شيخ الأزهر:

 أدعو إلى يسر المهور وتيسير الزواج وعودته لصورته البسيطة التي حث عليها الإسلام

 مؤتمر الأزهر لحماية وتعزيز حقوق المرأة يسبح ضد أمواج تريد تدمير الأسرة الشرقية كما دمرت الأسرة الغربية

 كانت الدنيا بأسرها ضد المرأة وضد كرامتها الإنسانية حتى جاء الإسلام ونبينا الكريم بكلمة تاريخية حاسمة في شأنها

 رسولنا الكريم نادى في أصقاع العرب وأعلن النساء شقائق الرجال وأوصى بهم في كلماته الأخيرة وهو يودع حياته الشريفة

 شريعة الإسلام حررت المرأة المسلمة من أغلال وقيود كبلتها بها ثقافات جاهلية عاتية

 وضع المرأة لا يزال غريبا على فلسفة الإسلام وعلى روح تشريعاته المستمدة من القرآن والسنة المطهرة

 إعلاء العادات والتقاليد التي تخالف هدي الإسلام أنتج ثقافة شعبية صادرت كثيرا من حقوق المرأة

أحيي صمود المرأة الفلسطينية البطلة الشجاعة التي هزمت إرادات جيوش عاتية وحافظت على أرضها

قال الإمام الأكبر أ.

د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الأحد، إن المؤتمر الذي يعقده الأزهر الشريف بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة ومنظمة تنمية المرأة (WDO)، جاءت إليه نخبة متميزة وكوكبة متفردة من علماء ومفكرين وإعلاميين ومثقفين؛ جاؤوا من أقطار شتى للمشاركة في مؤتمر: «استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي»، ولمناقشة قضايا المرأة المسلمة، وتقويم ما آل إليه وضعها الإنساني والحضاري في عالم اليوم.

وأكد شيخ الأزهر، خلال كلمته بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمركز الأزهر للمؤتمرات، إن هذه المؤتمر بالغ الأهمية، بل بالغ الخطر أيضا، إذا ما نوقشت قضاياه على ضوء ما يضطرب فيما وراء البحار من نظريات وأطروحات وثورات تتعلق بالمرأة وحقوقها، والتي تبلورت في العقود القليلة الماضية في ثورة على الأسرة، وفي المطالبة بالتحرر من قيودها، ومن انحصار دور الزوجة في الأمومة.. أو في «عبودية التناسل» حسب ما تقول: الأديبة الفرنسية «سيمون دي بوڤوار»، والتي وصفت مؤسسة الزواج بأنها: «سجن أبدي للمرأة وإعلان لنهاية حياتها وانطفاء آمالها وأحلامها».



وأضاف أن هذه الحركات النسائية في الغرب تطورت إلى منظمات تسمت باسم: «الفيمينزم»، وتعني: الثورة النساية أو: «نظرية الحقوق الجديدة»، التي تطالب بإعادة تعريف «الأسرة» واستبعاد أنماطها القديمة، وتبني أنماط جديدة يحل فيها اسم: «الشريك» محل «الزوج» وألا يقتصر مفهوم الأسرة على الشريك والشريكة، وأن يتسع ليشمل الأسرة المكونة من رجلين أو امرأتين تربط بينهم العلاقات المعروفة، كما ظهرت مصطلحات جديدة كالأم البيولوجية والأم الاجتماعية والإنجاب الصناعي الذي تطور أخيرا إلى: «الرحم الصناعي» وما يتيحه من إمكان الحمل خارج الجسم الإنساني، وما يوفره للمرأة من حرية مطلقة في الاستغناء عن الرجل استغناء تاما إذا ما رغبت في إنجاب أطفال، يخرجون من بطون الأجهزة طبقا لما تحدده المرأة لطفلها الصناعي من مواصفات وقدرات وأشكال.

شيخ الأزهر: هيئة كبار العلماء ترفض حرمان المرأة من الميراث أو المساواة مع الرجلالإمام الأكبر: مؤتمر الأزهر لتعزيز حقوق المرأة يسبح ضد أمواج تريد تدمير الأسرة الشرقيةشيخ الأزهر يحيي صمود المرأة الفلسطينية: بطلة وشجاعة هزمت إرادة جيوش عاتيةأمل عمار: مصر شهدت طفرة غير مسبوقة في ملف تمكين المرأة بفضل رؤية القيادة السياسية

وتابع شيخ الأزهر أن كلمته ليس من همها أن تفيض في الحديث عن التطور التقني المتسارع في برامج الرحم الصناعي، وانعكاساته على الأسرة الإنسانية بعامة، والأسرة المسلمة بخاصة، وإن كان من همها أن تشير -ولو من بعيد- إلى تسارع هذا التطور ليتبين لنا خطر مؤتمرنا هذا، وأنه مؤتمر يسبح ضد أمواج دمرت الأسرة الغربية التي استسلمت لطوفانه المكتسح، وها هي تواصل مسيرتها للسيطرة على بلاد العرب والمسلمين.. وعينها على ما تبقى لها من أخلاق دينية وقيم إنسانية.

وأشار إلى أن قضية المرأة التي تناقش اليوم في مؤتمرنا هذا يمكن النظر إليها عبر زوايا ثلاث:  الأولى: زاوية «شريعة الإسلام» التي حررت المرأة المسلمة من أغلال وقيود كبلتها بها ثقافات جاهلية، عاصرت ظهور الإسلام، وكان في مقدمتها: حضارة اليونان وفلسفتها الممثلة في قطبيها الكبيرين: أفلاطون وأرسطو، وكذلك شريعة الرومان وعقائد الهند، وكتب مقدسة حملت المرأة وحدها مسئولية الخطيئة الأولى، ثم جاهلية العرب التي صادرت على المرأة حق الحياة، وحق التعلم، وحق التملك، وحق الميراث، إلى آخر ما تعلمونه ويضيق الوقت عن تذكيركم به.

وبين أنه في هذا الجو المهين للمرأة ظهر الإسلام وكان له في شأنها كلمة تاريخية  حاسمة، ولو أنه صمت في تلكم الأثناء عن مظالم المرأة وهضم حقوقها ما توجه إليه عتب ولا لوم، فقد كانت الدنيا بأسرها ضد المرأة، وضد كرامتها الإنسانية، غير أن نبي الإسلام ما لبث أن صدع في الناس بما يصدم وعيهم ويقلب نظامهم الاجتماعي رأسا على عقب حين تلا عليهم من سورة النساء قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، ومن سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، ومن سورة النساء كذلك: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، ومن سورة البقرة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وقوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ}، ومن سورة الطلاق قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، وقوله تعالى:{وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}.

ولفت إلى أن نبينا الكريم ﷺ ما لبث أن نادى في أصقاع العرب في حواضرها وبواديها، فأعلن أن: «النساء شقائق الرجال»، وكان من أواخر كلماته وهو يودع حياته الشريفة: «...اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ». ثم أوقف -وإلى الأبد- وأد البنات، وملك المرأة حقوقا لم تعرفها من قبل، وسبقت بها نظيراتها في العالم بأربعة عشر قرنا من الزمان: ملكها حق الإرث، وحق التعليم، وحق اختيار الزوج، وجعل لها ذمة مالية مستقلة عن زوجها، تتصرف فيها تصرف المالك في ملكه الخالص، مع الاحتفاظ باسم عائلتها حتى لا تذوب شخصيتها في شخصية شريكها، وساوى بينها وبين الرجل في التكاليف وفي تحمل المسئولية، وساوى بينهما في حق الفرقة والانفصال، فأعطى الزوج حق الطلاق وأعطى الزوجة حق الخلع.

وقال إن هذه الحقوق كفيلة بأن تصنع من المرأة -وفي أي مجتمع- عنصرا خلاقا لا يقل شأنا عن الرجل إن لم يزد عليه، وقد صح أنه ﷺ قال: «...فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ على الرِّجَالِ». وهذا التفضيل ليس من باب جبر الخاطر لضعيف مهيض الجناح مهضوم الحقوق، وإنما هو إنصاف مستحق لميزات وخصائص، كثيرا ما تتفوق فيها النساء، ويفضلن بها الرجال. ورغم امتلاك أمتنا هذه الكنوز الكافلة لرقي المرأة وتأهيلها لتحمل مسؤولياتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إلا أن وضع المرأة لا يزال وضعا غريبا على فلسفة الإسلام وروح تشريعاته المستمدة من القرآن والسنة المطهرة.

وأضح شيخ الأزهر أن تعليل هذه المفارقة هو ما يوضحه منظور الزاوية الثانية: وهو أنه حدث في بعض محطات معينة من مسيرة فقه المرأة ما يشبه السير في الاتجاه المعاكس أو المقابل لاتجاه نصوص الشريعة، وذلك حين طغى على أفهام البعض وعلى ممارساتهم منطق العادات والتقاليد والعرف المتوارث، وتغلب على هدي «التشريعات» القرآنية والنبوية الواردة في إنصاف المرأة وتمكينها من حقوقها. وقد نتج عن هذا الوضع المعكوس ثقافة شعبية صادرت كثيرا من حقوق المرأة الشرعية، وجعلت من المرأة المسلمة أنموذجا للضعف والانزواء بين الجدران، واعتياد المظالم والصبر عليها، وذلك في الوقت الذي استطاعت فيه زميلتها في الغرب والشرق أن تكسر كل هذه القيود.

وأكد إلى أنه لا ينظر إلى المرأة الغربية -اليوم- بحسبانها أنموذجا أمثل ندعو المرأة المسلمة لاستلهامه أو تقليده أو اتخاذه مثالا يحتذى به في نهضتها المعاصرة، ذلكم أن المرأة المسلمة إن فعلت ذلك فإنها ستكون في أفضل أحوالها كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولكن أردت أن أبين المفارقة بين المرأة المسلمة التي تعاني التشوش والاضطراب فيما تأتي وما تدع، رغم امتلاكها لشريعة إلهية تضمن لها حقوقها في أن تكون عنصرا بناء في كيان المجتمعات المعاصرة، وبين المرأة الغربية التي استطاعت أن تتخلص من عوائقها رغم افتقادها لهذا النور الذي تمتلكه أختها المسلمة.

وذكر الزاوية الثالثة التي يمكن أن ننظر منها إلى وضع المرأة المسلمة، وهي أن هذه الجوانب المحدودة من إرثنا الثقافي الشعبي، والذي اختلط فيه صحيح الدين بتسلط العادات والتقاليد - نشأت عنه حالة من التيه أربكت المرأة المسلمة المعاصرة، وأفقدتها بعض توازناتها، وكان من مظاهره السلبية: ظاهرة: «المغالاة في المهور»، تلك التي صمت العلماء صمتا مريبا عنها وعن ترسخها في عادات الناس، وكان واجب العلماء والدعاة أن يتصدوا لمقاومة هذه الظاهرة، وأن يضربوا الأمثال للناس بأنفسهم وأولادهم وبناتهم، لتشجيعهم على التخلص من هذه الظاهرة التي جعلت من «الزواج» أمرا عسيرا بالغ الصعوبة.

وأوضح أنه في ظل هذه الظاهرة اللامعقولة واللامنطقية، تطالعنا الشريعة الإسلامية بنصوص شرعية صريحة دعت إلى يسر المهور، وإلى الاكتفاء فيها بأيسر الأشياء وأقلها ثمنا، ذلكم أن فلسفة الإسلام في قضية المهر تتلخص في أنه «رمز» للتعبير عن الرغبة القلبية الصادقة في الارتباط بالزوجة، وليس مظهرا من مظاهر السفه أو البذخ والمباهاة، وما يستتبع كل ذلك من تكاليف ومغارم تضطر الأسر البسيطة إلى الاقتراض والاستدانة ومعاناة هموم وآلام نفسية قد تصاحبها طويلا، وتقض مضجعها ليلا ونهارا.. مع أن نبي الإسلام ﷺ نزل في مقدار «المهر» وتيسيره إلى مستوى خاتم من حديد، بل اكتفى فيه بأن يحفظ الزوج زوجته سورة من سور القرآن، ولم يكن ذلك منه ﷺ حطا من قدر الزوجة أو إزراء بهذه الرابطة المقدسة، بل كان من قبيل وضع الأمور في موضعها الصحيح، فالرغبة القلبية، أو «الحب» الذي يجمع بين قلبين متحابين هو عاطفة نبيلة مقدسة، دونها أموال الدنيا بأسرها، وإذن فليكف فيها ما يشير إلى هذه العلاقة ولو من بعيد.

وتابع: لعلَّ هذا ما دفعَ النبي ﷺ لأنْ يوصيَ الشَّباب –ومن ورائِهم: الأمة كلها- باليُسرِ في «المهور»، وجعل من هذا اليُسر سُنَّةً من سُنَنِه ﷺ، بل تكليفًا شَرعيًّا يُثاب فاعله، وإنْ كان لا يعاقب على تركِه، وفي هذ الأمر يقول ﷺ: «خيرُ الصَّدَاقِ يُسراه»، ويقول: «إنَّ أعظمَ النِّساء بركة أيسرهنَّ مؤنة»، وقال له شاب مرَّة: «إنِّي تزوَّجتُ على مائة وسِتِّينَ درهمًا، فاستكثرها النبي ﷺ، وقال للشَّابِّ: كأنَّــكُم تنحتونَ الفضَّة مِن عُرْضِ هذا الجَبَل».

ولخطر المغالاة في المهور على بناء الأسرة في المجتمع، استشهد فضيلته بموقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للتحذير من المغالاة، حيث عزم أمير المؤمنين على سن قانون يحدد المهور عند مستوى يستطيعه عامة الناس، ومهد لذلك بخطبة قال فيها: «ألا لا تُغالُوا في المهور؛ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رَسُولُ الله ﷺ!؛ ما أصدق امرأة قطُّ من نسائِه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فمَن زاد منكم على «أربعمائةٍ» شيئًا جَعلتُ الزيادة في بيت المال»، غير أن عمر لم يلبث أن تراجع عن المضي في تنفيذ فكرته هذه، حين وقفت له امرأة قرشية تقول: «ليس ذلك إليك يا عمر. فقال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ الله تعالى يقول في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}»، فما كان من عُمر إلَّا أنْ قالَ: «اللهُمَّ عفوًا!» أخطأ عُمر وأصابت امرأة.

وبين شيخ الأزهر أن الآية الكريمة لا تدعو إلى زيادة المهور أو الغلو في قيمتها، ولكنها من باب التشديد على أن «المهر» حق خالص للزوجة، لا يجوز للزوج أن يأخذ منه لا قليلا ولا كثيرا، حتى لو كان ما دفعه مهرا لزوجته «قنطارا من ذهب» فهي على سبيل المبالغة في تحذير الزوج من أن تمتد يده إلى مهر الزوجة. وتابع فضيلته أنه قد ترتب على ظاهرة المهور الغالية ظاهرة أخرى، هي: ظاهرة العنوسة وظاهرة العزوبة التي يعاني الشباب -بسببها-، ضغوطا نفسية لا يستهان بها من أجل أن يحتفظ بطهره وعفافه وطاعة أوامر ربه، وليس من شك في أنه لا حل -والوضع كذلك- إلا تيسير الزواج وعودته لصورته البسيطة التي حث عليها الإسلام، وإذا كنا ننادي اليوم بضرورة تجديد الخطاب الديني فإن أول خطاب يجب البدء بتجديده وإعادة إنتاجه هو هذا الموضوع.

وبعد ما بينه عن حقوق المرأة في الإسلام، والحديث عن أبرز الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع، قال شيخ الأزهر في ختام كلمته إن المقام لا يتسع للحديث كذلك عن ظاهرة الاستغلال السيء لقضية التعدد وقضية الطلاق، وهما ظاهرتان بعد فيها المسلمون بعدا ظاهرا عن أحكام شريعتهم ومقاصدها في احترام إنسانية المرأة، وحقها في مراعاة مشاعرها.

وفي ختام كلمته، تلا الإمام الأكبر على الحاضرين ما أقرته هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف -بعد مناقشات مستفيضة- من قرارات صدرت في شأن حقوق المرأة في عصرنا هذا، وكانت كالتالي: (تجب المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ومعيار التفاضل بين الجنسين يقتصر على الكفاءة والإتقان لا على اختلاف الجنس- التأكيد على إعطاء المرأة حقها في الميراث الشرعي ورفض المساس بنصيبها ورفض الدعوات التي تنادي بالمساواة المطلقة بين الرجال والنساء لأنها تخالف النصوص القطعية- لا يحق للولي منع تزويج المرأة برجل كفء ترضاه إذا لم يكن للمنع سبب مقبول، وللقاضي إذا رفع إليه أمرها أن يزوجها- يجوز أن تتقلد المرأة كافة الوظائف التي تصلح لها؛ بما فيها الوظائف العليا بالدولة- يجوز للمرأة في زماننا أن تسافر بغير محرم؛ متى كان سفرها آمنا بصحبة ترافقها أو بوسيلة من وسائل السفر يمنع تعرضها لما تكره).

وتابع شيخ الأزهر ما أقرته الهيئة في هذا الشأن: (القوامة لا علاقة لها بتفضيل الرجل على المرأة، وليست سلطة استبدادية للزوج، بل تعني المسؤولية التامة عن المرأة، وما يلزمها من أعباء الحماية، والرعاية، والنفقة- تحريم العنف الأسري بكل أشكاله، والعنف ضد المرأة خاصة- تحذير هيئة كبار العلماء من المغالاة في المهور، ومن فوضى الطلاق- الطلاق تعسفا بلا سبب معتبر شرعا حرام، ويؤاخذ عليه شرعا، سواء أكان برغبة المطلق أم بطلب من الزوجة؛ لما فيه من إضرار بالأسرة -وبخاصة الأطفال-، ولمنافاته أخلاق الشريعة، ولإخلاله بما أراده الشرع للزواج من الاستقرار والاستدامة، ويجب تجنبه قدر الإمكان للحد من فوضى الطلاق.. والتحكيم في النزاع بين الزوجين قبل إيقاع الطلاق مأمور به شرعا، وعلى العلماء المختصين بالفتوى أن يأخذوا بأيسر الأقوال عند بيان الحكم الشرعي فيما يعرض عليهم من حالات الطلاق- يجب تعويض الزوجة المشاركة في تنمية ثروة زوجها، بأن تأخذ من التركة قبل قسمتها ما يعادل حقها؛ إن علم مقداره، أو يتصالح عليه -بحسب ما يراه أهل الخبرة والحكمة-إن لم يعلم مقداره).


وفي ختام كلمته، تقدم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بخالص الشكر والتقدير للمستشارة أمل عمار، رئيس المجلس القومي للمرأة، وللدكتورة أفنان الشعيبي، المديرة التنفيذية لمنظمة تنمية المرأة بدول منظمة التعاون الإسلامي، ولكل من شارك في تنظيم هذا المؤتمر، لما بذلوه من جهد في سبيل إعداده، وتقديمه بهذه الصورة المشرفة واللائقة بالأزهر الشريف وبالمجلس القومي للمرأة، وحرص فضيلته على إرسال تحية خاصة للمرأة الفلسطينية، قال فيها «أحرص كل الحرص على إرسال تحية من أعماق قلبي وأعماق قلب كل حر أبي، إلى المرأة الفلسطينية البطلة الشجاعة التي هزمت إرادات جيوش عاتية مسلحة، وانتصرت على مؤامرات دولية وحافظت على أرضها ووطنها وترابها، شكرا لك أيها المرأة الأنموذج الأمثل للصمود».

طباعة شارك شيخ الأزهر يسر المهور تيسير الزواج المرأة رئيس مجلس الوزراء شيخ الأزهر الشريف القوامة الرجل الزوج

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: شيخ الأزهر يسر المهور تيسير الزواج المرأة رئيس مجلس الوزراء شيخ الأزهر الشريف القوامة الرجل الزوج المرأة المسلمة الأزهر الشریف حقوق المرأة شیخ الأزهر فی المهور المرأة فی ومن سورة من سورة م ع ر وف کان من

إقرأ أيضاً:

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة

يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام علي والوصاية على الأمة

المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.

شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى

من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.

مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم

لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات

إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.

 

مدرسة في العدل والإنصاف

يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.

دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام

إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.

ختاما ..

يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله

مقالات مشابهة

  • محامي صلاح الدين مصدق: منع الزمالك من القيد «عقوبة تأديبية» من «فيفا» وليست مُرتبطة بالمستحقات
  • رسالة طمأنة للمصريين.. ضرائب الغاز على الشركات وليست على المواطنين
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟