حذر وزير المالية اليوناني الأسبق، البروفيسور يانيس فاروفاكيس، من أن العالم يشهد إعادة إنتاج لعلاقات الهيمنة القديمة، ولكن بصيغة رقمية جديدة، مؤكدا أن دولا كثيرة باتت مهددة بالتحول إلى مجرد"مزارع بيانا" تخدم قوى تكنولوجية عظمى متمركزة في واشنطن وبكين.

وقال في تصريحات للجزيرة نت من موقع قمة الويب 2026 المنعقدة حاليا في الدوحة، إنه في عالم يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد موازين القوة تُقاس فقط بالجغرافيا أو الثروات الطبيعية، بل باتت البيانات هي المورد الأهم، ومن يملك القدرة على جمعها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وسياسية يملك مفاتيح النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

وأضاف أن الصراع في العصر الرقمي لم يعد يدور حول الحدود أو الموارد التقليدية، بل حول من يملك البيانات، ومن يمتلك القدرة على تحويلها إلى سلطة وثروة، موضحا أن التسارع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وضع دولا عديدة أمام خطر فقدان السيطرة على مستقبلها الرقمي، في مشهد يعكس شكلا جديدا من الاستعمار، لا يعتمد على الجيوش، بل على الخوارزميات.

السيادة التكنولوجية

ويرى فاروفاكيس أن السيادة التكنولوجية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذا المسار، مشددا على أن الدولة التي تسمح بتصدير بياناتها الخام، أو تُسند تدريب خوارزمياتها إلى شركات أجنبية، تفقد تدريجيا قدرتها على التحكم في مصيرها الرقمي.

كما أن احتكار آليات تحويل البيانات إلى منتجات وخدمات من قبل شركات وادي السيليكون يؤدي حتما إلى تبعية جديدة، تشبه في جوهرها الاستعمار الاقتصادي الذي ساد في القرن التاسع عشر، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

وأشار فاروفاكيس، المتخصص في الاقتصاد السياسي ونظرية الألعاب ونقد الرأسمالية الرقمية، إلى أن هذا الاستغلال لا يقتصر على الدول الفقيرة وحدها، بل يشمل النظام العالمي بأكمله، فبينما تتواصل النزاعات والحروب في مناطق مثل غزة، تُستخدم هذه البيئات عمليا كمختبرات غير معلنة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، تمهيدا لتسويق منتجات رقمية مربحة لبقية العالم.

إعلان

وفي هذه المعادلة، تُستنزف المجتمعات، الغنية والفقيرة على حد سواء، ضمن نموذج اقتصادي لا يقوم على خلق قيمة مشتركة، بل على استخراج الريع، حيث تُحوَّل البيانات والسلوكيات الرقمية إلى مصدر أرباح مركزة في أيدي قلة محدودة، حسب فاروفاكيس.

يرى يانيس أن الدول التي تُسند تدريب خوارزمياتها إلى شركات أجنبية، تفقد تدريجيا قدرتها على التحكم في مصيرها الرقمي (الجزيرة)منصات رقمية مسممة

وحول استخدام المنصات الرقمية كأدوات للتلاعب السياسي في الانتخابات والصراعات الدولية، يؤكد فاروفاكيس أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في ملكية ما يُعرف برأس المال السحابي، فعندما تُبنى نماذج الأعمال على الإعلانات وتعظيم وقت بقاء المستخدم أمام الشاشة، تتعلم الخوارزميات تلقائيا أن إثارة الغضب والانقسام هي الوسيلة الأكثر فاعلية لجذب الانتباه.

وهكذا، تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات لتسميم المجال العام، ما يجعلها غير متوافقة جوهريا مع أي حوار ديمقراطي صحي وفي هذا الإطار يصبح الذكاء الاصطناعي حين تملكه قلة تسعى لاستخراج الأرباح بأي ثمن، أداة فعالة للتلاعب بالرأي العام، وتوجيه الانتخابات، وتعزيز الاستقطاب السياسي، فانتشار الغضب والكراهية، بحسب فاروفاكيس، ليس خللا عارضا في النظام، بل نتيجة منطقية لنموذج اقتصادي صُمم لخدمة مصالح ضيقة.

وهم التحرر المالي
وعن العملات الرقمية، التي يُروَّج لها أحيانا باعتبارها طريقا للتحرر من هيمنة النظام المالي التقليدي، حذر الوزير اليوناني السابق من أن هذا التصور ينطوي على قدر كبير من الوهم فالعملات المستقرة، على وجه الخصوص، تمثل تهديدا حقيقيا للاستقرار المالي العالمي إذا ظلت خاضعة لسيطرة شركات خاصة ومربوطة بعملات كبرى مثل الدولار أو اليورو.

وأوضح فاروفاكيس، الاقتصادي صاحب نظرية الإقطاع التقني، أن العملات الرقمية لا يمكن أن تكون أداة تحرر حقيقية إلا إذا كانت عامة، تصدر عن بنوك مركزية، وتخضع لرقابة ديمقراطيّة، بما يضمن توظيفها لصالح المجتمع لا لمراكمة الأرباح الخاصة.

يانيس يرى أن الآلات والخوارزميات تعمل لصالح نخبة محدودة، بينما يُترك المجتمع بأسره خارج دائرة القرار والعائد (الجزيرة)الإقطاع الرقمي

كما أكد فاروفاكيس أنه مع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، يعود السؤال الجوهري حول العمل والملكية إلى الواجهة، فكل تفاعل رقمي، من البحث عبر الإنترنت إلى استخدام الهاتف الذكي، يساهم في تراكم رأس مال هائل لصالح شركات التكنولوجيا ولو كان هذا الرأس مال مملوكا بشكل جماعي، مع توزيع عوائده على المستخدمين، لأمكن توجيه الابتكار نحو خدمة المصلحة العامة.

لكن احتكار رأس المال هذا من قبل نسبة ضئيلة للغاية من السكان يفتح الباب أمام شكل جديد من الإقطاع الرقمي، حيث تعمل الآلات والخوارزميات لصالح نخبة محدودة، بينما يُترك المجتمع بأسره خارج دائرة القرار والعائد.

مواجهة الاحتكار

وفيما يتعلق بكيفية مواجهة احتكار المعرفة المولدة آليًا، يرى فاروفاكيس أن هناك مجموعة من الأدوات العملية، من بينها فرض "قابلية التشغيل البيني" بين المنصات للحد من الاحتكار، وإنهاء وهم الخدمات المجانية عبر تعويض المستخدمين عن البيانات التي ينتجونها، إضافة إلى إعادة النظر جذريا في قوانين الملكية والشركات العابرة للحدود.

إعلان

وشدد على أنه في عالم باتت فيه المعرفة سلعة استراتيجية، لم يعد مقبولا أن تعمل الشركات العملاقة داخل الدول دون مشاركة حقيقية في سيادتها الاقتصادية، كما أكد أن الإنترنت لم يعد الفضاء المفتوح الذي بدأ به، حين كان مساحة للتعاون والمشاركة خارج منطق السوق. فمع خصخصة الهوية الرقمية، لم يعد الفرد قادرا على إثبات وجوده على الشبكة دون وساطة شركات كبرى.

وخلص فاروفاكيس إلى أن معركة المستقبل ليست تقنية فقط، بل سياسية واقتصادية بامتياز ومعركة حول من يملك الخوارزميات، ومن يحكم العالم الرقمي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی من یملک لم یعد

إقرأ أيضاً:

وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا

افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع طفيف، بعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الأسابيع الماضية، بينما عززت التطورات الإيجابية في قطاع الذكاء الاصطناعي ثقة المستثمرين بأسهم التكنولوجيا، وفق ما أوردته وكالة رويترز.

وتراجع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنحو 166 نقطة، ما يعادل 0.33 بالمئة، ليصل إلى 50,912 نقطة، بينما انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.06 بالمئة إلى 7,595 نقطة، وتراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بنسبة 0.21 بالمئة إلى 27,030 نقطة.

ورغم الأداء السلبي للمؤشرات، تلقى قطاع الذكاء الاصطناعي دفعة قوية بعد إعلان شركة "هيوليت باكارد إنتربرايز" نتائج مالية فاقت توقعات الأسواق، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقفز سهم الشركة بنسبة تراوحت بين 25 و29 بالمئة، بعدما رفعت توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026 إلى ما بين 29 و33 بالمئة، كما أعلنت تقديم أهدافها المالية المقررة لعام 2028 إلى العام الجاري، مستفيدة من الطلب المتنامي على تقنيات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وتوسعات مراكز البيانات.

كما كشفت الشركة عن إطلاق خوادم جديدة تعتمد على معالجات "فيرا" من شركة إنفيديا، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.


في المقابل، أعلنت شركة "ألفابت"، المالكة لمحرك البحث "غوغل"، خطة لجمع 80 مليار دولار بهدف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها، بحسب تقارير اقتصادية أمريكية.

وتشمل الخطة استثمارا خاصا بقيمة 10 مليارات دولار من شركة "بيركشاير هاثاواي" التابعة للملياردير الأمريكي الشهير وارن بافيت، فيما تسعى ألفابت إلى رفع إنفاقها الرأسمالي خلال عام 2026 إلى ما بين 180 و190 مليار دولار.

ورغم ضخامة المشروع، تراجع سهم "ألفابت" بنحو 2.3 بالمئة، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الطرح الجديد للأسهم على قيمة حصصهم الحالية.

وامتدت موجة التفاؤل إلى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سوبر ميكرو كمبيوتر" بنسبة 5.6 بالمئة، بينما صعد سهم "ديل" بنحو 3 بالمئة.

كما واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها، إذ ارتفع سهم "إنفيديا" بنسبة 2.6 بالمئة، في حين قفز سهم "برودكوم" بنسبة 4.5 بالمئة، في ظل استمرار الرهانات على النمو السريع لسوق الذكاء الاصطناعي عالميا.

ويرى محللون أن الأداء القوي للشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعكس تحولا متزايدا في توجهات المستثمرين نحو القطاعات التكنولوجية القادرة على الاستفادة من الطفرة الحالية، رغم الضغوط التي تواجه الأسواق نتيجة ارتفاع التقييمات وجني الأرباح بعد المكاسب القياسية الأخيرة.

مقالات مشابهة

  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • استشاري: الذكاء الاصطناعي يدخل عصر التنفيذ.. والأنظمة ستنوب عن البشر لإدارة المهام الرقمية
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • لتأمين البنية التحتية الرقمية.. رئيس جامعة دمنهور يتفقد مركز البيانات الرئيسي ويوجه بتجهيز موقعًا احتياطيا
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي