جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@02:00:11 GMT

هل ما زالت المؤسسات تفكّر؟

تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT

هل ما زالت المؤسسات تفكّر؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في زمنٍ تُقاس فيه سرعة الاستجابة أكثر مما تُقاس جودة القرار، وتُكافأ فيه ردود الفعل أكثر مما يُكافأ التفكير، يبدو سؤال «هل ما زالت المؤسسات تفكّر؟» سؤالًا مشروعًا- لا من باب النقد- بل من باب القلق المهني الصادق؛ فالمؤسسات اليوم لا تعاني من نقص المعلومات، بل من فائضها؛ ولا من قلة المؤشرات، بل من ازدحامها؛ ولا من ضعف التواصل، بل من تسارعه إلى درجة تُربك القدرة على التمييز بين المهم والعاجل، وبين ما يستحق القرار وما يستحق الانتظار.

لم تعد المشكلة أن المعلومة لا تصل، بل أنها تصل بسرعة تفوق قدرة العقل المؤسسي على استيعابها، وتحليلها، ووضعها في سياقها الصحيح. ومع كل إشعارٍ جديد، وكل تقريرٍ عاجل، وكل «ترند» عابر، يتعرض القرار لضغط غير مرئي: أن يُتخذ الآن، لا أن يُفكَّر فيه. وهنا تبدأ المفارقة؛ فنحن نعيش في أكثر العصور ثراءً بالبيانات… وأكثرها فقرًا في التفكير العميق.

وفي هذا السياق، لا يصعب أن نجد مديرًا يُمضي يومه بين بريدٍ إلكتروني لا ينتهي، ورسائل فورية لا تتوقف، واجتماعات عاجلة تتلاحق، حتى يصبح التفكير نفسه نشاطًا مؤجَّلًا دائمًا. لا لأننا لا نريد التفكير، بل لأن البيئة لم تعد تمنحنا وقته. وهنا لا تكون المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكون في الإيقاع الذي صُمّمت عليه المؤسسات الحديثة: إيقاع سريع، كثيف، تفاعلي… لكنه نادرًا ما يكون إيقاعًا تأمليًا.

هذا التحول لا يغيّر فقط طريقة العمل، بل يعيد تشكيل عقل المؤسسة نفسه. ما الذي نراه مهمًا؟ ما الذي نعتبره خطرًا؟ ما الذي نمنحه وقتًا، وما الذي نمرّ عليه مرور الكرام؟ ومن يحدّد هذه الأولويات فعلًا: الإدارة… أم الخوارزميات التي تصنع لنا جدول الاهتمامات دون أن نشعر؟

حين تُدار الأولويات بهذا الشكل، لا تصبح القرارات بالضرورة خاطئة، لكنها تصبح قصيرة النفس، سريعة الاستهلاك، ضعيفة القدرة على الاستدامة. نعالج الأعراض أكثر مما نعالج الأسباب، ونُطفئ الحرائق أكثر مما نمنع اشتعالها، ونُتقن إدارة الأزمة أكثر مما نُتقن منعها. وهكذا، تتحوّل الإدارة من فنّ صناعة المستقبل إلى مهارة التكيّف مع الحاضر فقط.

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه يُقنعنا تدريجيًا بأن هذا هو الطبيعي، وأن التفكير العميق ترف لا وقت له، وأن التروّي رفاهية لا تسمح بها وتيرة العصر. ومع الوقت، لا نفقد فقط قدرتنا على التفكير… بل نفقد حتى شعورنا بالحاجة إليه.

المفارقة أن المؤسسات لم تمتلك في تاريخها أدوات للمعرفة كما تمتلك اليوم، ولم تتوفر لها بيانات كما تتوفر الآن، ولم تُفتح أمامها نوافذ الاطلاع كما فُتحت في هذا العصر. ومع ذلك، يبدو أن القدرة على تحويل كل هذا إلى حكمة عملية، ورؤية طويلة المدى، وقرارات متأنية… هي ما يتراجع، لا ما يتقدّم.

ربما لا تحتاج المؤسسات إلى مزيد من الأنظمة، ولا إلى منصات أكثر، ولا إلى تقارير أطول. ربما تحتاج فقط إلى أن تُعيد الاعتبار لفعل بسيط أصبح نادرًا: أن تتوقّف قليلًا، وأن تُفكّر قبل أن تُقرّر، وأن تمنح العقل المؤسسي ما يحتاجه من وقت ومساحة ليقوم بوظيفته الأولى: الفهم قبل الفعل، والرؤية قبل الاستجابة، والمعنى قبل الإجراء.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا معلومات كافية؟

بل: هل ما زال لدينا وقت كافٍ لنفهمها؟

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

منع الاحتفالات داخل الحرم الجامعي خلال مناقشات التخرج

شرعت المؤسسات الجامعية في تطبيق جملة من التعليمات التنظيمية الخاصة بمناقشات مذكرات التخرج، وذلك تنفيذا لتوجيهات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الرامية إلى الحفاظ على الطابع العلمي والأكاديمي لهذه المحطات الجامعية المهمة.

وتضمنت التعليمات الجديدة منع مختلف مظاهر الاحتفال داخل الحرم الجامعي أثناء مناقشات التخرج. بما في ذلك إدخال المرطبات والمشروبات وتنظيم الاحتفالات داخل القاعات والفضاءات البيداغوجية والإدارية. إلى جانب تقييد الحضور بالأشخاص المعنيين مباشرة بالمناقشة وفقا للتنظيمات الداخلية لكل مؤسسة جامعية.

كما شددت المؤسسات الجامعية على ضرورة احترام النظام الداخلي للمؤسسات الجامعية. والمحافظة على نظافة وهدوء الفضاءات الجامعية، بما يضمن إجراء المناقشات في أجواء علمية تتسم بالانضباط والجدية.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار مساعي الوزارة إلى صون حرمة الحرم الجامعي وتعزيز مكانته العلمية. باعتبار أن مناقشة مذكرات التخرج تمثل نشاطاً بيداغوجياً وبحثياً يندرج ضمن المسار التكويني للطلبة. وليس مناسبة للاحتفالات التي قد تؤثر على السير العادي للنشاطات الجامعية.

وأكدت العديد من المؤسسات الجامعية عبر الوطن أن هذه التدابير ذات طابع وطني، وتندرج ضمن توجيهات عامة صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع مراعاة خصوصية التنظيم الداخلي لكل جامعة.

إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور

إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور

مقالات مشابهة

  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • عمرو محمود ياسين في ذكرى ميلاد والده: حضوره لا يغيب وقيمته ما زالت تعيش فينا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • نادي الأسير الفلسطيني: عدد الأسيرات في السجون الإسرائيلية يرتفع إلى 89
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • منع الاحتفالات داخل الحرم الجامعي خلال مناقشات التخرج
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟