الأمن الوطني مسؤولية الجميع
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
ما زالت الكلمات التي نقلها الدكتور زكريا المحرمي منذ عدة سنوات حاضرة في الذاكرة، وذلك بعد أن قام بزيارة والدي وطلب منه أن يقدّم نصيحة إلى الجيل الجديد -وتحديدا جيل الشباب العُماني- وكان مما نقله الدكتور زكريا عن والدي في تغريدته التي نشرها في ذلك الوقت: «احمدوا الله على ما تحقق في عُمان من نهضة وأمن وسلام، وحافظوا عليها، وخذوا العبرة مما تمر به دول الجوار».
كانت تلك التغريدة في عام 2018، وكانت متزامنة مع التأثيرات التي ما زالت قائمة آنذاك بسبب ما سُمّي بالربيع العربي، وما أعقبه من مشكلات كبيرة زعزعت الأنظمة العربية، وأربكت الداخل العربي، وزادته محنة وسوءًا.
اليوم، نحن بحاجة مرة أخرى إلى مثل هذه النصائح التي توجهنا إلى ضرورة أن نكون جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، والذي لا ينبغي أن يكون محصورًا في جهة معينة أو أشخاص بعينهم؛ إذ يمتد الأمن الوطني بأساليبه المتعددة، ويأتي في مقدمتها الوعي، وضرورة ترجمة هذا الوعي إلى تطبيق عملي وسلوك مسؤول، وإلى أفكار ناضجة ينبغي أن تكون مسؤولية الجميع -صغارًا وكبارًا- كلٌّ في موقع عمله وفي نطاق مسؤوليته. هذا ما نحتاج إلى إدراكه في حاضرنا المضطرب، خصوصا ونحن نقترب أكثر فأكثر من مشكلات تتزايد حدّتها في المنطقة وبالمقربة منا.
يظنّ بعضنا أن الأمن الوطني وإستراتيجياته محصورة في الأدوات العسكرية والأمنية فقط، بينما الحقيقة أن الأمن الوطني يبدأ من الوعي ذاته الذي يشمل الوعي العام، والوعي الجمعي، والوعي الفردي في المجتمع والدولة، وتظهر من هنا الحاجة إلى فهم جملة من القضايا التي تُعد من أبجديات الأمن الوطني، وأولها ضرورة بناء عقيدة وطنية راسخة نتمسّك بواسطتها بمفاهيم الأمن الوطني وصيانة الأمن بشكل عام.
من أهم هذه المفاهيم أن الاستقرار الوطني مرهون بالانسجام بين الحكومة والشعب؛ فعندما يكون هذا الانسجام قائمًا على الاحترام المتبادل، ومبنيًا على العدالة وتطبيقها؛ فإن ملامح العقيدة الوطنية تأخذ في التجذّر أكثر فأكثر داخل المجتمع؛ ولهذا عندما جاءت نصيحة والدي، فإنها صدرت عن جيل شهد الاضطرابات في المنطقة، ففهمها جيدًا، واستوعب معادلاتها وتعقيداتها، وأشار إلى أن من أخطر سموم هذه الاضطرابات الاستغلال الخارجي للأزمات الداخلية، وهي أزمات ينبغي أن تبقى في معزل عن التطرّف والتحزّب بأنواعه، وفي معزل عن التدخل الخارجي وأدواته ودعمه الواهي الزائف.
عندما نشير إلى هذه القضايا في سياق الحديث عن الأمن الوطني؛ فإننا في عُمان -بحمد الله وفضله- نعيش في أمان، وفي ظل دولة مؤسسات وقوانين، نبذل فيها جميعا أقصى جهودنا لتحقيق الأهداف الوطنية الملقاة على عاتق الجميع.
كذلك نعيش في بلد يُعنى بحريات الأفراد ضمن حدود واضحة ومعروفة، تتيح للإنسان إبداء رأيه وتبادل الأفكار في سبيل تعزيز الإنتاجية الوطنية بمختلف أشكالها مع الحفاظ على الاحترام المتبادل بين جميع مكوّنات المجتمع.
لهذا، عندما ينصحنا شخص عاش فترة متوترة شهدت مظاهر الصراع والمواجهات الدموية؛ فإنه يدرك جيدا قيمة الاستقرار، وأهمية صيانة الأمن، وأهمية أن يكون الأمن الوطني هاجسًا مشتركًا لدى الجميع؛ فما نشهده اليوم في منطقتنا الجغرافية المحيطة، نراه درسًا مفتوحًا أمامنا جميعا.
وعلى سبيل المثال ما شهدناه في إيران؛ حيث صُوّرت الأحداث في الإعلام الغربي على أنها مشكلات داخلية تهدف إلى إسقاط النظام، بينما يشير الواقع إلى وجود مشكلات اقتصادية عميقة ـ سببها العقوبات الأمريكية القاسية- قادت إلى ضغوط مجتمعية وبعدها مظاهرات تحمل طابع المطالبات؛ لتوظّف لاحقا وتستغل بشكل مدروس ومخطط له ومموّل، وتبيّن لاحقا -وبشكل رسمي أقّرت به بعض الدول المتورطة- تورّط جهات خارجية في هذه المظاهرات الدموية، ودعمها بالسلاح، كما اتضح أن أدوات التواصل والتنظيم كانت عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
من هنا نعود لنؤكد أن إحدى أهم أدوات الأمن الوطني في عصرنا هو الوعي، وبما أننا في عالم رقمي؛ فنضيف مصطلح «الوعي الرقمي»؛ ففي وقتنا الحاضر، ينبغي لكل فرد أن يبني وعيًا رقميًا يحدد بواسطته أبجديات الاستعمال الرقمي وتفاعلاته، لأنه ما دام متصلا بالأنظمة الرقمية بمختلف أشكالها؛ فإنه يصبح عرضة للتشتت الفكري، وللأفكار الحقيقية والزائفة على حد سواء، ويصبح أيضا عرضة للتلاعب من قبل أطراف خارجية تزرع في داخله مختلف أنواع السلبية بما تحمله من حقائق أو زيف.
ما أردت الوصول إليه -وبكل وضوح-، أننا ينبغي أن نتحلّى بوعي وطني يستند إلى حماية الأمن بجميع أنواعه الذي بات مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بآلية تعاملنا مع الأنظمة الرقمية، ومع البيانات والمعلومات التي تنتجها هذه الأنظمة، وكذلك مع ما نقوم نحن أنفسنا بضخه فيها عبر منصاتها ووسائل تواصلها المختلفة؛ حيث ما نحاول مشاركته على أنه رأي عام ونطرحه بغية التفاعل معه، يصبح في الوقت ذاته عرضة للاستغلال، وللتلاعب، وللشحن السلبي، ولهذا ينبغي أن نكون على وعي بأن طرح بعض القضايا الحساسة -التي يمكن تصنيفها بأنها خارج أطر حرية الرأي أو الشائعات والأخبار غير الموثوقة- يجب -قدر المستطاع- أن تخضع للتحقق وتظل محصورة في محيطنا الداخلي عبر آلياتنا الداخلية لأننا المعنيون بها وبحلولها حال تحققنا من صحتها، ولأن هذه الآراء تتحول إلى بيانات ومعلومات تلتقطها جهات خارجية متخصصة، ومؤسسات تمتلك خبراء ومحللين، وتُستعمل أنظمة متقدمة بما في ذلك خوارزميات الذكاء الاصطناعي لعمليات الرصد والانتقاء والتحليل، ثم غربلة هذه البيانات التي يكون أصل بعضها إشاعات مغرضة أو شكاوى أو انطباعات فردية ليُعاد صياغتها وتحويلها إلى قضايا تؤدي إلى الفتنة وزعزعة الاستقرار.
لا أقول ذلك عبثًا، وإنما ينمُّ ذلك عن واقع نعيشه؛ فنحن أمام موجة جديدة من التدخلات الخارجية التي تعمل -أولا- على اختراق الوعي، وتنتقل إلى تجييش العقول البشرية وتوجيهها توجيها يخدم مصالح خارجية محددة، شهدنا هذا النمط في دول عديدة مثل إيران واليمن وغيرها من دول المنطقة العربية.
وبما أنعم الله به علينا في سلطنة عُمان من حكمة وأمن نلمسهما في الجانبين الحكومي والمجتمعي منذ النهضة العُمانية المباركة في 1970، وما نشهده اليوم من نهضة متجددة حافظت على هذا المنهج، فإننا ـ ولله الحمد ـ بعيدون عن التجاذبات والصراعات الخارجية، ونحن نعيش نهج الحياد الإيجابي الذي يبذل بواسطته قصار الجهد في تسخير الإمكانات الدبلوماسية لإحلال السلام في المنطقة، والبحث عن الحلول، وهو ما أراه مساهمًا بشكل كبير في إبعادنا عن تلك الصراعات القاتلة.
كما أننا نعيش في دولة مؤسسات وقوانين، أُتيحت فيها وسائل متعددة لإبداء الرأي، وطرح الأفكار، وتقديم الشكاوى؛ لهذا، فإننا نملك الأدوات التي أقرتها الحكومة لتكون جسورا تصل المواطن بالجهات المختصة؛ لطرح الآراء وتقديم الاقتراحات، وكم من آراء، وكم من شكاوى، وكم من قضايا طُرحت، وعولجت، ووُضعت في مساراتها الصحيحة، وفي منصاتها الإلكترونية المناسبة؛ فوجدت طريقها إلى الحل.
من هذا المنطلق، يتطلب منا جميعا أن نسهم في منظومة الأمن الوطني عبر تعزيز وعينا بعمومه، وخصوصا الوعي الرقمي، بأن نكون على حذر مما نطرحه في وسائل التواصل الاجتماعي -دون الدعوة إلى مصادرة حرية الرأي والتعبير المنسجم مع المعايير- التي لا نملك حقوقها ولا ملكيتها؛ إذ إنها مملوكة لأطراف خارجية، وتبيّن لنا أن بعض من يملكون هذه المنصات لهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة بالكيان الصهيوني، وأنهم متى شاءوا قاموا بغربلة الأفكار، ومتى شاءوا نزعوا الحقوق عن البيانات، وبأشد الأساليب وعلى مرأى الجميع دون خوف أو حياء.
وكم اتضح عمق تعاونهم مع الجهات الاستخباراتية التي تعمل على زعزعة الرأي العام، وزعزعة استقرار الدول.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الأمن الوطنی ینبغی أن
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.