خبير اقتصادي: هل تتحول فرنسا لبلد من العالم الثالث؟
تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT
في تشخيصٍ يمكن أن يوصف بالصادم لمستقبل إحدى القوى العظمى في القارة العجوز، رسم الخبير الاقتصادي نيكولا بافيريز صورة قاتمة للمسار الذي تسلكه الجمهورية الفرنسية، محذرا من تحولات بنيوية قد تخرج باريس من نادي الكبار قبل نهاية العقد الحالي.
وفي مقاله الأحدث بصحيفة لوفيغارو، يطرح بافيريز مصطلحا مثيرا للجدل هو: "العالمثالثية" (Tiers-mondisation)، ليصف حالة التآكل التي تضرب الاقتصاد والمجتمع الفرنسي، واصفا بلاده بأنها باتت "أرجنتينة أوروبا".
ويوضح الكاتب أن فرنسا تحتل اليوم المركز 34 عالميا من حيث الثروة، مما يعني تراجعها إلى أقل من 7% من المتوسط الأوروبي، وذلك للعام الثالث على التوالي، متراجعة بـ25% عن الدانمارك و20% عن السويد و15% عن فرنسا.
وينطلق بافيريز من لغة الأرقام المجرّدة ليثبت فرضية "الفقر المتسارع"، إذ تراجع نصيب الفرد من الثروة في فرنسا عام 2024 ليصبح خلف المتوسط الأوروبي بنسبة 7%، وهو تراجع مستمر للسنة الثالثة على التوالي. وهذا الانكماش في الثروة الحقيقية يقابله "انفجار" في الالتزامات المالية، حيث تجاوز الدين العام حاجز 3.4 تريليونات يورو (نحو 117.4% من الناتج المحلي الإجمالي).
ويشير الكاتب إلى حقيقة مرعبة مفادها أن كل مواطن فرنسي، من بين الـ69 مليونا، بات محملا بالتزامات مالية وطنية تصل إلى 231 ألف يورو، وهو ما يعادل دخل 6 سنوات كاملة من العمل.
ويرى بافيريز أن هذا الواقع ليس مجرد خلل عابر، بل هو نتيجة لنموذج سياسي "ديماغوجي" يعتمد على "النمو بالدين" لتمويل استهلاك لا تدعمه إنتاجية حقيقية.
تآكل الطبقة الوسطىيسلط التقرير الضوء على معضلة "تراجع العمل" في المجتمع الفرنسي، فبينما يمتد متوسط العمر المتوقع، تنكمش ساعات العمل السنوية للفرد الفرنسي مقارنة بنظرائه في ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة.
إعلانهذا الخلل يرافقه تدهور حاد في نظام التعليم الذي تراجع من المرتبة 13 إلى 26 عالميا وفق تصنيف "بيزا" (PISA)، مما أدى إلى انخفاض الإنتاجية بنسبة 6% منذ عام 2019.
وفي نبرة ناقدة للنهج الاقتصادي المتبع حاليا في فرنسا، يقول بافيريز هذا البلد "يمارس نوعا من الإيذاء المتعمد للإنتاج، حيث تفرض ميزانية عام 2026 ضرائب إضافية بقيمة 44 مليار يورو، مما يخنق الشركات الكبرى التي تمثل آخر حصوننا الاقتصادية، لتمويل إنفاق غير منتج".
بافيريز: تمارس حكومة فرنسا نوعا من الإيذاء المتعمد للإنتاج، حيث تفرض ميزانية عام 2026 ضرائب إضافية بقيمة 44 مليار يورو، مما يخنق الشركات الكبرى التي تمثل آخر حصوننا الاقتصادية، لتمويل إنفاق غير منتج.
هذا الضغط الضريبي والمالي أدى، حسب المقال، إلى "بروليتارية" الطبقة الوسطى، أي تحويلها إلى طبقة فقيرة كادحة، مما يفسر صعود التيارات الشعبوية التي تقتات على غضب المهمشين اقتصاديا.
عزلة جيوسياسيةوعلى الصعيد الدولي، يرى بافيريز أن فرنسا تفقد جاذبيتها ومصداقيتها كقوة محركة للاتحاد الأوروبي، ويشير إلى "التهميش" الذي تعاني منه باريس في ظل صعود محاور جديدة، مثل التقارب الألماني الإيطالي بين فريدريش ميرتس وجورجا ميلوني.
ويضيف بافيريز بمرارة: "بلادنا لم تعد قادرة على الاستجابة لتحديات القرن الـ21، من الذكاء الاصطناعي إلى التحول البيئي أو حتى إعادة التسلح، إنها تفقد بريقها أمام قوى دولية باتت تترقب سقوطها من قائمة الاقتصاديات العشر الكبرى".
التغيير أو الانهياريختتم بافيريز تشريحه للواقع الفرنسي بالتأكيد على أن هذا السقوط ليس "قدرا حتميا"، بل هو نتاج "سلسلة من التنازلات والأخطاء السياسية".
ويقترح ما يشبه "العلاج بالصدمة" الذي يرتكز على: الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والابتكار، ووقف "الهروب للأمام" عبر الديون والضرائب المفرطة، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل والتعليم كركائز وحيدة لاستعادة السيادة.
والواقع أن التحذير الذي يطلقه بافيريز يتجاوز حدود الاقتصاد، إذ يشمل إنذارا سياسيا للمجتمع الفرنسي الذي قد يجد نفسه، وفقا لبافيريز، مضطرا للاختيار بين "الراحة الوهمية الممولة بالديون" وبين "الاستفاقة المؤلمة لاستعادة مكانة الدولة"، قبل أن يتحول مصطلح "العالمثالثية" من نبوءة اقتصادية إلى واقع اجتماعي لا يمكن الرجوع عنه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
تتواصل حالة الترقب والحذر في منطقة الشرق الأوسط في ظل تصاعد وتيرة التصريحات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تباين المؤشرات بشأن فرص التهدئة وإمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية تساهم في احتواء التوتر القائم بين الجانبين.
وفي وقت تواصل فيه واشنطن التلويح بخيارات متعددة، تتراوح بين الضغوط السياسية والرسائل العسكرية، تتزايد التساؤلات حول مدى جدية هذه التهديدات، خاصة في ضوء تجارب سابقة شهدت تراجعًا أو إعادة صياغة للمواقف الأمريكية بعد موجات من التصعيد الإعلامي والسياسي.
ويأتي هذا المشهد في ظل تشابك عدد من الملفات المعقدة، تشمل أمن الملاحة في منطقة الخليج، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والتطورات في الساحة اللبنانية، إلى جانب قضية الأصول الإيرانية المجمدة، وهي ملفات تتداخل معها اعتبارات داخلية أمريكية وحسابات إقليمية ودولية تجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا بالغ التعقيد.
تراجع نسبي أو منح فرص إضافية
من جانبه، قال الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، إن ما يجري حاليًا يعكس نمطًا متكررًا في أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الأزمات، والذي يعتمد على إطلاق تهديدات حادة وتحديد مهل زمنية نهائية، غالبًا بهدف التأثير على الأسواق وطمأنة الرأي العام الأمريكي بشأن قدرة الإدارة على التعامل مع الملفات الخارجية.
وأوضح أن هذا النهج كثيرًا ما يتبعه تراجع نسبي أو منح فرص إضافية للتفاوض وتأجيل اتخاذ قرارات حاسمة، الأمر الذي يدفع العديد من المراقبين إلى التعامل بحذر مع التصريحات الأمريكية المتصاعدة وعدم اعتبارها مؤشرًا مباشرًا على تحرك عسكري وشيك.
وأشار يحيى إلى أن ترامب أعلن خلال أحد الاجتماعات المهمة مؤخرًا قرب اتخاذ قرار نهائي بشأن أحد الملفات المرتبطة بإيران، إلا أن الاجتماع انتهى دون الإعلان عن خطوات عملية، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، حالة التردد التي تفرضها طبيعة الملفات الخارجية المعقدة وتشابك أبعادها السياسية والعسكرية.
وأضاف أن بعض التحليلات لا تستبعد إمكانية تنفيذ تحرك عسكري محدود أو ضربة جوية تستهدف توجيه رسالة ردع إلى طهران وإظهار القوة الأمريكية، قبل الانتقال مجددًا إلى مسار التفاوض، إلا أن هذا السيناريو لا يحظى بإجماع داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
وأكد الخبير الاستراتيجي أن هناك أصواتًا داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية تحذر من أن أي تصعيد إضافي قد يفتح الباب أمام تداعيات غير محسوبة، سواء على مستوى استقرار المنطقة أو على صعيد علاقات الولايات المتحدة بحلفائها الإقليميين، وهو ما يدفع نحو تبني مقاربات أكثر حذرًا في التعامل مع الأزمة.
وأشار إلى أن واشنطن لا تزال متمسكة بعدد من الأهداف الأساسية، من بينها ضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، إلى جانب منع أي تطور في البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يغير موازين القوى الإقليمية.
وفي المقابل، تتمسك طهران بحزمة من المطالب السياسية والأمنية، من أبرزها التوصل إلى ترتيبات تضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار يمتد إلى الساحة اللبنانية، باعتبارها إحدى النقاط الأكثر حساسية في معادلة الأمن الإقليمي.
كما لفت يحيى إلى أن ملف الأصول الإيرانية المجمدة يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية محتملة، حيث تسعى طهران إلى إدراجه ضمن أي اتفاق مستقبلي، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا واعتبارات داخلية تجعل التعاطي مع هذا الملف شديد الحساسية.
واختتم الخبير الاستراتيجي تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد لا يزال مفتوحًا على مختلف الاحتمالات، في ظل استمرار التباعد بين مواقف الطرفين وتشابك الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل وسريع محدودة في الوقت الراهن، رغم وجود مصالح مشتركة تدفع الجانبين إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة واسعة قد تكون لها تداعيات إقليمية ودولية كبيرة.