معبر رفح بين وهم الفتح وحقيقة الحصار.. كيف يدير الكيان الصهيوني بوابة التهجير والموت في جنوب غزة؟
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
يمانيون | تحليل
يعود معبر رفح إلى واجهة المشهد الفلسطيني بوصفه أحد أكثر العناوين تضليلًا في الخطاب الصهيوني المعاصر، حيث يُروَّج لفتحه أمام حركة الأفراد، بينما تبقى حقيقته على الأرض مرآة فاضحة لاستمرار الحصار والتحكم الكامل بمصير سكان قطاع غزة.
فالمعبر الواقع جنوب القطاع، وعلى الحدود مع مصر، لا يزال ضمن المناطق التي لم ينسحب منها العدو الصهيوني، ويخضع فعليًا لإدارته الأمنية والسياسية، رغم كل ما قيل عن اتفاقات وقف إطلاق النار ورفع القيود الإنسانية.
وبينما ينتظر الفلسطينيون بوابة حياة، يتحول رفح إلى أداة ضبط وإقصاء، ومعبر انتقائي لا يُفتح إلا وفق شروط صهيونية صارمة، تُفرغ أي حديث عن سيادة أو انفراج إنساني من مضمونه الحقيقي.
فتح انتقائي للأفراد وإغلاق شامل للمساعدات
ورغم إعلان العدو الصهيوني فتح معبر رفح أمام حركة الأفراد، إلا أن هذا “الفتح” لا يتجاوز كونه إجراءً شكليًا، إذ يخضع كل من يرغب بالمغادرة أو العودة إلى موافقة أمنية مسبقة من كيان الاحتلال الصهيوني.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المعبر لا يزال مغلقًا كليًا أمام دخول المساعدات الإنسانية، في مخالفة صريحة وواضحة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي نصّ على رفع القيود عن المساعدات فور إنجاز صفقة تبادل الأسرى.
هذا الإغلاق المتعمّد دفع منظمات إنسانية دولية إلى رفع صوتها، محذّرة من كارثة إنسانية متفاقمة في قطاع مدمر ومحاصر، حيث تُمنع الإمدادات الطبية والغذائية من الوصول، بينما يُستخدم المعبر كأداة ضغط سياسي وأمني لا علاقة لها بالاعتبارات الإنسانية التي يُفترض أن أُنشئ من أجلها.
المرضى رهائن الموافقة الصهيونية
وفي واحدة من أكثر صور الابتزاز قسوة، لا يزال أكثر من 200 مريض – وفق وزارة الصحة في غزة – ينتظرون موافقة العدو الصهيوني للسماح لهم بالمغادرة عبر معبر رفح لتلقي العلاج.
وتفرض سلطات الاحتلال شروطًا صارمة تحدد عدد المسموح لهم بالخروج، حيث لا يُسمح إلا لنحو 50 مريضًا يوميًا، يرافق كل منهم فرد أو اثنان من عائلته، ما يعني أن عدد المغادرين لا يتجاوز 150 شخصًا يوميًا ضمن ما يُسمّى “الإطار الطبي”.
بهذه الصيغة، يتحول المعبر من منفذ إنقاذ إلى أداة فرز قاسٍ بين من يُسمح له بمغادرة دائرة الموت ومن يُترك داخلها، في وقت يُقدَّم فيه هذا الإجراء على أنه “تسهيل إنساني”، بينما هو في جوهره إعادة إنتاج للحصار بأدوات أكثر قسوة وانتقائية.
التهجير المقنّع تحت لافتة العودة المحدودة
وبالتوازي مع السماح المحدود بخروج المرضى، يُروَّج لسماح العدو الصهيوني بعودة أعداد محدودة من سكان القطاع الذين غادروه أثناء العدوان، غير أن هذه العودة تبقى مرهونة أيضًا بالموافقة الصهيونية، وبالتنسيق المسبق مع الجانب المصري.
وهو ما يعكس صورة أخرى من صور التحكم الكامل بحركة السكان، حيث يُدار ملف الدخول والخروج كجزء من هندسة التهجير المدروس، لا كخطوة طبيعية لعودة النازحين إلى ديارهم.
في هذا السياق، يصبح معبر رفح بوابة مزدوجة: بوابة تهجير لمن يُسمح لهم بالخروج تحت ضغط المرض أو الخطر، وبوابة إغلاق بوجه من يفترض أن يعودوا إلى حياتهم الطبيعية داخل القطاع.
لجنة إدارة غزة… موافقة بلا موعد
وعلى المستوى الإداري، لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المؤلفة من 15 شخصية فلسطينية والمكلفة بإدارة شؤون القطاع، عالقة على مشارف غزة بانتظار الموافقة الصهيونية للدخول.
ويؤكد رئيس اللجنة، علي شعث، أنه أُبلغ بموافقة الكيان الصهيوني على دخول الأعضاء، لكن دون تحديد موعد لذلك، ما يجعل هذه الموافقة شكلية بلا قيمة عملية.
هذا التعطيل يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى أي إدارة مدنية في ظل إحاطة العدو الصهيوني بالقطاع منذ مايو 2024، واستمرار سيطرته الفعلية على المعابر والمداخل، بما يحول دون تمكين أي إطار فلسطيني من ممارسة مهامه بشكل حقيقي وفاعل.
السيطرة عن بُعد… الاحتلال بصيغة تكنولوجية
ويواصل العدو الصهيوني احتلاله المباشر للجانب الفلسطيني من معبر رفح، ويرفض الانسحاب منه، مروجًا في المقابل لدور مزعوم لبعثة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مجموعة من الفلسطينيين الذين يوافق عليهم أمنيًا، لإدارة حركة المعبر.
ووفق ما أوردته صحيفة “معاريف” الصهيونية، فإن العدو – حتى دون نشر عناصره داخل المعبر – سيحافظ على سيطرة كاملة عبر الرقابة عن بُعد باستخدام أنظمة تكنولوجية متقدمة.
هذه الصيغة تضمن بقاء القرار النهائي بيد الكيان الصهيوني، سواء في تحديد هوية المسموح لهم بالعبور أو في إخضاعهم لفحوص تحقق إضافية عند نقاط خاضعة لسيطرته، ما يعني أن “الانسحاب” ليس سوى إعادة تموضع للاحتلال بأدوات أقل ظهورًا وأكثر إحكامًا.
رفح بوابة الحصار لا معبر الحياة
وفي المحصلة، يكشف مشهد معبر رفح عن حقيقة صارخة: ما يُسوَّق كفتح إنساني ليس سوى إدارة صهيونية محكمة للحصار، وهندسة دقيقة لمعاناة الفلسطينيين في غزة.
فالمعبر الذي يُفترض أن يكون شريان حياة، تحوّل إلى بوابة انتقائية للموت والتهجير، يُفتح لمن يتهددهم الفناء، ويُغلق بوجه ما يمكن أن يعيد للقطاع نبض الحياة.
وبين سيطرة عسكرية مباشرة، وتحكم تكنولوجي عن بُعد، تبقى غزة محاصرة، لا بالأسوار فقط، بل بقرار صهيوني يصوغ الألم ويضبط الأمل وفق حساباته الخاصة.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: العدو الصهیونی معبر رفح
إقرأ أيضاً:
كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
شهدت عشرينيات القرن الماضي تحولاً مفصلياً في المشروع الصهيوني، مع انتقاله من السعي لإقامة "وطن قومي لليهود" إلى تبني سياسات الاستيطان والاستحواذ على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها، مستفيداً من التشريعات التي أقرها الانتداب البريطاني.
وأسهمت عمليات شراء الأراضي وطرد المزارعين الفلسطينيين في تعميق التوترات واندلاع المواجهات، وصولاً إلى بروز المقاومة الفلسطينية المسلحة التي قادها عز الدين القسام ومهدت لمرحلة جديدة من الصراع في فلسطين.
وفيما يلي النص الكامل لمقال أستاذ التاريخ في جامعة إكستر، المقتبس من كتابه "تاريخ موجز جداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني":
في منتصف عشرينيات القرن الماضي، تحوّل هدف الحركة الصهيونية من مجرد السعي لإقامة وطن آمن لليهود – اعتمادا على دعم القوى الاستعمارية الكبرى – إلى احتلال فلسطين وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم. أكثر من ذلك، بدأت الحركة ترى في ذلك ضرورة لتأسيس الوطن المنشود.
بحلول عام 1926، كانت الحركة الصهيونية قد قلبت رأسا على عقب الأعراف السائدة منذ عقود فيما يتعلق بملكية الأراضي، والتي كانت سارية المفعول منذ الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.
تلك الإصلاحات التي ألغت تأجير الأراضي لحساب الدولة، مكّنت الأثرياء من امتلاكها لحسابهم الخاص. هكذا أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي في أيدي طبقة صغيرة من الملاك، كان الكثير منهم يقيمون خارج فلسطين (عُرفوا بالملاك الغائبين)، وكانت قلة منهم من وجهاء فلسطين.
عند شراء الأرض، كانت ملكيتها تنتقل بما فيها من قرى وسكان. كان العرف يفرض على القرويين الوفاء بالتزامات معينة تجاه مالك الأرض، لكن لم يكن هناك أي احتمال لترحيلهم، على الأقل حتى غيّرت الإدارة البريطانية القوانين.
في عام 1920، ألغى البريطانيون العديد من القيود المفروضة على شراء الأراضي، مع فرض بعض القيود على عمليات الشراء الصهيونية تحسباً لأي مقاومة فلسطينية، لكن ذلك كان يعني من الناحية العملية قدرة الحركة الصهيونية على شراء كل ما تستطيع دفع ثمنه.
كما أعاد البريطانيون تصنيف القرويين الفلسطينيين الذين كان الكثير منهم يزرعون تلك الأراضي منذ أجيال، باعتبارهم مزارعين مستأجرين، وبالتالي أصبح وجودهم مقترنا برغبة مالك الأرض.
بين عامي 1921 و1925، اشترت منظمة “الكومنولث الصهيوني الأمريكي” نحو 80,000 فدان من الأراضي في مرج ابن عامر، المعروف اليوم باسم سهل يزرعيل، من عائلة سرسق المقيمة في بيروت. وفي عام 1929، اشترى “الصندوق القومي اليهودي” قرابة 7,500 فدان في منطقة وادي الحوارث، بين حيفا وتل أبيب، بعد أن عجز ورثة المالك اللبناني الأصلي عن سداد ديونه.
وفي الحالتين، طرد المستوطنون الصهاينة القرويين والمزارعين الفلسطينيين الذين كانوا يزرعون تلك الأراضي، وتم ذلك أحيانا باستخدام القوة.
سعى الصهاينة، مدفوعين بفكرة عمل اليهود في الأرض بأنفسهم، للحصول على أوامر طرد وإخلاء من السلطات البريطانية، وقد حصلوا عليها. هكذا بدأ التطهير العرقي في فلسطين، وهو مستمر حتى يومنا هذا.
ما بدأ كحركة لإنقاذ اليهود وتحديث اليهودية بتحويلها إلى هوية وطنية من بين هويات أخرى، بات الآن مشروعا استعماريا استيطانيا خالصا، يعتمد على إخضاع شعب آخر.
في الاحتلال الاستيطاني، يهدف المحتل إلى استبدال الشعب الأصلي بشعب آخر. وبالنسبة للمستوطنين الذين يسعون جاهدين لفرض ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، يمثل السكان المحليون – الذين يختلفون عنهم اختلافاً تامًّا- عقبة يجب إزالتها، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى أسابيب وحشية.
في أستراليا على سبيل المثال، وقعت ما لا يقل عن 270 مجزرة بحق السكان الأصليين على مدار 140 عاماً من الاستيطان البريطاني.
غير أن هذه العملية لا تعتمد على القوة الغاشمة فحسب. يعمل المستوطنون على محو الماضي حتى يبدأ التاريخ مع وصولهم إلى تلك الأرض. تتلاشى العادات السابقة، ويتم الاستيلاء على الموارد الغذائية كأنها ملك للمستوطنين. بعبارة أخرى، لم يجد المستوطنون أرضا خالية، فاضطروا إلى إخلائها.
يصف باتريك وولف، الباحث الأسترالي المتخصص في الاحتلال الاستيطاني، عقلية المستوطن بأنها تقوم على “منطق الإقصاء”. وقد جادل بأن المشروع الاستيطاني يسعى جاهداً لإتمام عملية الإقصاء إن لم تكن كاملة. بعبارة أخرى، طالما أن إسرائيل متمسكة بفكرة الاحتلال الاستيطاني، فلن تتعايش أبدا مع الفلسطينيين بشكل سلمي.
هذه الممارسات لا تأتي من فراغ. قبل عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وأثناءها، يبني المستوطنون مبررا أيديولوجيا، ويخلقون إجماعا. يفصحون عن نواياهم، تارة بشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر. يتجلى ذلك بوضوح عبر وسائل تبدو بريئة للوهلة الأولى، مثل الرسم، حيث صوّر الرسامون الصهاينة الأوائل وطنهم المستقبلي خاليا تماما من أي قرى فلسطينية.
كيف برر المحتلون الصهاينة ممارساتهم بحق السكان الأصليين؟ جرّدوهم من إنسانيتهم، تماماً كما حدث في المشاريع الاستعمارية الأخرى، وصوّروهم على أنهم “همّج” أو “بدائيون”.
من بين الصور النمطية الأكثر رواجا تصوير الفلسطينيين على أنهم “بدو رحل”، أي لا يرتبطون بالأرض، رغم أن العديد من القرى الفلسطينية موجودة منذ آلاف السنين. وفي الآن ذاته، يزعم المستوطنون أن دوافعهم نبيلة، مثل جلب التحديث والتحضر إلى منطقة متخلفة.
لكن الاحتلال الاستيطاني يختلف عن الاستعمار التقليدي في جانب جوهري. بينما يرى المستعمر أنه يجلب الحداثة إلى دول همجية متخلفة، يعتقد المستوطن أن مهمته تحديث الأرض، وليس السكان. البشر بالنسبة للمستوطنين مجرد عقبة يجب التخلص منها. حتى يومنا هذا، يردد الكثير من الإسرائيليين كذبة أن فلسطين كانت عبارة عن صحراء شاسعة، ولم تزدهر إلا عندما وصل إليها الصهاينة.
كررت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذه المقولة المبتذلة في رسالة التهنئة بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس إسرائيل.
لكن فلسطين لم تكن أبدا صحراء قاحلة، ولم يكن سكانها أبدا بدوًا متخلفين. تم ترويج هذه الأوهام لجعل المشروع الصهيوني أكثر قبولاً وجاذبية لليهود في أوروبا وخارجها، لكن المفكرين الصهاينة كانوا يدركون تماما حقيقة وجود سكان أصليين يجب التعامل معهم.
قبل عشرينيات القرن الماضي بفترة طويلة، يمكن أن نجد قادة صهاينة يتحدثون كيفية تهجير الفلسطينيين. كان بعض المفكرين الصهاينة يأملون أن يهاجر الفلسطينيون طوعا إلى الدول العربية المجاورة إذا حصلوا على تعويضات مالية مناسبة، لكن خيار التهجير القسري ظل مطروحا على الطاولة.
طوّر الصهاينة هذه الأفكار منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 1948، عندما حان الوقت لتنفيذها. تحوّلت تلك الأفكار المجردة إلى مخطط شامل أدى إلى تهجير نصف السكان العرب من فلسطين.
ساهمت عمليات شراء الأراضي في عشرينيات القرن الماضي، وما رافقها من عمليات تطهير عرقي، في إنهاء سنوات الهدوء. مع اقتراب العقد من نهايته، توترت العلاقة بوضوح بين المستوطنين اليهود والفلسطينيين، لتصبح المواجهات العنيفة متكررة في ثلاثينيات القرن العشرين. كما اصطدم الطرفان بالسلطات البريطانية، حيث رأى كل منهما أنها عجزت عن حمايته.
كانت بوادر الكارثة تلوح في الأفق، حيث أُجبر الفلسطينيون الذين فقدوا أراضيهم بعد طردهم من المزارع التي كانوا يعملون بها على الانتقال إلى المدن. كان الفلسطينيون ضحايا منظمات صهيونية تُعرف باسم “العمل العبري” وتصف نفسها بأنها “اشتراكية”، وكانت تؤمن بأن التحديث اليهودي لا يتم إلا من خلال العمل الإنتاجي.
بناءً على ذلك، أرادت هذه المنظمات أن يصبح العمل الزراعي حكراً على اليهود. لكن الملاك اليهود أنفسهم قاوموا هذه السياسة، إذ كانت تعني التخلي عن العمال الفلسطينيين أصحاب الخبرة، وتوظيف عمال يهود ربما لم يسبق لهم العمل في مجال الزراعة.
غير أن ملاك الأراضي الذين اتخذوا هذا الموقف تعرضوا للتشهير واستسلموا في النهاية. هكذا اضطر الفلسطينيون الذين طُردوا من أراضيهم للبحث عن وظائف في المدن.
في عام 1929، تصاعد التوتر بشكل غير مسبوق، وأدى إلى ما يُعرف لدى الفلسطينيين بـ”ثورة البراق”. في 15 أغسطس/ آب، نظمت “الهاغاناه” والصهاينة التصحيحيون المتأثرون بأفكار زئيف جابوتنسكي، تظاهرات عند حائط البراق، ما دفع المسلمين لتنظيم احتجاجات مناهضة في اليوم التالي.
وقعت حوادث عنف بين المسلمين واليهود طوال الأسبوع، بلغت ذروتها بمقتل 17 يهوديا بعد صلاة الجمعة في 23 أغسطس/ آب. أطلق هذا الحدث ردود فعل متسلسلة، وخلال أسبوع واحد، لقي 133 يهوديا و116 فلسطينياً حتفهم.
لم يقتصر العنف على القدس، بل امتد لمدن أخرى، وكان أبرزها أحداث الخليل في 24 أغسطس/ آب 1929. كان يهود الخليل جزءا من أقلية موجودة في فلسطين منذ قرون قبل وصول الصهيونية، وقد عاشوا بسلام مع المسلمين، حيث تؤمن الديانتان بقدسية مدينة الخليل التي تضم قبر النبي إبراهيم.
لم يستسغ الفلسطينيون دخول طلاب المدارس التلمودية بملابسهم الأوروبية إلى الحرم القدسي. ومع انتشار أنباء الاشتباكات في القدس، توافد المسلمون من القرى المحيطة بالخليل إلى داخل المدينة، وقُتل 67 يهودياً، رغم أن بعضهم وجد ملاذاً آمناً في منازل عائلات مسلمة.
اليوم، تُستخدم أحداث الخليل المروعة في الرواية الإسرائيلية الرسمية كدليل على “استحالة” التعايش مع الفلسطينيين، والمفارقة أنها تُستخدم لتبرير المجازر بحق الفلسطينيين.
رغم أن الشرارة المباشرة لأحداث عام 1929 كانت دينية، إلا أن الاضطرابات انتشرت بسرعة وبشكل مدمر بسبب انهيار النظام الاجتماعي الفلسطيني. كان ذلك تعبيرا عن الإحباط بعد عقد من التوسع الصهيوني السريع. خلال ذلك العقد، أدرك الفلسطينيون في القرى والأرياف ما ينتظرهم جميعاً: التطهير العرقي والإفقار المتعمد.
ومع إجبار المزيد من الفلسطينيين على ترك العمل الزراعي، نشأت الأحياء الفقيرة. في حيفا شمالي فلسطين، تبلور شكل جديد من المقاومة الفلسطينية ضد الصهيونية وحلفائها البريطانيين، وهو ما سُمي بـ”حرب العصابات”. هنا برزت شخصية ذات كاريزما طاغية، الإمام عز الدين القسام (1882-1935)، الذي سُمي الجناح العسكري لحركة حماس باسمه، وكذلك صواريخها الأولى.
تُخلّد العديد من فصائل المقاومة الفلسطينية العلمانية إرث عز الدين القسام لإدخاله حرب العصابات في النضال الفلسطيني ضد البريطانيين. استطاع القسام الذي قاوم الاستعمار في بلده سوريا، أن يُلهم الشباب المسلم في الأحياء الفقيرة بحيفا لتأسيس جماعات شبه عسكرية، استعدادًا لنضال طويل الأمد ضد الاستعمار البريطاني.
لكن في مواجهة تدفق كبير للمهاجرين اليهود وتشديد المراقبة من السلطات البريطانية، اضطر القسام إلى كشف نواياه قبل الأوان. في التلال القريبة من جنين، صمد القسام مع 11 عنصرا أمام قوة بريطانية كبيرة لعدة ساعات في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، إلى أن قُتل مع أربعة من رفاقه.
في اليوم التالي، أعلنت حيفا إضرابا عاما. ألهم مقتل القسام أعدادا متزايدة من الشباب الفلسطيني لحمل السلاح والاستعداد لخوض حرب ضد بريطانيا لإجبارها على التخلي عن دعم الصهيونية. ورغم أن ثورة القسام كان محكوما عليها بالفشل، إلا أنها مهدت الطريق لمقاومة أكثر تنظيما في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين.