القصر الكبير- بعد 3 أيام من فيضانات وادي اللوكوس، بدت مدينة القصر الكبير شمال المغرب وكأنها تستعيد أنفاسها ببطء مشوب بحذر، حيث انحسرت المياه عن أغلب الأزقة وبقيت أخرى مغمورة، لكنّ القلق لم يغادر الوجوه.

وفي الأحياء القريبة من الفيضان، كان السكان يراقبون السماء والنشرات الجوية أكثر مما يراقبون ساعاتهم؛ بعض الأسر في الأحياء المتضررة قبلت الانتقال إلى مراكز إيواء مؤقتة داخل مؤسسات تعليمية واجتماعية، وأخرى فضّلت البقاء قرب بيوتها، خوفا من فقدان ممتلكاتها.

وقالت فاطمة التي قضت ليلتيها السابقتين بمدرسة ابتدائية للجزيرة نت "قُدر علينا أن نعيش هذه الأيام، خارج بيوتنا التي نأمل العودة إليها سريعا". أما عبد الرحمن فتحدث بصوت مبحوح قائلا "أبحث الآن للتنقل عند عائلتي في مدينة أصيلة القريبة. يبدو أن حياتي تغيرت ويجب أن أتكيف مع الوضع حتى عودة الأوضاع لطبيعتها".

تعاضد رغم الخوف

ومثل عبد الرحمن وفاطمة، يتذكر أحمد الساعات الأولى من غمر المياه لمنزله بالمدينة القديمة على مجرى الوادي، ويروي أن مكبرات صوت متفرقة دعت السكان إلى مغادرة منازلها في جوف الليل، دون أن تكون الصورة واضحة تماما في ذلك الوقت.

وقال "استيقظنا على الأصوات، ثم جمعنا الوثائق والأغراض الأساسية، لكننا لم نعرف هل نخرج أم نبقى؟ فالخوف كان أكبر من الفيضان".

ومع ارتفاع منسوب المياه، تحولت الأزقة إلى مجار مؤقتة، ودخلت المياه إلى منازل ومحلات، خاصة في الأحياء المنخفضة والقريبة من مجرى الوادي. وكشف الضغط الكبير على شبكة الصرف الصحي هشاشتها، وأعاد إلى الواجهة ذاكرة فيضانات سابقة عاشتها المدينة.

ووسط الفوضى التي أحدثتها المياه، برزت مشاهد إنسانية خفّفت من قسوة اللحظة، حيث تطوع مواطنون لنقل الأسر المحاصرة عبر قوارب مطاطية أو عربات بسيطة، وآخرون عرضوا نقل عائلات مهددة إلى مدن قريبة مثل العرائش ووزان بشكل مجاني. وفي مواقع التواصل، انتشرت أرقام هاتفية لتنظيم الإيواء والنقل، وفتحت بيوت لاستقبال متضررين.

رغم الكارثة المواطنون هبوا لنجدة بعضهم بما توفر من أدوات ومعدات (الجزيرة)

وحتى الحيوانات لم تُترك، إذ حرص بعض السكان على إخراج مواشيهم وقططهم وكلابهم من المناطق المغمورة، في مشهد يعكس تشابك المعاناة الإنسانية مع تفاصيل الحياة اليومية، كما علقت فاطمة، مضيفة أن هذه المبادرات، رغم طابعها العفوي، لعبت دورا مهما في تهدئة القلق.

إعلان

وأمام انتشار دعوات جديدة للإجلاء الاحترازي ليل الجمعة/السبت، عاد الخوف إلى البيوت التي بدأت للتو تنظيف آثار المياه.

وقال المواطن عبد الله للجزيرة نت -بينما كان يستعد لقطع الشارع المغمور بالمياه في طريقه إلى منزله- "خفنا من الماء، لكنْ خِفنا أكثر من ترك البيت فارغا".

و قال مسؤولون بالمجلس الجماعي بمدينة القصر الكبير، في تصريحات صحفية إن الدعوات للإخلاء احترازية وتهدف إلى حماية الأرواح، وإن أي إجراء يخص سد وادي المخازن يخضع لمعايير تقنية دقيقة وتنسيق محكم.

هاجس الإيواء

وشكّل إيواء السكان المتضررين هاجسا كبيرا، ليس فقط بسبب العدد المتزايد للأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها في الأحياء القريبة من مجرى الوادي، بل نتيجة القلق المرتبط بمدة الإيواء، وظروفه، وضمان كرامة المتضررين، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى، في انتظار اتضاح الرؤية بشأن العودة الآمنة إلى المساكن أو إيجاد حلول بديلة أكثر استقرارا.

من جهته، اعتبر رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إدريس السدراوي، أن ما وقع "كشف ضعف الاستباق وغياب تواصل مؤسساتي فعّال في الساعات الأولى، وهو ما ساهم في تضخيم الخوف، خصوصا مع انتشار الإشاعة".

وأضاف للجزيرة نت "مخاوف السكان مشروعة لأنها تمس الأمن والسكن والكرامة، ولا يمكن معالجتها إلا بمعلومة دقيقة وفي وقتها".

وشدد الناشط  الحقوقي على أن حماية الأرواح لا تنفصل عن حفظ الكرامة، داعيا إلى ضمان إيواء لائق، وتغذية، ومواكبة صحية ونفسية، وتواصل يومي شفاف مع المواطنين.

الفيضانات غمرت شوارع المدينة وأدت لنزوح مواطنين من مساكنهم (الجزيرة)قبل الكارثة

من جهته، قال الخبير البيئي مصطفى بنرامل للجزيرة نت، إن التعامل مع الفيضانات لم يعد يحتمل الارتجال، لأن التساقطات المطرية القصيرة والعنيفة أصبحت نمطا متكررا بفعل التغيرات المناخية.

وشدد على ضرورة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق والتخطيط طويل الأمد، بما يضمن سلامة المواطنين ويحمي المكتسبات التنموية في ظل مناخ يتسم بعدم اليقين وتزايد الظواهر المتطرفة.

وأوضح بنرامل أن فيضانات القصر الكبير "ليست حالة معزولة، بل جرس إنذار"، مشددا على ضرورة الانتقال من وضعية التدخل بعد الكارثة إلى الوقاية منها، عبر تأهيل البنيات التحتية، ومنع البناء في المناطق المعرضة للغمر، وإدماج البعد المناخي في التخطيطات الترابية.

وميدانيا، أعلنت الوقاية المدنية استنفار فرقها لشفط المياه وفتح القنوات والطرق المقطوعة، فيما تدخلت القوات المسلحة الملكية بنصب خيام في ملاعب القرب في مناطق مرتفعة أطراف المدينة، وذلك لإيواء الأسر المتضررة أو التي غادرت منازلها احترازيا.

كما جرى تقديم مساعدات عينية، ووجبات غذائية، وعلاجات أولية للمرضى، ولقي هذا التدخل تنويها من السكان الذين رأوا فيه استجابة عملية خففت من هواجس التشرّد، في انتظار ما تحمله الأيام المقبلة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القصر الکبیر فی الأحیاء للجزیرة نت

إقرأ أيضاً:

"إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً

القدس المحتلة - صفا

مددت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، إغلاق مكتب شبكة "الجزيرة" في القدس المحتلة وحظر عملها داخل فلسطين المحتلة لمدة 90 يوماً إضافياً، وذلك للمرة الـ14 على التوالي.  

ويشمل القرار منع الشركات المحلية من تقديم خدمات البث للشبكة، وحجب مواقتعها الإلكترونية والمنصات الرقمية التابعة لها، وذلك بموجب التشريع الإسرائيلي الذي يمنح السلطات صلاحية حظر وسائل الإعلام الأجنبية.  

وكانت شبكة "الجزيرة" قد رفضت مراراً وتكراراً الاتهامات الإسرائيلية التي تُتخذ ذريعة لإغلاق مكاتبها، مؤكدة أنها افتراءات تهدف إلى تقييد العمل الصحفي ومصادرة حرية الصحافة.

 

مقالات مشابهة

  • سلام: الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار التعافي وعودة أهالي الجنوب اللبناني
  • "إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً
  • وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق
  • الانفجار الكبير يقترب.. سلاح الجو الإسرائيلي يستعد لشن هجوم على إيران
  • مصدر رسمي لبناني للجزيرة: لدينا ضمانات أمريكية بعدم استهداف المناطق التجريبية
  • سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • كيف غيرت ثورة 23 يوليو وجه مصر: من القصر إلى الجمهورية؟
  • تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة
  • نائب ديمقراطي يواجه سفير واشنطن الأممي بفيديو للجزيرة خلال مشادة بالكونغرس