الصبر قيمة إنسانية وإيمانية عظيمة، لا تظهر حقيقتها إلا في أوقات الشدة، ولا يكتمل معناها إلا حين يقترن بالظلم والاستضعاف. فالصبر على الظلم ليس ضعفًا ولا استسلامًا، بل هو لجوء واعٍ إلى الله، وثقة مطلقة في عدله ونصره، وأمل لا ينكسر مهما اشتدت المحن. وقد جعل الله للصبر أجرًا عظيمًا، وخصّ المظلومين والمستضعفين بعناية إلهية ووعدٍ لا يتخلف.
الصبر عند الاضطرار
الصبر عند الاضطرار الشديد هو من أشرف أنواع الصبر، حيث تنقطع الأسباب، وتضيق السبل، فلا يبقى للإنسان إلا باب الله مفتوحًا. عندها يلجأ المؤمن إلى ربه، يأخذ بأسباب الدعاء، ويحتسب ما أصابه، وهو على يقين بأن الله لا يضيع حقًا ولا يخذل عبدًا لجأ إليه صادقًا.
وقد بيّن النبي ﷺ عِظم أجر الصبر على الأذى والشدائد، فقال:
«ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِن وصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ حتَّى الهَمِّ يُهَمُّهُ، إلَّا كُفِّرَ به مِن سَيِّئاتِهِ»،
وفي رواية أخرى:
«حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ».
وهذا دليل واضح على أن كل ألم يصيب المؤمن، صغيرًا كان أو كبيرًا، هو رفعة له في الدرجات وتكفير للسيئات، لا سيما إذا كان مظلومًا صابرًا.
ولأن الظلم من أشد ما يكسر النفس ويؤلم القلب، فقد فتح الله للمظلوم باب الدعاء، وجعل دعوته مستجابة، ولو بعد حين. ومن أجمل ما يلجأ به المظلوم إلى ربه:
«يا من يجيب المضطر إذا دعاه، إني مظلوم مستضعف، فاكشف عني ما أنا به، وانصرني»،
ويا وكيل المظلومين والمستضعفين انصرني»،
فالله سبحانه هو النصير، وهو العدل الذي لا يرضى بالظلم، ولو تأخر النصر لحكمة يعلمها.
كما أن الدعاء في لحظات الانكسار هو عبادة عظيمة، وفيه تسليم كامل لله، ومن ذلك قول المظلوم:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضر، وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ. اللهم إني ألجأ إليك في ما أنا فيه من قلة حيلتي، وضعفي، وهواني، فانصرني».
الاعتراف بالضعف
فهذا الدعاء يجمع بين الاعتراف بالضعف، واليقين بقوة الله، وهو من أعظم أسباب الفرج.
ولأن الحق لا يضيع، فإن المظلوم يرفع أكفّه إلى السماء داعيًا:
«اللهم أظهر الحق وأحقَّه، اللهم انصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه»،
موقنًا بأن الأيام دول، وأن الله يمهل ولا يهمل، وأن العاقبة دائمًا للمتقين.
ويظل الصبر على الظلم طريقًا شاقًا، لكنه طريق الأنبياء والصالحين، طريق الأجر العظيم والنصر المؤجل. فكم من مظلوم صبر، فجعل الله صبره نورًا، ورفعه به درجات، وانتصر له ولو بعد حين. وكما يقول المظلوم في ختام دعائه:
«اللهم إني ألجأ إليك فإني مضطر، وإني مستضعف ومظلوم، فانتصر لي وأعني وقوِّني».
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الصبر قيمة إنسانية الصبر على
إقرأ أيضاً: