ من حيث صحتهم النفسية والبدنية، وكذلك عطائهم وإقبالهم على الأعمال ومشاركتهم الفاعلة في تحقيق الأهداف الوطنية.
فالترفيه حاجة مهمة من الحاجات الإنسانية الأساسية، ولأن الدول تؤمن بهذه الحاجة وتقدِّر أهميتها، فإن كثير منها أسَّس منظومة متكاملة تقود الترفيه نحو تحقيق تلك الأهداف برؤية واضحة تنطلق من حاجات المجتمع وتتأسس وفق معطيات اجتماعية وثقافية خاصة به.
إن العالم اليوم ينظر إلى الترفيه بوصفه صناعة؛ من حيث ارتباطه بالثقافة الوطنية من ناحية، والتقنيات الحديثة من ناحية ثانية، وقابلية التوسُّع في الأسواق وفتح فرص عمل للشباب من ناحية أخرى، فهذه الصناعة ترتبط بالإبداع والمبدعين، وقدرتهم على إضفاء طابع جديد ومبتكر لجذب الجماهير خاصة فئة الشباب؛ وبالتالي، فإنها صناعة تقوم على المشاركة المجتمعية التي تفتح مجالات واسعة لذوي المهارات من كُتَّاب وفنانيين في كافة المجالات (الموسيقى والمسرح والأداء الحركي وغير ذلك)، وأصحاب الصناعات الحرفية بمختلف أنواعها وأشكالها، إضافة إلى المشاركات التعليمية القائمة على دعم مهارات التفكير والإبداع.
لذا، فإن ما شهدناه خلال هذه الفترة من إقبال جماهيري على ما تم تنفيذه من مهرجانات وما صاحبها من فعاليات وأنشطة سواء في محافظة مسقط (ليالي مسقط)، أو محافظة الظاهرة (مهرجان الظاهرة السياحي)، أو محافظة شمال الباطنة (مهرجان صحار) وغيرها، يدل صراحة إلى أهمية الترفيه بمظاهره السياحية والثقافية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، وقدرته على تقديم ما يتناسب مع أفراد المجتمع بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.
وبالتالي، فإن مظاهر الترفيه التعليمي والثقافي الذي وفَّرته هذه المهرجانات لجماهيرها يثبت حاجة المجتمع لأنماط هذا الترفيه في الترويح عن النفس.
تشير الإحصائيات المبدئية ـ حسب الصحف اليومية ـ أن هناك مليونًا ونصف المليون زائر لـ (ليالي مسقط)، وأكثر من (270) ألف زائر لـ (مهرجان صحار)؛ وهي أرقام لافتة تشير إلى حاجة أفراد المجتمع لمثل هذه التظاهرات السياحية الثقافية ذات الطابع الاجتماعي؛ فهي ليست مجالا للتسلية وحسب، بل فضاء للترفيه والابتكار بما تقدمه من مجالات واسعة لتعزيز الأثر الثقافي الاجتماعي، وتحسين جودة الحياة في بيئة عائلية ترسِّخ القيم وتوفِّر بيئة تعلمية وترفيهية هادفة ومفيدة.
إن ما قدمته هذه المهرجانات من مناشط وفعاليات عكست التراث الثقافي العماني، وواءمت بين الواقع والتقنيات الحديثة خاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، بما يثير الدهشة، ويجذب الجماهير، ويقدِّم لهم تجارب إبداعية مختلفة؛ الأمر الذي أسهم في إيجاد صناعة ترفيهية تخلق بيئة تنافسية بين المحافظات لتقديم العروض والحفلات والأمسيات والفعاليات والأنشطة؛ بما يجعلها وجهة أساسية للأفراد والعائلات، ويوفِّر أفضل الممارسات التقنية التي تعزِّز ثقافة الإبداع والابتكار لدى الناشئة والشباب.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه المهرجانات وفَّرت فرصا لتبادل التجارب والخبرات الثقافية والتقنية، من خلال استقطاب العديد من العروض العالمية الفنية والمسرحية وعروض الروبوت. فالاستضافات تقدِّم بعدًا مختلفًا للأنشطة بما تضفيه من عوالم ثقافية متنوعة، وما تقدمه من أنماط إبداعية توفِّر مساحات التعاون والتبادل المعرفي بين المشاركين في تلك المناشط من جهة، وبينهم وبين الجماهير من جهة أخرى.
لقد أسهمت المهرجانات في توفير بيئة تنافسية معزِّزة للبيئات المحلية في المحافظات؛ حيث أظهرت ثقافة المحافظات بتنوعها الحضاري وخصائصها الفريدة، وقدرة أبنائها وخبراتها المختلفة، إضافة إلى إمكاناتها التطويرية وتطلعاتها المستقبلية.
كما وفَّرت بيئتها الجاذبة مجموعة كبيرة من فرص العمل المؤقتة؛ حيث تطالعنا الصحف اليومية أن تلك المهرجانات وفَّرت مئات الفرص للعمل في التنظيم والتنفيذ والمشاركات المختلفة خاصة للشباب والمرأة؛ الأمر الذي يلفت النظر إلى أهمية صناعة الترفيه في فتح فرص العمل لا سيما في الوظائف الإبداعية وما يساندها من صناعات.
إن هذه المهرجانات بطابعها الثقافي والسياحي تبرز أهمية الاستثمار في الثقافة، من خلال ما ترتكز عليه من صناعات إبداعية؛ حيث تزدهر ضمنها الفنون بأنواعها المختلفة، فلا نكاد نرى ركنا في المهرجانات لا يقدَّم فيه المسرح أو الفنون التقليدية أو السهرات الغنائية، أو الأمسيات الشعرية، أو الحوارات الثقافية أو العروض البهلوانية أو غير ذلك من صناعات إبداعية تقوم على الثقافة واستثمار الثراء الحضاري الذي تتميَّز به محافظات عُمان.
لقد أثبتت المهرجانات اليوم الحاجة إلى أهمية إيجاد منظومة تقود صناعة الترفيه في عُمان، وتُعزِّز من دور الثقافة في هذه الصناعة، اعتمادًا على التنوُّع الثقافي والحضاري الذي تنفرد به، بما يُسهم في تطوير الإبداع والابتكار ودورهما في دعم مفاهيم الترفيه لتقديم تجربة معرفية وثقافية تقود الترفيه وتوسِّع من آفاقه.
فالحاجة إلى الترفيه الذي يحمل أبعادًا معرفية متوازنة يزداد في ظل الانفتاح المتزايد وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تشكِّل خطرًا اجتماعيا على مستوى العالم.
إن الترفيه باعتباره صناعة يقدِّم تجربة إبداعية تنافسية، تخدم الأهداف الوطنية، بما يعزِّز الصحة النفسية للأفراد، ويُحسن جودة حياتهم ويدعم مشاركتهم الإيجابية في خدمة الوطن.
عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هذه المهرجانات الترفیه فی إضافة إلى إلى أهمیة من ناحیة
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .