لجريدة عمان:
2026-06-02@20:47:20 GMT

المواجهة الأمريكية الإيرانية.. إلى أين؟

تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT

في خضم الأحداث الجارية، تواصل معي قبل أيام صديق ألماني يعمل مستشارا في أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية هناك، يسأل عن قراءتي للمشهد الإيراني، وعما إذا كانت الحرب وشيكة! وهل الحشد الأمريكي الحالي ينمّ عن استعداد قتالي مكتمل؟ وإذا حصل ما نخشاه جميعا، ما التداعيات المحتملة على المنطقة؟ والأهم، ما موقف دول الخليج مما يحدث الآن؟

بمعنى آخر، هل يمكن أن تقوم هذه الدول بدبلوماسية نشطة لخفض التصعيد، تجنّبها -قبل كل شي- ويلات الحرب والدمار، أم أن الأمر لا يعنيها أساسا، وبالتالي تفضّل ممارسة دور المراقب، تجبنا للإحراج، وحتى لاتقع بين مطرقة أمريكا وسندان إيران؟

ومع أن التنبؤ بالمستقبل والتحليل الاستراتيجي عموما، ميدان يخوض فيه الكثير، ويدّعي العديد معرفة به ودراية، لكن الحقيقة، أن القليل جدا هم ممن يتوفر لديه قراءة واعية للواقع، قراءة، بعيدة عن العواطف، وغير متأثرة بالضوضاء والتشويش الإعلامي الرقمي، ناهيك عن حيازة أدوات ناجعة وقدرات فاحصة للتنبؤ بالمستقبل، خاصة في عصر السياسات الارتجالية للرئيس ترامب، وانفراده بالقرار السياسي، بعيدا عن

تقاليد دولة الموسسات، وقواعد وسياسة الضوابط والتوازنات Checks and Balances التي طالما وجهت السياسة الأمريكية.

دروس من فنزويلا

لا شك أن استذكار دروس من التاريخ، لإجراء المقارنات، واختبار الاحتمالات، يساعد في العادة بالتنبؤ بمسارات الأحداث. ومع أن التاريخ يوفر شواهد ودلالات تؤكد على عمق العلاقة بين حشد القوات وزيادة فرص الحرب، سواء كان ذلك بالنوايا والخطط المعدّة سلفا، أم بالتصعيد الناتج عن سوء التقدير والأحداث المفاجئة، إلا أنه، ولحسن الحظ، لا نحتاج للبحث بالتاريخ البعيد؛ فالأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، توفر نموذجا حيا للمقارنة.

في حالة هذه الدولة، كل شيء حدث بشكل سريع ومفاجئ، وبطريقة يصعب معها التقييم بأنها عمل ممنهج، وأتى ضمن استراتيجية أمن قومي وخطط حرب مدروسة!

يومها، قام الرئيس ترامب بنشر قوات محدودة، تسمح بتنفيذ حصار اقتصادي، وضمان تفوق جوي على فنزويلا، والقيام ببعض الاستفزازات التي أدت في نهايتها إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، ونقله مقيدا إلى نيويورك للمحاكمة.

لم يتطلب الأمر شن حرب شاملة وطويلة، بل مجرد عملية قوات خاصة خاطفة، محدودة، وسريعة. لم يهتم ترامب بإجراء خطط لليوم التالي، كما لم يبال كثيرا بأي ترتيبات لردة الفعل المحتملة، ولا للحفاظ على السلم، أو بناء وتثبيت نظام ديمقراطي موال.

هذه، كما اتضح جليا، الاستراتيجية المفضّلة للرئيس ترامب، والتي تتلاءم مع نهجه وطباعه. استراتيجية تبدأ باستعراض القوة والتصعيد المتدرج، ثم القيام بالخطوة الأولى، وبعد ذلك مراقبة النتائج، والتفاعل معها بناء على المعطيات وردود الافعال؛ إن كانت مواتية، يسارع بالبناء عليها وتوظيفها لخدمة أهدافه الداخلية والخارجية، وإن كانت غير ذلك، يجد مخرجا سريعا وبأقل التكاليف السياسية لتفادي أي تداعيات محتملة.

فرص المواجهة مع إيران

ومع أن لكل حالة ظروفها، وإيران ليست فنزويلا، وقدرات الردع لديها أكبر وأكثر تعقيدا، إلا أنه على ما يبدو أن الحالة الإيرانية لاتختلف عن فنزويلا كثيرا؛ فبين ليلة وضحاها، أصبحت إيران المغامرة والهدف القادم للرئيس ترامب، بعد النجاح الجزئي بفنزويلا، والمواجهة الفاشلة مع أوروبا.

ومع أن الدوافع الأمريكية تجاه إيران متعددة؛ ابتداء بالعلاقات المتوترة منذ الثورة الإسلامية قبل 47 عاما، ومعارضة ترامب للاتفاق النووي، ورغبته في محو إرث الرئيس أوباما، وتدخلات اللوبي الصهيوني لصالح إسرائيل، لمعاقبة إيران لمنازعتها تفوق إسرائيل، والرغبة في التأثير على الردع الإيراني، بعد أن تم تحقيق نجاحات مهمة في إضعاف محور المقاومة، وضرب قدرات الدفاع المتقدم عبر وكلاء إيران بالمنطقة، أو حتى اقتصاديات النفط والمال، أو قطع الطريق على الصين ومحاصرتها، وانتهاء بالرغبة في إنجاح مهمة مجلس سلام غزة، وإعادة بناء نظام جديد للأمن بمنطقة الشرق الأوسط، وفق مصالح ترامب والولايات المتحدة، إلا أنه مع كل ذلك، كان خيار أمريكا في ادارة هذه الاختلافات، هو الاحتواء، بدل المواجهة العسكرية معها. هذه المرة الأمر مختلف، والرئيس ترامب في عجلة من أمره!

لقد قام ترامب باتباع النهج والأساليب العسكرية نفسها مع فنزويلا، ومع عدم الاستهانة بقوة النيران التي تم نشرها ميدانيا، لا يبدو لكثير من المحللين، أنها تتوافق مع سيناريوهات الحرب الشاملة.

عسكريا، هي أقرب لاستعراض القوة التي تسمح بإجراء حصار بحري ذي فعالية معقولة، مع الضغط على التفاوض، والدفع نحو تسوية سياسية، مع القدرة، بالطبع، لتوجيه ضربة مباشرة، وحاسمة، لكنها تبقى محدودة، دون المزيد من الدعم العسكري، وتعاون الدول المجاورة.

وبالرغم من الردع المتبادل، وتوفر خيارات الرد الإيرانية، إلا أن ترامب، على مايبدو، سيجد نفسه مضطرا لتوجيه ضربة لإرضاء كبريائه، وللوفاء بوعده للمتظاهرين، وبالطبع، استجابة للتحريض الإسرائيلي والمساعي الخفية للوبي الصهيوني في أمريكا.

قد تبقى الأمور تحت السيطرة، وبشكل أشبه بالمواجهة السابقة بين الدولتين، في حالة توجيه الضربة للمشروع النووي، أو استهداف من ألحقوا الضرر بالمتظاهرين بشكل مباشر. أما إن طالت صلب النظام الإيراني، ومحاولة تغييره، أو تمكنت من تحريض الداخل الإيراني لصالح ثورة مضادة، فإن الوضع سيكون مختلفا، والصدام حتميا، وقد نصل معها إلى مرحلة المواجهة الشاملة.

بالرغم من كل ذلك، فإن أي صفقة مغرية لترامب ـ على شاكلة فنزويلا ـ يمكن أن تحقق تهدئة مؤقتة وتكسب معها الوقت، ويمكن أن تؤدي إلى ضجر ترامب، أو انشغاله بقضايا أكثر الحاحا.

غياب الأفق السياسي

ما يسهم في تأزيم الوضع بالنسبة لحالة إيران، هي انعدام الأفق السياسي، من خلال الشروط القاسية التي وضعها ترامب لإيران؛ فالواضح أن الشروط تبدو تعجيزية، ويصعب توقع قبولها بشكلها الحالي.

إن موافقة إيران على التصفير النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب، وتفكيك برنامج الصواريخ ذات المديات ما فوق ٣٠٠ كلم، والتخلص منه نهائيا، بالإضافة إلى وقف الدعم لوكلاء إيران وقطع العلاقة معهم، أمور يصعب تصورها.

إن تخيير إيران بين القبول بشروط مهينة، أو الحرب، يضعها في زاوية صعبة، ويدفعها إلى طريق واحد، وهو الصدام، وألا تكون كمن يتجرع السم، وتقبل بالانتحار والموت البطيء لمشروع الثورة الإيرانية.

دبلوماسية لدرء المخاطر

في الوقت الذي تحتاج فيه دول الخليج، أكثر من أي وقت مضى، للتركيز على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تجد نفسها في عين إعصار آخر، وقد يكون أشدّ وقعا ودمار هذه المرة.

صحيح أن هذه المنطقة لديها رصيد من التجارب، وتمتاز بالمرونة والقدرة على التأقلم مع التغيرات، لكن لا يجب أن تكون الحرب قدرنا!

في هذه المرحلة الحرجة، لا بد من ترك الخلافات مع إيران جانبا والتركيز على التحدي القائم، ومحاولة إيجاد مقاربات للحل؛ وبحكم الخبرة، نحن أدرى من غيرنا بإنجاز الصفقة التي يبحث عنها ترامب.

لا شك أن الدبلوماسية النشطة الذكية تستطيع أن تعمل فارقا، ودول الخليج في موقف جيد للقيام بها، والحوافز للقيام بذلك كثيرة؛ فالعواقب المحتملة للفوضى التي يمكن أن يحدثه انهيار النظام الحالي بإيران، أو الاستيلاء على السلطة من فئات أكثر تشددا، كبيرة جدا، وكذلك الحال بغياب الردع المتبادل مع إسرائيل، وبروز الأخيرة كلاعب مهيمن بالمنطقة.

وعلى المستوى الاقتصادي، ستلحق الحرب والإغلاق المحتمل لمضيق هرمز، الذي يعد أهم ممر استراتيجي للطاقة في العالم، بكارثة على المشروع الاقتصادي الطموح لدول الخليج، ناهيك عن الكارثة البيئية المحتملة للمياه الإقليمية، ومخاطر النزوح الجماعي لسكان الشطر المقابل من الخليج إلى دول المجلس.

الحكمة والتجربة تخبرنا أننا لا يجب أن نثق في استراتيجيات ترامب في تهدئة هذه المخاطر.

وكما يرى أحد المسؤولين الخليجيين أن «دول الخليج ترى أن احتواء إيران، مهما كان صعبا، أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة معها. وأن إدارة الخلاف، لا تفجيره، هي الخيار الأكثر عقلانية».

في النهاية، فإن عدم التعاطي مع هذا التحدي الخطير، لا يعد خيارا استراتيجيا للمنطقة. من جانب آخر، إن المسؤولية لدرء هذه المخاطر هي جماعية، ومن صلب اهتمامات المجتمع الدولي.

كما يجب أن تسهم إيران، أكثر من غيرها، في إيجاد حلول مستدامة، من خلال التصالح والتفاهم مع جوارها الإقليمي، والسعي لتبديد مخاوفه المشروعة.

في مقال سابق، اقترحت إجراء حوار معمق بين إيران ودول المجلس.. مثل هذا الحوار-وإن كان متأخرا- إلا أنه قد يكون طوق النجاة لإيران في قادم الأيام.

ناصر الزدجالي محلل سياسي عماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: دول الخلیج إلا أنه ومع أن إلا أن

إقرأ أيضاً:

ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

يواجه الشرق الأوسط تصاعدًا خطيرًا في حدة الصراع العسكري حيث دافع ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، عن الحرب الأمريكية ضد طهران في جلسة استماع بمجلس الشيوخ قائلًا إن إيران كانت تبني درعًا تقليديًا للاختباء خلفه وجاء ذلك تزامنًا مع إصدار إسرائيل أوامر بشن غارات جديدة على الضواحي الجنوبية لبيروت وتبادل الولايات المتحدة وإيران الهجمات العسكرية مما أثار مخاوف واسعة من انهيار الجهود الدبلوماسية الجارية

وصرح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن هذه الغارات جاءت ردًا على ما وصفاه بانتهاكات حزب الله المتكررة لوقف إطلاق النار وهجماته المستمرة على المستوطنات الإسرائيلية وقد دفع هذا التحذير آلاف السكان إلى الفرار من الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعد معقل حزب الله الرئيسي مما تسبب في ازدحام مروري خانق وشلل تام على الطرق المؤدية إلى خارج المنطقة

وتأتي هذه التطورات المتسارعة في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن وطهران مفاوضاتهما الرامية إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش وإعادة فتح مضيق هرمز وهو ممر ملاحي حيوي لا يزال يعاني من اضطرابات جزئية وقد غذت عمليات تبادل إطلاق النار المتكررة المخاوف الدولية من أن أي تصعيد كبير قد يعرقل الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق شامل وأوسع.

وقف إطلاق النار 

وفي تفاصيل المشهد الميداني أعلنت إسرائيل شن غارات على الضواحي الجنوبية لبيروت بعد اتهام حزب الله بانتهاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل بشكل متكرر وشن هجمات على الأراضي الإسرائيلية في حين أفادت التقارير أن غارات جوية إسرائيلية ليلية في جنوب لبنان أسفرت عن مقتل ستة أشخاص بينما أعلن حزب الله مسؤوليته عن هجمات صاروخية مكثفة استهدفت القوات الإسرائيلية والبنية التحتية العسكرية في شمال إسرائيل

ومن جانبه أعلن الجيش الأمريكي أنه ضرب منشآت الرادار والدفاع الجوي ومواقع الطائرات المسيرة في إيران بعد أن أسقطت طهران طائرة مسيرة أمريكية من طراز إم كيو وان كانت تحلق فوق المياه الدولية وردت إيران مباشرةً على الهجمات الأمريكية ونشرت لاحقًا لقطات مصورة لإطلاق صاروخ باليستي بينما أفادت السلطات في الكويت باعتراضها طائرات مسيرة وصواريخ قادمة في أجوائها في وقت مبكر من صباح الاثنين

وعلى الرغم من هذا التصعيد العسكري المحموم تتواصل الجهود الدبلوماسية لإنقاذ الموقف ومن المتوقع أن تعقد إسرائيل ولبنان جولة أخرى من المحادثات السياسية في واشنطن هذا الأسبوع بينما تواصل الولايات المتحدة وإيران مفاوضاتهما المباشرة وغير المباشرة بشأن إمكانية تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية يبحث هاتفيًا مع عراقجي وويتكوف تطورات مسار المفاوضات الأمريكية - الإيرانية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي
  • ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من تعقيدات ملف إيران.. شاهد
  • زعيم الديمقراطية بمجلس الشيوخ ينتقد الحرب الأمريكية على إيران
  • جنرال إسرائيلي: أردوغان أحبط خطة أمريكية ضد إيران.. ما علاقة نجاد؟
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • الخارجية الإيرانية: إسرائيل تواصل جرائمها في لبنان وفلسطين بسبب إفلاتها المستمر من العقاب
  • ترامب : إيران تريد إبرام اتفاق .. والأمور ستسير على ما يرام في النهاية
  • مهاجمة دول الخليج.. أمريكا تكشف عن خطأ فادح ارتكبه الإيرانيون خلال الحرب