حمد بن خلفان آل تويّه

 

صوَّرت أمريكا- المنحازة دومًا إلى كل ما هو ضد العرب والمسلمين- للعرب أنهم سيدخلون الجنة بإبرامهم اتفاقيات سلام مع دويلة الإرهاب الصهيوني، وكعادتهم دومًا؛ صدق هؤلاء هذه الخديعة واندفعوا مفتونين بما أمرهم به السيد الأمريكي، فوقعوا اتفاقيات السلام مع عدوهم اللدود مغتصب الأرض والمعتدي على العرض، فلم ينتج عن هذه الاتفاقيات سوى مزيد من التغول الصهيوني وقضم والتهام مزيد من الأراضي العربية لصالح المحتل الغاصب وإنشاء وبناء المزيد من المستعمرات والمستوطنات في الأراضي التي كان من المفترض أن اتفاقيات السلام إياها توقفها وتُعيد إليهم الأراضي التي أقيمت عليها تلك المستعمرات والمستوطنات!

وعندما انطلق "طوفان الأقصى" المبارك في السابع من أكتوبر المجيد 2023، وكان ثورةً في وجه الظلم والطغيان وثأرًا من الاحتلال والإجرام والإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني المظلوم والمستمر بلا توقف منذ ما يزيد على 75 عامًا، فقد قوبل هذا الفعل التحرري الطبيعي من شعب مقهور ومحتلةٌ أرضه بكل أنواع القمع والإرهاب والتجويع والإبادة الجماعية التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا، وعلى نحوٍ تتضاءل وتصغر معه جريمة "الهولوكوست" أو محرقة اليهود التي ينسب إلى هتلر النازي ارتكابها، وقد ألقت أمريكا بثقلها وراء كل ما أقدمت عليه دويلة الاحتلال البغيض من جرائم وفظاعات؛ إذ انبرت بقضها وقضيضها تزود هذا الكيان الإرهابي بكل أنواع الدعم وفي مقدمة ذلك فتح مخازن أسلحتها ذات القوة التدميرية الهائلة له كي يستمر في حرب التهجير والتجويع والإبادة الجماعية ضد الأبرياء وعلى نحوٍ أكد بوضوح تام أن أمريكا منحازةٌ تمامًا بل ومتآمرة إلى جانب المعتدي ومتماهيةٌ بشكل لا مثيل له مع الجلاد ضد الضحية، وما كان لهذه الجريمة النكراء أن تتجلى بهذا المظهر البشع وتستمر حتى بعد أكذوبة وقف إطلاق النار وفق اتفاق المدعو ترامب، لولا أن هذه الدولة هي التي تريد استمرار هذه الإبادة وهي المتسببة مع العدو الصهيوني في كل جرائمه الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب المنطقة التي تتعرض للأذى في الوقت الراهن، ويعد الكيان اللقيط أداةً من أدوات تنفيذ مخططات أمريكا في المنطقة، استنادًا إلى أن دويلة الاحتلال تعتبر أرخص حاملة طائرات في العالم، وفقًا لوصف أحد رؤساء أمريكا!

إذا ما بحث المرء عن أسباب توترات المنطقة ووجودها الدائم على صفيح ساخن وبرميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة، فلسوف يجد أن المسبب لكل أزمات هذه المنطقة، هو هذا الكيان المصطنع الذي منذ ابتليت به المنطقة بزرعه فيها والمصائب تتوالى عليها، حتى لكأن قدر المنطقة ألا تنعم بالسلام والاستقرار طالما انه منغرسٌ فيها.

وبتآمر (أمريكا) الفاضح مع هذا الكيان المشؤوم، باتت طبول الحرب في المنطقة لا تكف عن القرع وقد غدت أصواتها تصم الآذان، وكأن قدر هذه المنطقة هو بقاء حال اللاأمن واللااستقرار إلى ما شاء الله.

كان بوسع أمريكا أن تكون أقل تماهيًا مع العدو الصهيوني- ولو من باب ذر الرماد في العيون-لإيهام العرب الذين وثقوا فيها أكثر من ثقتهم في بعضهم البعض، ولكن هذه الدولة وبالذات في عهد رئيسها الحالي الذي هو أقرب إلى القرصان وزعيم عصابة منه إلى رجل دولة، وهو المهووس بالظهور الإعلامي؛ إذ لا يكاد يمر يوم من أيام الله دون أن يطل على العالم عبر الشاشات منتفحًا ومتوعدًا دول العالم وشعوبها إما بالرضوخ لمشيئته، وإما بالويل والثبور إن هي عصت أوامره النرجسية التي يطلقها من فمه الكريه بكل صفاقة وفوقية وبطريقة تؤكد بأن المتعة الكبرى لهذا الشخص المصاب بتضخم الأنا المتورمة وجنون العظمة، تكمن في رغبته الجامحة المجنونة في وجوب أن يرد كل من يخاطبه بلغته المهددة المنذرة هذه بـ"سمعنا وأطعنا"!

إن من أقسى ويلات الزمن ونكده بحق أن يظهر فيه شخص تكون له الكلمة والأمر في شؤون العالم مثل هذا الشقي الأخرق المسكون بكل أمراض النفس التواقة لاستعباد غيرها والذي يصور له عقله المريض أن قضاءه وقدره هو الذي يجب أن يسير شؤون العباد وحياتهم في كل مكان، ولكن مهلًا أيها المأفون، فليس قدرك وقضاؤك أنت الذي لا يرد ولا يبدل، وإنما قضاء الله وحده ووحده فقط سبحانه الذي لا يرد ولا يبدل!

تتسارع الأحداث والوقائع على الأرض على نحو غير مسبوق، منذرة بأن الأيام المقبلة حبلى بالكثير من الأحداث المخيفة المهددة بتقسيم المنطقة بشكل أكثر تصدعًا وتمزقًا مما كانت عليه من قبل، وهو ما يتبدى بوضوح تام من خلال ما تبيته دولة الشر (أمريكا) والكيان اللقيط من مخططات ملعونة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من الخضوع والتبعية لبلدان المنطقة بحيث تكون لدولة الكيان الغاصب اليد الطولى والكلمة الفصل في تقرير مصير المنطقة، وكل ذلك يجري جهارًا نهارًا وبلا مواربة أو أدنى إجراء لإخفائه، وما ذلك إلا دليل على العجرفة والعنجهية والطغيان الذي جبل عليه هؤلاء!

عندما تبجح ذلك المتعجرف ترامب بخطة سلامه العرجاء تلك بوقف الحرب الظالمة على غزة والتي أدت إلى وقف صوري لإطلاق النار خلال أكتوبر 2025 كي ترتفع أسهمه نتيجة لذلك ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه كصانع للسلام كما صور له عقله المريض، وأنه أطفأ نزاعات عديدة و أوقف حروبًا كثيرة بشكل لم يحدث قبلًا وطوال آلاف الأعوام، فقد تفاءل الناس خيرًا وبالذات الفلسطينيون، محسنين الظن به وبخطته، وأن من شأنها أن توقف الإبادة الجماعية وسياسة العقاب الجماعي التي يمارسها العدو الصهيوني المجرم ضد غزة المحاصرة المجوعة، ولكن الأيام التي أعقبت بدء سريان تلك الخطة، أكدت بكل وضوح مدى زيف وكذب وتضليل خطة اللاسلام الترامبية؛ إذ لم تتوقف الإبادة الجماعية بحق الغزيين وإنما استمرت عمليات القتل والاغتيالات ضد الأبرياء تحت حجج وذرائع كاذبة كثيرة، وبقي الحصار مضروبًا على الناس عبر التحكم الجائر في دخول مواد الإغاثة والطعام والدواء والخيام التي تقي الناس البرد والمطر إلا بالقدر الضئيل الذي يسمح به العدو الإرهابي الصهيوني، ولا حيلة للناس إزاء ذلك، ولا قدرة للوسطاء على كسر هذه المعادلة النارية لأن دويلة الاحتلال المجرم ترفض ما تنص عليه الخطة بهذا الشأن، ولأن أمريكا الظالمة تُعد ما يقوم به الكيان الملعون من قبيل ممارسة حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه، وأنها لا سلطة لها للتدخل بالشؤون الداخلية للغير!

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
  • مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
  • إيران: ما يجري في المنطقة نتيجة جرائم العدو الصهيوني ومجلس الأمن مطالب بإجراءات رادعة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • هيئة البث العبرية: أمريكا تدعم استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟